السفير البولندي فيسلاف كوتسيو لـ"الحياة الجديدة": أي سلام دائم يجب أن يضمن العدالة والحقوق الوطنية للفلسطينيين

علاقتنا بفلسطين ثابتة ومتوازنة ونؤيد حلّ الدولتين وفق القانون الدولي ** تجربتنا التاريخية في مقاومة الاحتلال تمنحنا فهمًا أعمق لمعاناة الفلسطينيين ** الضغوط الإسرائيلية لا تغيّر من استقلالية الموقف البولندي
رام الله- الحياة الجديدة- أجرت الحوار عبير البرغوثي- في ظلّ التحولات السياسية المتسارعة في الشرق الأوسط وتصاعد النقاش الدولي حول اليوم التالي للحرب على غزة، تؤكد بولندا، العضو الفاعل في الاتحاد الأوروبي وصاحبة تجربة تاريخية مريرة مع الاحتلال والانقسام موقفها الداعم للسلام العادل القائم على القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وفي مقابلة خاصة، يقدّم السفير فيسلاف كوتسيو، ممثل جمهورية بولندا لدى دولة فلسطين، السفير فيسلاف كوتسيو، رؤية وارسو حيال اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ودور الاتحاد الأوروبي في المرحلة المقبلة، إضافة إلى مستقبل العلاقات البولندية– الفلسطينية وإمكانيات تعزيز الدعم الإنساني، واستثمار الذاكرة التاريخية لبولندا في خطاب أكثر إنصافًا للحقوق الفلسطينية.
الخطة الأميركية محاولة واقعية لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط
كيف تنظر بولندا إلى إعلان وقف الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة؟
نرحب بتفاؤل بالخطة الأميركية للسلام في قطاع غزة، التي تم إعدادها بالتشاور مع الدول العربية والإسلامية ومع حكومة إسرائيل. نعتبرها محاولة واقعية وجريئة لإنهاء الصراع وتهيئة الظروف لإحلال سلام دائم في الشرق الأوسط.
نقدّر أن الخطة تنص على الوقف الفوري للأعمال العدائية، وإطلاق سراح الرهائن والأسرى الفلسطينيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى قطاع غزة.
ونعرب عن ارتياحنا لأن الخطة تمهّد الطريق نحو التعافي الاقتصادي وحل الدولتين، بما يشمل دمج قطاع غزة والضفة الغربية في دولة فلسطينية مستقبلية. هذا النهج يفتح الباب أمام تسوية عادلة ودائمة، تأخذ في الاعتبار حقوق وأمن كل من الفلسطينيين والإسرائيليين. ونعتقد أن السلطة الفلسطينية ستكون قادرة على الإسهام في إدارة واستقرار وأمن قطاع غزة.
ندعو جميع أطراف النزاع إلى انتهاز هذه الفرصة واتخاذ قرارات مسؤولة للحفاظ على وقف إطلاق النار والتعاون في تنفيذ الاتفاق.
نأمل أن تمثل هذه الخطة المقترحة نقطة تحول في عملية السلام، وأن تضع حدًا للأزمة الإنسانية المأساوية في قطاع غزة.
ملتزمون بحل الدولتين
ما هو الموقف الرسمي لبولندا من الهجوم الإسرائيلي الذي وُصف دوليًا بأنه حرب إبادة ضد المدنيين في غزة؟
منذ بداية الحرب، اعربت بولندا عن قلقها البالغ من توسيع جيش الاحتلال الإسرائيلي عملياته البرية في قطاع غزة، وهي خطوة تفتقر إلى المبررات العسكرية الكافية وأدت إلى عواقب إنسانية غير مقبولة على السكان المدنيين في القطاع، بما في ذلك التهجير الجماعي، وسقوط الضحايا، وتدمير البنية التحتية. وقد جددنا دعوتنا لإسرائيل بضرورة توفير الحماية الكاملة للمدنيين وزيادة إيصال المساعدات الإنسانية فورًا.
وفي الوقت ذاته، نتابع بأشد القلق نتائج التقرير الذي أصدرته لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة في 16 أيلول 2025، والذي خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة وتتحمل المسؤولية عنها.
بعد الهجوم المروع الذي شنته حركة "حماس" على إسرائيل في السابع من تشرين الأول 2023، بقي الوضع في الشرق الأوسط مصدر قلق عميق لنا. وقد دعونا مرارًا إلى وقف فوري لإطلاق النار، والإفراج غير المشروط عن جميع الرهائن، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع مناطق القطاع بالتنسيق مع الأمم المتحدة والجهات المعنية.
