عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 تشرين الثاني 2025

مسألة الأقليات... إسرائيل ليست نموذج الحل

باسم برهوم

نبدأ بسؤال ما المقصود بالأقليات؟ ومن الذين ينطبق عليهم المصطلح في الدول العربية؟ الأقلية حسب تعريف بات متفق عليه، انها مجموعة من الناس لهم ما يميزهم، اما بالعرق او اللون، او الدين، او اللغة، بمعنى ان هذه المجموعة لها هوية خاصة تميزها عن أغلبية السكان في اي بلد.

في الدول العربية يوجد كافة انواع الاقليات تقريبا، منها الدينية، هناك أقليات مسيحية ويهودية، وصابئة، وازيديون، واقليات شيعية وعلوية ودرزية.

اما بالقومية، هناك الأكراد في سوريا والعراق، والأميزيغية في دول شمال إفريقيا، وللتوضيح عدد من الأقليات الدينية والمذهبية هم عرب، اي انهم من نفس عرق الاغلبية، اما الاقليات القومية فهي وان كانت من عرق آخر إلا ان غالبيتها دينها الاسلام.

مشكلة الأقليات بشكل عام هي مشكلة عالمية، وهي مشكلة قديمة منذ بدات الكيانات السياسية بالتشكل منذ قرون عديدة. كافة الإمبراطوريات القديمة دون استثناء كانت تتألف من مجموعات عرقية ودينية وثقافية، وكان فيها باستمرار عرق أو دين مسيطر. وفي معظمها كان الطرف المسيطر يغذي غريزة التناقضات ليحافظ على السيطرة، وفي أحيان كثيرة يستخدم اقلية ضد اخرى.

مع ظهور الدول القومية برزت مشكلة الأقليات بشكل عميق في أوروبا، التي شهدت أسوأ حملات اضطهاد للأقليات، وكانت الأقليات اليهودية من ابرزها. ووصل العنف والاضطهاد ذروته مع ظهور الفاشية والنازية في اوروبا في ثلاثينيات القرن العشرين، وأصبحت اكثر بشعة ودموية خلال الحرب العالمية الثانية من عام 1939 إلى عام 1945، خاصة بما يتعلق بالمحرقة.

المنطقة العربية قبل ظهور الدول الوطنية، كانت تحت الحكم العثماني، ضمن الإمبراطورية العثمانية الواسعة، في تلك الحقبة كان العرب هم بحد ذاتهم يشكلون اقلية قومية كبرى، وفي نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، ظهرت حركة الاستقلال العربية، التي تطالب بالانفصال عن تركيا، وكانت حركة الاستقلال العربية، حركة قومية، شارك فيها كل العرب مسلمون ومسيحون وغيرهم من الطوائف، قاموا جميعا بالثورة من اجل الاستقلال. ومع ذلك بقي  إرث الإمبراطورية العثمانية، خصوصا ان تيارا عرببا واسعا أراد استعادة الخلافة الإسلامية، وهو تيار يتمثل اليوم في الاسلام السياسي، حزب التحرير وجماعة الاخوان المسلمين ومن خرج من تحت عبائتها، وكان طموحا لدى بعض الاوساط الحاكمة ايضا.

بعد ظهور الدول الوطنية بدات تظهر قضية الاقليات على مختلف أشكالها، في العراق على سبيل المثال كانت المسألة الكردية، في لبنان نشأ نظام سياسي طائفي يجمع في هيكله كل الطوائف، وهم كلهم عرب.

بقيت قضية الاقليات كامنة تحت الرماد، إلى ان تفجرت اثناء ثورات الربيع العربي مع هيمنة تيار الإسلام السياسي على مشهد الثورات، وفي الهامش الواسع مع ظهور داعش واخواتها.

اليوم وبعد النتيحة الكارثية للعقدين الأخيرين وتفكك عدد من الدول الوطنية، تحاول إسرائيل استغلال هذه اللحظة التاريخية لتقدم نفسها وكأنها هي حليف الاقليات والمدافع عن حقوقهم، وهي ترى بعد حرب السنتين، وما نتج عنها من متغيرات جاءت لصالحها، ترى ان ورقة الاقليات حان وقت استخدامها لتعزيز مكاسبها، وبادرت لعقد مؤتمر للاقليات في تل ابيب قبل أيام.

 السؤال هنا: هل بالفعل إسرائيل تصلح نموذجا لدمج الاقليات، او ان بإمكانها ان تقدم حلا لهذه المسألة؟

إسرائيل بالأساس تقدم نفسها انها دولة عرق او دين بعينه، إعلان انشاء اسرائيل ينص إنها دولة يهودية ديمقراطية. واصبحت اكثر عنصرية بعد ان اقر الكنيست الإسرائيلي قانون يهودية الدولة عام 2018، الذي قلص بشكل عنصري المساحة الديمقراطية، التي هي ضيقة اصلا بم يتعلق بالمواطنين العرب الذين يطالبون بالمساواة منذ أن تأسست إسرائيل عام 1948، وبقيت إسرائيل تتعامل مع العرب وكأنهم طابور خامس للعدو.

وفي مراجعة للتشريعات الإسرائيلية في السنوات الاخيرة نلاحظ ان الكنيست، على سبيل المثال، قد اقر،  من عام 2013  وحتى عام 2017 ثمانية قوانين عنصرية، احدها يمنع العمال العرب التحدث باللغة العربية في أماكن العمل.

إسرائيل لا تسعى لحل مسألة الأقليات، انما تسعى لتأجيجها، وتسعى لمزيد من التجزئة وتفتيت الكيانات السياسية العربية، ونشر اوهام بإمكانية خلق دويلات اقلوية على شاكلتها، ولكن النتيجة هي مزيد من الفوصى والإضطراب في المنطقة.

وبغض النظر عن نفاق إسرائيل ومسعاها لاستغلال مشكلة الاقليات في الدول العربية، فان على العرب اولا الاعتراف بان هناك مشكلة تتعلق بالاقليات، فالاعتراف هو الخطوة الاولى للعلاج.

 المشكلة معقدة ولها كما لاحظنا جذور عميقة في التاريخ. ولكن السبب المباشر في هذه المرحلة، يعود إلى فشلنا في إقامة الدولة الحديثة، دولة كل مواطينها، دولة المساواة الحقيقة في العرق والدين، والمساوة بين الرجل والمرأة، معظم الدساتير العربية تتحدث عن المساوة إلا ان المشكلة، انه لم يتم احترامها بالشكل المناسب على أرض الواقع. ومما جعل المشهد اكثر تعقيدا بروز حركات الاسلام السياسي والحركات "الجهادية"، التي ارتكبت جرائم بحق الاقليات في الآونة الاخيرة.

وبهدف تفويت الفرصة على إسرائيل وغيرها، ان يتم العمل على الدولة الحديثة، التي تحقق المساوة وتهيئ الفرص ذاتها لكل مواطنيها، ومن اجل تحقيق هدف الدولة الحديثة، دولة كل مواطنيها، نحتاج إلى عمل منظم في مجال التشريع والثقافة السائدة، وتغيير في هياكل الدولة ومؤسساتها لتحقق المساواة فعلا، ولكن من الآن وحتى تحقيق ذلك علينا ان نكون حازمين في منع اي تعرض للأقليات لا ماديا ولا ثقافيا، وربما علينا ان ندرك ان هذه الأقليات ليست فقط هي جزء أصيل من المجتمع، وانما بعضها هم السكان القدماء الأصليون في دولنا.