عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 04 تشرين الثاني 2025

مسعدة في كفر مالك.. من مسار إبراهيم الخليل إلى بيت الرواية الفلسطينية

رام الله- الحياة الجديدة- حنين خالد- في قرية كفر مالك شمال رام الله، ينبض منزل قديم بروحٍ جديدة. بيت فلسطيني عتيق، تقف مسعدة معدي مثالا على الإبداع والإصرار في تحويل التراث إلى مشروع حي يروي حكاية المكان والإنسان الفلسطيني. فمنذ عام 2012، قررت مسعدة أن تعيد الحياة إلى بيت العائلة القديم، وتحوله إلى مشروع سياحي صغير يستقبل الزوار من داخل فلسطين وخارجها، بهدف إحياء التراث المحلي وتعزيز السياحة المجتمعية؛ ليصبح عنوانا للأصالة الفلسطينية والتبادل الثقافي.

 

من فكرة عائلية إلى حلمٍ وطني

تقول مسعدة بابتسامة تعبق بالذكريات: "بدأت الفكرة حين رممنا المنزل القديم الذي ورثناه عن أجدادنا، وكنا نسكن فيه بالفعل. ومع توسع العائلة بنينا طابقا جديدا فوق البيت، لكننا حرصنا على الحفاظ على الطابع التراثي، مستخدمين الممرات الحجرية القديمة وتفاصيل البناء الأصيلة".

كانت البداية بسيطة، لكن النظرة الثاقبة لمسعدة جعلت من هذا القرار خطوة أولى نحو مشروعٍ رائد في السياحة المجتمعية.

 

الزوار الأوائل.. وميلاد التجربة

كان المشروع في بدايته يستقبل زوار مسار إبراهيم الخليل، المعروف اليوم بـ "مسار فلسطين التراثي"، وهو طريق يربط شمال فلسطين بجنوبها مرورا بالجبال والقرى. كان الزوار يتوقفون في كفر مالك لتناول وجبة الغداء في مقر الجمعية النسوية، ثم تطور الأمر ليطلبوا المبيت في منزل عائلة معدي. ومن هنا، بدأت فكرة تحويل المنزل إلى بيت ضيافة تراثي يقدم تجربة فلسطينية أصيلة.

 

منزل يتحول إلى فندق صغير

مع مرور الوقت، تضيف مسعدة: "وسعنا المكان ليستوعب مزيدا من الضيوف، وأضفنا غرفا جديدة وحمامات حديثة، دون المساس بجمال الحجر القديم ورائحة الماضي".

تستذكر مسعدة: "صار بيتنا أشبه بفندق صغير، فيه 15 سريرا وغرفة مجهزة وحمامات مناسبة. كان الضيوف يقضون الليلة عندنا، خاصة طلاب الجامعات والشباب الأجانب، يتناولون العشاء والفطور، ليعيشوا معنا تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية ثم يواصلون رحلتهم على المسار".

 

تنوع الزوار وتنوع الحكايات

استقبلت مسعدة زوارا من فرنسا، وإيطاليا، ةألمانيا، وأميركا، وحتى البرازيل. لم يكن المشروع تجاريا بحتا، بل رسالة ثقافية وإنسانية، مع رمزية رسوم الإقامة (بين 50 و70 دولارا للشخص)، أما الهدف الأسمى فكان تبادل الثقافات، ونقل الصورة الحقيقية عن الشعب الفلسطيني وحياة المرأة الفلسطينية.

"كنا نريد أن نقدم الصورة الحقيقية لفلسطين والمرأة الفلسطينية، بعيدا عن الأخبار والمشاهد النمطية. كثير من الزوار عادوا لبلادهم يحملون قصة شعبٍ يحب الحياة رغم التحديات"، تقول مسعدة.

 

بيت يحتضن التراث بعناصره الأصيلة

في داخل المنزل، تحتفظ مسعدة بعناصر تراثية تعبق بالماضي: الموقدة التي تستخدم للطهي والتدفئة، وشبابيك صغيرة تطل على الحديقة، ومساحات مخصصة للجلوس والنقاش.

لم تكتف مسعدة بالإقامة فقط، بل أضافت أنشطة تعليمية مميزة للزوار: تعليم الأكلات الشعبية الفلسطينية، عرض الحرف اليدوية النسوية، وجلسات حوارية مع شباب البلدة وطلاب الجامعات لتبادل الثقافات والتجارب، وتؤكد: "كنا نريدهم أن يروا فلسطين كما نعيشها، لا كما يسمعون عنها".

 

تحديات وإصرار.. نحو المستقبل

لم يكن الطريق سهلا، فقد واجهت العائلة تحديات أثناء الترميم، خاصة في الحفاظ على الطابع الفلسطيني الأصيل. ومع ذلك، شاركت نساء البلدة في دعم المشروع بكل قوة من خلال إعداد المأكولات، وبيع منتجات يدوية والإكسسوارات التراثية البسيطة، لتوفير دخل إضافي يعزز استقلاليتهن.

لكن مع تفشي جائحة كورونا ثم اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، اضطر المشروع إلى التوقف مؤقتا. تقول مسعدة: "توقف العمل بسبب الظروف الصعبة، لكننا مصممون على إعادة فتح البيت بعد انتهاء الحرب. نريد أن نطور المشروع أكثر، نرمم الغرف، ونشجع على السياحة الداخلية". لكنها تؤكد أن الهدف سيبقى كما هو: "كل مرة تتوقف فيها الحياة، نعيد إحياءها من جديد. هذا البيت لا يعرف الاستسلام".

تختم مسعدة حديثها لـ "الحياة الجديدة" بالقول: "الحفاظ على التراث الفلسطيني هو حفاظ على هويتنا وتاريخنا. هذه البيوت القديمة ليست مجرد حجارة، بل ذاكرة أجدادنا وجزء من روح فلسطين. علينا دعم المشاريع الصغيرة مثل هذا المشروع لتبقى الحكاية مستمرة".