يبقى التزامنا بحل الدولتين عن طريق التفاوض راسخًا، وندعو إلى التنفيذ السريع للإجراءات المنصوص عليها في إعلان نيويورك. ويتعين على جميع الأطراف الامتناع عن أي أعمال من شأنها تقويض إمكانية تحقيق هذا الحل.
موقف الاتحاد الأوروبي.. متوازن
هل ترى بولندا أن موقف الاتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية ينسجم مع مبادئ حقوق الإنسان التي يدعو لها؟
نعم، بشكل عام، يعكس موقف الاتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية التزامه بحقوق الإنسان والقانون الدولي. فالاتحاد الأوروبي يؤكد باستمرار، في وثائقه الرسمية وبياناته وتحركاته الدبلوماسية، على أهمية حماية المدنيين واحترام القانون الإنساني الدولي. كما يحتفظ بحوار منتظم مع كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية لتعزيز احترام هذه المبادئ.
وقد اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات عملية مثل فرض عقوبات على المستوطنين الإسرائيليين العنيفين في الضفة الغربية، لمحاسبة الأفراد الذين يقوضون السلام وينتهكون حقوق الإنسان. ويظل الاتحاد ملتزمًا بدعم إقامة دولة فلسطينية حرة ومستقلة وذات سيادة، تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل في سلام وأمن، على أساس الاعتراف المتبادل واحترام القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ويؤكد الاتحاد الأوروبي باستمرار على ضرورة السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة بشكل فوري ومستمر وعلى نطاق واسع، وتمكين الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الإنسانية من العمل بحرية وحياد لإنقاذ الأرواح والتخفيف من المعاناة. كما يشدد على حماية المدنيين والعاملين الإنسانيين والمرافق المدنية كالمستشفيات والمدارس ومقار الأمم المتحدة.
وندين بشدة تصاعد العنف في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وزيادة اعتداءات المستوطنين خاصة خلال موسم قطف الزيتون الحالي، وكذلك توسيع المستوطنات غير القانونية.
ونؤكد أن إجراءات مكافحة الإرهاب يجب أن تلتزم بالقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني. كما ندعو إسرائيل إلى الالتزام بمبادئ استخدام القوة، وهي الإنسانية، والضرورة، والتمييز، والتناسب، وضمان التحقيق المحايد والفعال في حالات الانتهاكات المزعومة.
العلاقات الفلسطينية البولندية.. مستقرة
كيف تصفون طبيعة العلاقات الدبلوماسية الحالية بين بولندا والسلطة الفلسطينية؟
العلاقات الدبلوماسية بين بولندا والسلطة الفلسطينية مستقرة وبناءة بشكل عام. فقد اعترفت بولندا رسميًا بإعلان استقلال فلسطين عام 1988، ومنذ ذلك الحين حافظت على تواصل دبلوماسي مع القيادة الفلسطينية.
وبينما تدعم بولندا حلاً سلميًّا يقوم على مبدأ الدولتين، فإنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقات جيدة مع إسرائيل، ما يعكس نهجًا متوازنًا يستند إلى احترام القانون الدولي والحوار والاستقرار الإقليمي.
تُدار العلاقات عبر مكتب التمثيل البولندي في رام الله وسفارة فلسطين في وارسو، وتركز على الحوار السياسي والتعاون التنموي والدعم الإنساني.
أثرت الحرب في غزة والتصعيد الإقليمي على عمق وتنوع العلاقات، ما قلّص من مستوى التفاعل الدبلوماسي الرفيع والتبادل الثقافي والأكاديمي. ومع ذلك، تركز الجهود حاليًا على الاستجابة الإنسانية والتنموية في مجالات الصحة وريادة الأعمال والخدمات الاجتماعية والتعليم.
ويرى الجانبان أن هذا الوضع مؤقت، وأن إعادة الإعمار والتنمية في الأراضي الفلسطينية ستفتح آفاقًا جديدة لتعزيز التعاون الثنائي في المستقبل.
تعتبر بولندا فلسطين شريكًا مهمًا في الشرق الأوسط، وتطمح لتوسيع التعاون في مجالات الزراعة، وإدارة المياه، والتعليم العالي، والقضاء، ومكافحة الفساد، والحوكمة، والضرائب، والسياحة. كما تشجع على الشراكات بين المدن مثل (رام الله – لوبلين، وبيت لحم – تشيستوخوفا) وعلى التبادل الثقافي والأكاديمي.
