كل شيء مؤجل في حياتهم.. غزيون يعيشون على حافة القلق والضياع

القاهرة - الحياة الجديدة- نادر القصير- في الأزقة المهدمة وبين ركام البيوت التي كانت تضج بالحياة يوما، يعيش الغزيون حالة من التيه والانتظار، يتأرجحون بين أمل خجول بتثبيت الهدنة، وخوف متجذر من عودة الحرب فجأة لتكمل ما لم تدمره بعد.
يقول أبو محمد (52 عاما)، وهو يجلس أمام خيمة نصبت قرب أنقاض منزله في خان يونس: "لا نعرف إن كنا سنبني من جديد، أم أننا سنقصف قبل أن نبدأ كل شيء مؤجل في حياتنا، حتى الحلم".
مشاعر القلق لا تفارق وجوه المواطنين.. الأطفال الذين عاشوا تحت القصف، والنساء اللواتي فقدن أحبتهن، والشباب الذين ضاعت فرصهم الدراسية والعملية.. فكل خبر أو إشاعة عن توتر يعيدهم إلى لحظة الانفجار الأولى.
تقول أم آية (38 عاما)، وهي أم لخمسة أطفال فقدت منزلها: "كل صباح أستيقظ على أصوات إعادة الإعمار في الشوارع، لكن في داخلي خوف دائم من أن يتوقف كل شيء فجأة. لا أريد بيتا فقط، أريد حياة آمنة لأولادي".
في المقابل، يحاول البعض التمسك بخيط الأمل الرفيع.
يجلس خالد (26 عاما) في مقهى صغير أعيد افتتاحه حديثا وسط غزة، يتابع الأخبار على هاتفه ويقول: "نحن نحيا على الانتظار انتظار الرواتب، انتظار الكهرباء، انتظار المعابر، وانتظار سلام لا يأتي".
الشارع الغزي اليوم يشبه المدينة نفسها.. ممزق بين الرغبة في النهوض، والرهبة من السقوط من جديد.. الهدوء النسبي لا يطمئن أحدا، فهو أشبه باستراحة قصيرة بين موجتين عاتيتين.
وبين أخبار متضاربة عن تثبيت الهدنة، وأحاديث تتردد عن احتمال عودة الحرب في أي لحظة، يعيش الغزيون، خاصة النازحون من مدينة رفح، حالة من القلق والتيه الوجودي، لا يعرفون فيها إن كانوا عائدين إلى بيوتهم أم إلى خيام جديدة.
في إحدى مدارس الإيواء شمال خان يونس، تجلس أم يوسف (47 عاما) أمام باب الصف الذي تحول إلى مأوى لعائلتها. تتحدث بعينين غارقتين في الغياب: "كل يوم أستيقظ على نفس المشهد.. جدران المدرسة، رائحة الغبار، وذكريات بيتنا في حي الجنينة برفح. قالوا سنعود بعد أيام، مرت شهور ولم نعد. اليوم لا أريد وعودا، أريد أن أصدق فقط أن لنا مكانا على هذه الأرض"."
أما أبو سامر (61 عاما)، وهو مزارع من رفح الشرقية فقد أرضه ومنزله في العدوان الأخير، فيقول بصوت متهدج: "زرعت الأرض لأربعين سنة. الآن صارت خط تماس. كيف أعود إلى أرض لم تعد تعرفني؟ ربما سأموت قبل أن ألمس ترابها من جديد.
كثيرون من نازحي رفح باتوا يعيشون شعورا بأن مدينتهم صارت حلما بعيد المنال.
سلمى (22 عاما)، طالبة جامعية، تستذكر صورة بيتها المدمر وما كان يلفه من استقرار وطمأنينة قائلة: "هذه كانت غرفتي.. مكتبي.. مكتبتي الصغيرة. كنت أظن أني سأعود بعد الهدنة، لكننا اليوم نعيش هدنة بلا بيوت. أشعر أننا أصبحنا غرباء حتى عن ذاكرتنا".
وفي خيمة أخرى، كان عدنان (35 عاما) يقول انه يراقب طفليه يلعبان بالحجارة كل يوم. ويضيف: "في رفح كانت حياتنا بسيطة لكنها مستقرة. الآن لا أستطيع أن أعد أولادي بشيء. نسأل متى نعود؟ فيقال لنا: قريبا. لكن ما معنى (قريبا) في حياة توقفت؟".
حسب مختصين اجتماعيين، فإن حالة الفقد الممتدة لدى نازحي رفح لا تتعلق فقط بخسارة البيت، بل بانهيار الإحساس بالاستقرار.
يقول الأخصائي النفسي د. محفوظ عثمان: "النازح من رفح يشعر أنه اقتلع من جذوره. ومع غياب وضوح المستقبل، تتعمق حالة الاغتراب الداخلي، خاصة لدى الشباب الذين فقدوا الأمل في العودة أو العمل أو الاستقرار".
في المقابل، تحاول بعض العائلات التشبث بما تبقى من أمل.
أم رائد (50 عاما) تضع صورة منزلها على جدار الخيمة وتقول بابتسامة حزينة: "ربما لن نعود قريبا، لكن هذه الصورة تذكرني أن لي بيتا.. وأن رفح ليست حلما فقط، بل حياة سنستعيدها يوما ما".
هكذا يعيش الغزيون اليوم بين هدنة هشة وذكريات مدن لم تعد كما كانت.. يبحثون عن طمأنينة ضائعة، وعن إجابة واحدة لسؤال واحد يؤرقهم جميعا: هل سنعود؟
خبراء ومحللون في غزة يرون أن استمرار هذا الوضع يترك آثارا نفسية واجتماعية عميقة.
المختص الاجتماعي د. ياسر أبو نصر يقول: "المواطنون هنا يعيشون حالة من القلق الوجودي، لا يعرفون إن كان الغد أفضل أم أسوأ. وهذا القلق المزمن يجعلهم عالقين بين الماضي واللامستقبل".
ورغم كل هذا، لا يزال في غزة ما يدهشك من صبر وإصرار.. فبين الركام تسمع ضحكة طفل، وترى يد تبني من جديد، وكأن الغزيين يقولون للعالم: ربما خسرنا كل شيء، لكننا لم نخسر أنفسنا بعد.
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يعتقل شابا بعد الاعتداء عليه شمال القدس
إصابة برصاص الاحتلال شرقي مدينة غزة وسط عمليات تجريف ونبش قبور وقصف مكثف
الاحتلال يعتقل شابا بعد الاعتداء عبيه شمال القدس
مستعمرون يقتحمون المسجد الأقصى
مستعمرون يقتحمون المسجد الأقصى
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 71,660 والإصابات إلى 171,419 منذ بدء العدوان