حين يُخطئ الذكاء الاصطناعي في فهم الإنسان
منجد أبو بكر

في زمنٍ أصبحت فيه الآلة تفكر وترد وتحلل، بات كثيرون يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي كصديقٍ وموجّهٍ ومستشار.
لكن الخطورة تكمن حين يُستخدم فيما لا يُفترض أن يُستخدم له: في العلاقات، في القرارات الشخصية، وفي الخلافات الإنسانية التي تحتاج قلبًا قبل عقل.
الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا تمامًا. هو مبرمج، مُدرّب، وموجه وفق بيانات ومعايير قد لا يدرك المستخدم حدودها. والأسوأ أنه حين يتحدث، يتقن الإقناع، يصوغ الجمل بثقة، ويُشعرك أنه على صواب دائم.
لكن خلف تلك الكلمات البليغة لا توجد مشاعر، لا فهم للسياق الكامل، ولا تقدير للعلاقات الإنسانية المعقدة.
لقد ظهرت مؤخرًا حالات حقيقية لأشخاص استخدموا أدوات مثل GPT لحل نزاعات شخصية أو عاطفية. بدلاً من تهدئة الخلاف، نصح الذكاء أحد الأطراف باللجوء إلى الشكوى الرسمية، مفسرًا الانفعال العاطفي كتهديد، والغيرة كابتزاز!
تحولت العلاقة من حبٍ دام سنوات إلى قضية في مركز شرطة... وانتهى الأمر بالحب خلف القضبان، لأن الآلة لم تفهم أن بين الحب والتهديد شعرة، وأن الانفعال لا يعني الجريمة.
الذكاء الاصطناعي لا يرى التفاصيل التي يراها الإنسان، ولا يلمس حساسية العلاقة ولا خلفياتها، بل يتعامل مع الكلمات بحرفية جامدة.
ولهذا فإن الاعتماد عليه في الإرشاد الشخصي أو اتخاذ القرارات المصيرية هو انزلاق نحو قرارات قد تكون "منطقية" في نظره، لكنها كارثية في الواقع.
المشكلة الأكبر أن الذكاء الاصطناعي يتعامل مع كل طرف بشكل منفصل. فإذا سأله أحد طرفي الخلاف، تجاوب معه وسانده بحججٍ تبدو مقنعة. وإذا سأله الطرف الآخر، كرر الأمر ذاته من الجهة المقابلة!
هو لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الاتساق اللغوي والمنطقي داخل كل حوار، وهذا ما يجعل النزاعات تتأزم لا تُحل.
كيف نتعامل بذكاء مع الذكاء؟
- لا تستخدمه إطلاقًا في الأمور الشخصية أو العاطفية.
- احصر النقاش معه في جزئية واحدة محددة، لا في موضوع متكامل يحتاج إلى فهم عاطفي وسياقي.
- استعمله كأداة بحث سريعة للحصول على نتائج أو معلومات موثوقة، لا كمرجع للحكم أو القرار.
- لا تستخدمه في حل النزاعات أو الخلافات، وإن اضطررت، فليكن النقاش بوجود الطرفين معًا، لضمان توازن الردود.
- تذكّر أنه مساعد لا مرشد، أداة لا ضمير، عقل بلا قلب.
إن أكبر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الإنسان هي أن يترك قراراته تُصاغ بذكاء بلا إنسانية.
فالذكاء الاصطناعي قد يخطئ، لكن خطأه لا يعاقبه أحد… أما خطأ الإنسان بسببه، فقد يكلّفه حياةً كاملة.
الذكاء الاصطناعي قد يفكر، لكنه لا يشعر.
وما لا يشعر، لا يُؤتمن على قرارٍ يخص قلبًا إنسانيًا.