وتلتزم بولندا بتسهيل حصول الفلسطينيين على الخدمات القنصلية من خلال بعثات قنصلية منتظمة في مكتبها برام الله.
من تجربة الاحتلال إلى دعم الحرية: بولندا تستلهم تاريخها لمساندة فلسطين
بالنظر إلى تجربة بولندا التاريخية في مقاومة الاحتلال والاضطهاد، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه في تعزيز التضامن مع الشعب الفلسطيني؟
بفضل تاريخها الطويل تحت الاحتلال الأجنبي والتقسيم والمقاومة، تدرك بولندا بعمق قيمة السيادة والحرية والكرامة الإنسانية. وتمنحها هذه التجربة أساسًا أخلاقيًا وتاريخيًا لدعم الشعوب التي تواجه نضالاً مشابهًا اليوم، بما في ذلك الشعب الفلسطيني.
تعترف بولندا بدولة فلسطين منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وتؤمن بأن القانون الدولي هو حجر الأساس للنظام العالمي القائم على القواعد.
وباعتبارها دولة استعادت استقلالها بعد عقود من القهر، تستطيع بولندا أن تلعب دورًا فاعلاً في الدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير والتحرر من الاحتلال والعيش بكرامة وسلام.
تجربة بولندا في المصالحة ما بعد الحرب، وخاصة مع ألمانيا، تقدم نموذجًا ملهمًا لإمكانية التحول من الصراع إلى التعاون والتفاهم المتبادل. وقد يبعث هذا المثال الأمل للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء بأن الاعتراف المتبادل بالحقوق والروايات يمكن أن يفتح طريقًا للتعايش السلمي.
برامج بولندية لدعم المستشفيات والجامعات والمجتمع المدني الفلسطيني
هل هناك خطط مستقبلية لدعم المستشفيات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية من خلال برامج تعاون مشتركة؟
نعم، تواصل بولندا التزامها بدعم المستشفيات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية عبر مبادرات تعاون حالية ومستقبلية.
ويحدّد برنامج التعاون التنموي البولندي لعام 2025 مجالين رئيسيين في الأراضي الفلسطينية: الرعاية الصحية وريادة الأعمال.
في مجال الصحة، تخطط بولندا لدعم تحسين الوصول إلى الرعاية الطبية النوعية من خلال العيادات المتنقلة، واستخدام الطب عن بُعد، وتدريب الكوادر الطبية.
وفي مجال التعليم العالي، هناك تعاون قائم بين جامعات بولندية مثل جامعة وارسو وجامعة ياغيلونيان مع جامعة بيرزيت وغيرها، من خلال التبادل الأكاديمي والمنح البحثية.
وفي عام 2024، أعلنت جامعة وارسو منحًا دراسية لطلبة فلسطينيين تعبيرًا عن التضامن مع حقهم في التعليم رغم الظروف الصعبة.
كما تدعم بولندا المنظمات الأهلية الفلسطينية من خلال برنامج "المساعدات البولندية" لتعزيز التعليم، والفرص الاقتصادية، والخدمات الاجتماعية، لا سيما للفئات الضعيفة مثل النساء والشباب وذوي الإعاقة.
لكن الظروف الإنسانية الصعبة في غزة تعيق تنفيذ بعض المشاريع، لذا يتم توجيه جزء من الدعم عبر منظمات دولية موثوقة، على أن تستأنف بولندا تعاونها المباشر فور تحسن الأوضاع.
الذاكرة التاريخية لبولندا جسر إنساني نحو فهم أعمق للقضية الفلسطينية
كيف يمكن الاستفادة من الذاكرة التاريخية لبولندا لبناء خطاب إنساني وأخلاقي أقوى بشأن ما يجري في فلسطين؟
تُشكّل الذاكرة التاريخية لبولندا، المجبولة بتجارب الاحتلال والحرب والنضال من أجل الاستقلال، أساسًا أخلاقيًا قويًا للحديث عن الظلم والمعاناة الإنسانية.
فهذا الماضي لا يزال حيًا في الوجدان البولندي، ويغذي قيمها الوطنية القائمة على الكرامة والحرية واحترام القانون الدولي.
ونظرًا إلى أن بولندا كانت مركزًا رئيسيًا للحياة والثقافة اليهودية لقرون، وفي الوقت ذاته تحتفظ بعلاقات تاريخية إيجابية مع الشعب الفلسطيني، فهي مؤهلة لأن تكون جسرًا للحوار لا طرفًا منحازًا.
