الطفولة المؤجلة في وطن يبحث عن السلام
لمى عواد

في العالم يُحتفى بيوم الطفل كمساحة للفرح واللعب والبهجة، لكن الطفل الفلسطيني يذهب إلى هذا اليوم محمّلًا بما يفترض أنه ليس من نصيبه، الخسارة، والخوف، والنجاة، وأسئلة الوجود اليومية.
إنّه طفل يختبر العالم من زاوية تختلف عن كل الأطفال؛ زاوية محاطة بالأسلاك والجدران والتصاريح والحواجز، لكنه رغم ذلك يحمل قدرة استثنائية على إعادة خلق الحياة كلما تكسّر محيطه. طفولة محاصرة بالأسئلة يتعلّم الطفل الفلسطيني منذ سنواته الأولى مفردات لا يجب أن يتعلمها: حصار، تهجير، شهيد، إسعاف، قصف، اعتقال.
كيف يمكن لطفل أن يعرّف نفسه وسط هذا الضجيج؟ وكيف يمكن لمخيلته أن تظل مساحة آمنة في زمن باتت فيه السماء مصدر خوف لا مصدر مطر؟ ولأن الطفولة هي الحق الأول الذي يُسلب دائمًا، يصبح الطفل في فلسطين أكبر من عمره.
يحمل ذاكرة لا تليق بسنّه، ووعيًا سياسيًا لم يختره، ورغبة دائمة في أن يكون "بخير" رغم كل شيء. حق اللعب رفاهية مؤجلة اللعب، وهو أبسط حقوق الطفل،
يتحول في فلسطين إلى حدث نادر أو محكوم بشروط،
ملعب محاط بجدار،
أو فسحة مراقَبة،
أو شارع قد يتغير مصيره في لحظة.
الطفل هنا لا يركض فقط، بل يختبر معنى الحرية الصغيرة المتاحة له قبل أن تغلق عليه السماء مرة أخرى. ورغم ذلك، تُدهشك قدرة الأطفال على ابتكار لعبتهم الخاصة،
كرة مصنوعة من القماش،
طائرة ورقية ترتفع أعلى من السلك الشائك،
دراجة ثقيلة تُجرّ على طريق مكسور.
كل هذا ليس مجرد لعب، بل إعلان صغير عن أن الحياة لا تزال ممكنة. التعلّم في بيئة غير طبيعية من المدرسة التي تُغلق بسبب اقتحام، إلى الكتب التي تُمزّق، وصولًا إلى الطرق التي تُمنع، يذهب الطفل الفلسطيني إلى التعليم وكأنه يعبر رحلة طويلة بين نقطتين.
التعليم هنا ليس حقًا فقط، بل معركة صامتة من أجل الأمل. الطفل الفلسطيني يذهب لصفه محاطًا بما لا يجب أن يراه:
جنود، مستوطنون،
حواجز، أصوات انفجارات.
ومع ذلك، يبقى واحدًا من أكثر أطفال العالم تمسكًا بالدراسة كفكرة للخلاص. لأنهم يعرفون بالفطرة أن مستقبلهم هو الفضاء الوحيد الذي لم يُحتل بعد.الإبداع بوصفه مقاومة الرسوم التي يرسمها الأطفال في فلسطين ليست مجرد ألوان على ورق؛ إنها شهادة حياة.
الشجرة ليست شجرة فقط، إنها جذر لا يُقلع.
البيت ليس بيتًا، إنه وطن صغير يمكن طيّه بين حقيبتين.
وحتى الشمس، تُرسم دائمًا أكبر من مساحتها في الطبيعة، وكأن الأطفال يصرّون أن يبقى الضوء جزءًا من يومهم.
الفن، والكلمة، والأغنية، والحكاية… كلها تتحول عند الأطفال إلى لغة مقاومة ناعمة، لا ترفع صوتها، لكنها تظل أعمق من كل الأصوات العالية.
بين الألم والأمل ليس المطلوب من العالم أن يشعر بالشفقة تجاه الأطفال الفلسطينيين؛ المطلوب أن يعترف بأن طفولتهم تُنتهك يوميًّا، وأن حقوقهم ليست بندًا في تقرير، بل حياة قائمة.
يوم الطفل بالنسبة لهم ليس احتفالًا بقدر ما هو تذكيربأن حماية الطفل ليست شعارًا بل مسؤولية، وأن الطفولة ليست زمنًا عابرًا بل أساس الحياة، وأن العالم مطالب بأن يرى الأطفال الفلسطينيين كما هم: أطفال يصرّون على الفرح رغم كل شيء. يوم الطفل الفلسطيني ليس مناسبة فقط؛ إنه رواية كاملة عن شعب يرفض أن تتلاشى روحه. وإذا كان من رسالة لهذا اليوم فهي: أن الطفل الفلسطيني، رغم كل ما فقده، لا يزال يقف في الصف الأول للحياة. ولا يزال يحمل مفاتيح المستقبل في يد صغيرة، لكنها أقوى مما يظن العالم.