ومن خلال مساعداتها الإنسانية والتنموية في مجالات الصحة والتعليم والمجتمع المدني، تبرهن بولندا على تضامنها العملي مع الشعب الفلسطيني وتسهم في بناء خطاب دولي أكثر مبدئية وإنسانية يدعم رؤية طويلة الأمد للسلام والعدالة والاحترام المتبادل.
بولندا مستعدة للإسهام في مبادرات سلام جديدة عادلة ومتوازنة
هل يمكن لبولندا أن تلعب دور الوسيط في مبادرات سلام جديدة تراعي العدالة والحقوق الوطنية الفلسطينية؟
نعم، هناك إمكانية حقيقية لأن تسهم بولندا في مبادرات سلام جديدة تراعي العدالة وحقوق الشعب الفلسطيني.
فرغم أنها ليست قوة عالمية كبرى، إلا أن لديها رصيدًا من الخبرة التاريخية والتوازن الدبلوماسي والمصداقية الأخلاقية يجعلها صوتًا بنّاءً في الجهود الدولية من أجل السلام.
لقد منحتها تجربة الاحتلال والمقاومة ثم الاستقلال فهمًا عميقًا لقيمة تقرير المصير والسيادة الوطنية. كما أن مصالحتها التاريخية مع ألمانيا تقدّم مثالًا على أن الحوار والمغفرة يمكن أن يحوّلا الخصومة إلى تعاون.
تحافظ بولندا على علاقات متوازنة مع كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وقد اعترفت بدولة فلسطين منذ عام 1988، وتشارك في إطار الاتحاد الأوروبي في صياغة السياسات الداعمة للقانون الدولي وحقوق الإنسان والسلام.
وترى بولندا أن أي سلام دائم لا يمكن أن يتحقق دون الاعتراف بالحقوق الوطنية للفلسطينيين، وأن العدالة والاعتراف المتبادل هما الأساس لأي تسوية مستدامة.
الضغوط الإسرائيلية لا تغيّر من استقلالية الموقف البولندي
هل تواجه الحكومة البولندية ضغوطًا من إسرائيل أو من جماعات مؤيدة لها داخل بولندا تحدّ من استقلالية مواقفها؟
مثل كثير من الدول، تواجه بولندا تعقيدات سياسية داخلية في صياغة سياستها الخارجية، خصوصًا في القضايا الحساسة كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ورغم وجود علاقات تاريخية وثيقة مع إسرائيل، وروابط ثقافية نابعة من الذاكرة المشتركة للهولوكوست، فإن ذلك لا يمنع بولندا من اتخاذ مواقف مستقلة.
فقد دعمت بولندا باستمرار حل الدولتين وفق القانون الدولي، واعترفت بفلسطين عام 1988، وتقدّم مساعدات إنسانية وتنموية للشعب الفلسطيني، وتشارك في جهود الاتحاد الأوروبي لتعزيز السلام وحقوق الإنسان.
وفي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد العنف في غزة والضفة، ازداد التعاطف الشعبي البولندي مع القضية الفلسطينية، خاصة بين فئة الشباب والمنظمات غير الحكومية والدوائر الأكاديمية.
وأصبحت الأصوات المنتقدة لسياسات إسرائيل، خصوصًا التوسع الاستيطاني والانتهاكات ضد المدنيين، أكثر حضورًا في النقاش العام، مما يعكس تحولاً أوسع على مستوى أوروبا.
وتسعى الحكومة البولندية إلى تبنّي موقف متوازن، فهي تعترف بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنها تشدد على أن أي عمل عسكري يجب أن يلتزم بالقانون الإنساني الدولي وأن حماية المدنيين، خصوصًا النساء والأطفال، أولوية مطلقة.
وبصفتها عضوًا في الاتحاد الأوروبي، تواصل بولندا المشاركة في الدبلوماسية الجماعية ضمن سياسة خارجية قائمة على العدالة واحترام القانون الدولي والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
من خلال حديث السفير فيسلاف كوتسيو، تتجلى ملامح موقف بولندا الثابت والمبدئي تجاه القضية الفلسطينية؛ موقف يستند إلى التجربة التاريخية والمعايير الأخلاقية قبل الحسابات السياسية. فبولندا التي عانت من الاحتلال والانقسام، ترى في دعم الفلسطينيين دفاعًا عن قيم الحرية والعدالة التي قامت عليها نهضتها الحديثة. وهي تؤكد أن أي سلام لا يقوم على الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لن يكون سلامًا دائمًا، وأن الطريق إلى الاستقرار في المنطقة يبدأ من إنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة، لا من الصفقات أو الحلول المؤقتة.
******************
المواقف البولندية تجاه بعض القضايا المتعلقة بالشأن الفلسطيني لم تخلُ من توترات سياسية مع إسرائيل، إذ شهدت العلاقات بين البلدين في عامي 2024 و2025 سلسلة من الأزمات التي أعادت التذكير بتاريخ طويل من الجدل بين وارسو وتل أبيب، لا سيما حول ملف المحرقة (الهولوكوست) وتداعياتها القانونية والسياسية.
ففي نيسان من عام 2024، أدّت غارة إسرائيلية على قافلة إغاثة تابعة لمنظمة وورلد سنترال كيتشن إلى مقتل سبعة من العاملين، بينهم مواطن بولندي. الحادث أثار غضبًا واسعًا في بولندا، واعتبر رئيس الوزراء البولندي دونالد تاسك أن مقتل العامل "أضرّ بالعلاقات الثنائية وأساء إلى صورة إسرائيل عالميًا".
كما استدعت الخارجية البولندية السفير الإسرائيلي في وارسو احتجاجًا على تصريحات اعتبرتها مستفزة أطلقها مسؤولون إسرائيليون، أعقبت رفع مشجعين إسرائيليين لافتة مسيئة للبولنديين، وصفتهم بأنهم قتلة في إشارة صادمة إلى بداية الحرب العالمية الثانية. وأدت هذه الخطوة إلى توتر جديد في العلاقات البولندية الإسرائيلية، وسط اتهامات متبادلة وتحقيقات تأديبية من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. ما عمّق التوتر الدبلوماسي بين البلدين.
وأعلنت بولندا رفضها العلني لمخططات إسرائيلية لبناء وحدات استيطانية في المنطقة E1 شرق القدس المحتلة، معتبرة ذلك انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وتقويضًا لحلّ الدولتين.
وتاريخيًا، لم تخلُ العلاقات من الأزمات. فقد فجّر قانون استرداد الممتلكات لعام 2021 أزمة كبرى، بعدما حدّ من مطالبات اليهود باستعادة أملاكهم من الحرب العالمية الثانية، وردّت إسرائيل بخفض تمثيلها الدبلوماسي في وارسو. كما أثار قانون الهولوكوست (2018) الذي يجرّم تحميل بولندا مسؤولية الجرائم النازية غضب تل أبيب، التي اعتبرته محاولة لتبرئة التاريخ.
إلى جانب ذلك، تُشير تقارير إلى تزايد مظاهر ما تسميه إسرائيل معاداة السامية في بولندا، ما يثير قلق إسرائيل والجاليات اليهودية حول العالم. لكن وارسو ترى أن هذه الاتهامات تُستغل سياسيًا، وأنها تسعى لترسيخ خطاب وطني متوازن يرفض العنصرية بجميع أشكالها دون الخضوع للابتزاز التاريخي.
تسعى بولندا اليوم إلى توظيف تجربتها التاريخية مع الاحتلال والانقسام لبناء موقف أخلاقي وإنساني أكثر توازنًا تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ومع تصاعد الدعوات الدولية للالتزام بوقف إطلاق النار في غزة، تبدو وارسو حريصة على لعب دور أوروبي فاعل في دعم الفلسطينيين سياسيًا وإنسانيًا، انطلاقًا من قناعة بأن العدالة لا تتجزأ.
مواضيع ذات صلة
اتحاد الووشو كونغ فو يختتم بطولته التصنيفية في البيرة بمشاركة أكثر من 200 لاعب ولاعبة
الاقتصاد والضابطة الجمركية تضبط سلعة غذائية مخالفة داخل مستودع في رام الله
مستعمرون يعتدون على ممتلكات المواطنين في دوما جنوب نابلس
لجنة الانتخابات المركزية تبحث مع الأحزاب والفصائل الاستعدادات للانتخابات المحلية
الاحتلال يعتقل شابا بعد الاعتداء عليه شمال القدس
إصابة برصاص الاحتلال شرقي مدينة غزة وسط عمليات تجريف ونبش قبور وقصف مكثف
المكتب الحركي للصحفيين: ظهور إعلامية إسرائيلية تحمل السلاح يؤكد شراكة إعلام الاحتلال مع آلة القتل ضد شعبنا