عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 18 تشرين الأول 2025

دم مهدور وصمت ثقيل.. 49 جريمة قتل لفلسطينيات برصاص الذكورية خلال عامي 2023-2024

رصاصة واحدة.. أطفأت شهد وأيقظت وجع النساء

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- "كانت إنسانة جميلة، ابنةً وأختًا وصديقةً رائعة، مليئة بالحياة وتحب الحياة، محبوبة من قبل أصدقائها وزملائها في العمل، نشطة اجتماعيًا ومنخرطة بعمق في مجتمعها. تم سلب حياتها بغير وجه حق"، بهذه الأوصاف، نعت عائلة (ب) في بيان ابنتها المغدورة (ش) التي زهقت روحها في التاسع عشر من تشرين الاول من عام ألفين وثلاثة وعشرين.

وحسب التحقيقات والأدلة والشهود واعتراف المتهم، فإن القاتل طارد الشابة (ش) لبضع مئات من الأمتار، واعترض طريقها بسيارته، ورغم محاولتها الانعطاف للهروب منه، ترجل القاتل من مركبته وأطلق رصاصة اخترقت مقعدها واستقرت في صدرها، قبل أن يعثر على جثتها في الوادي المحاذي للطريق، فيما عاد القاتل إلى بيته كما لو أن شيئًا لم يحدث.

العائلة طالبت بالوقوف جميعًا في وجه العنف الممارس ضد المرأة الفلسطينية، والمطالبة بمحاكمة المجرم وإنزال أقصى عقوبة بحقه، "لن ننسى ولن نسامح، ولن تنام (ش) بسلام إلا بعد تحقيق العدالة." تؤكد العائلة.

 

النساء في مرمى القتل.. أرقام مؤلمة وواقع مرير

قصة (ش) ليست استثناءً، بل واحدة من 49 جريمة قتل لنساء وفتيات فلسطينيات في الضفة الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة خلال عامي 2023 و2024، في ظروف مختلفة، لا يجمعها سوى كون الضحايا نساء، منها 23 حالة في عام 2023 و26 حالة أخرى في عام 2024.

ففي عام 2023، سُجلت 9 حالات على أنها انتحار، وحالة وفاة نتيجة جلطة قلبية، وحالة سقوط من علو، وعدد من الحالات في ظروف غامضة، إضافة إلى 8 جرائم قتل مؤكدة، وحالة واحدة صُنفت كوفاة طبيعية.

أما في عام 2024، فقد تم تسجيل 3 حالات انتحار، وحالتَي وفاة نتيجة جلطات قلبية، و4 حالات سقوط (من علو أو في بئر)، وحالتين في ظروف غامضة، وحالتَي غرق، إضافة إلى 13 جريمة قتل، وحالة واحدة وُصفت بالوفاة الطبيعية.

هذه الأرقام تؤكد أن جرائم قتل النساء ما زالت مستمرة وأن الفجوات في مكافحتها ما زالت واسعة. والمفارقة الصادمة أن هذه الجرائم تواصلت حتى في ذروة الإبادة الجماعية في قطاع غزة التي أوقعت أكثر من 150 ألف شهيد وجريح، ثلثهم من النساء. كما يرى مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي في دراسة خاصة أعدها لعام 2023/2024، جاءت تحت عنوان "في ظل جرائم الإبادة.. سيف القتل يبقى مُسْلطًا على نساء وفتيات فلسطين".

وطالبت الدراسة باستمرار العمل لتسليط الضوء على ظاهرة قتل النساء ووضعها كقضية عامة ومجتمعية على بساط البحث والنقاش المجتمعي، وعلى طاولة صناع القرار وراسمي السياسات، لأنها من القضايا المركزية لضمان أمن وسلامة المجتمع الفلسطيني وقوته وتماسكه.

وفي شهادة مؤلمة حصلت عليها "الحياة الجديدة" من أم إحدى الضحايا تقول فيها: "طفلتي تبلغ من العمر (15 عامًا) كانت تعيش في بيئة بدوية شمال غزة وتحديدًا في حي الزيتون، حُرمت من التعليم، قبل 7 أكتوبر كان الأب يخطط لتزويجها من رجل عمره ( 45 عاما)، وإبان حرب الإبادة، اقتحم مجموعة من المرتزقة  منزلنا بحماية جيش الاحتلال، واعتدوا على أفراد العائلة واغتصبوا الطفلة وبعد نزوح العائلة إلى الجنوب قام الأب بذبح الطفلة ودفنها، حينها ادعى الأب أن سبب الوفاة وقوعها على طرف حاد"، دُفنت الطفلة ولا أحد يعلم بتلك الرواية، دُفنت وهي مظلومة لا ذنب لها فقط إلا أنها أنثى في بيئةٍ بدت وكأنها تعاونت مع الاحتلال على وأد طفلةٍ لا ذنب لها، فكانت ضحية مرتين، ضحية لعنف احتلالي وضحية عنف مجتمعي".

 

عنف الاحتلال يغذي العنف المجتمعي

وتتعدد أشكال العنف ضد المرأة الفلسطينية، وتتشابك أسبابه بين العنف الاحتلالي العنف الاجتماعي الموروث من الثقافة الذكورية الأبوية، وما زالت المؤسسات الرسمية والأهلية الفلسطينية وحتى الأسر والأفراد في معارك متواصلة للقضاء على العنف ضد النساء في المجتمع الفلسطيني بكل أشكاله وأنواعه وتعبيراته ومصادره، رغم تعقيدات هذه الظاهرة لخصوصيتها في الواقع الفلسطيني، فهي من جانب تتغذى من عنف الاحتلال وعدوانه المستمر وانتهاكاته المستمرة لحقوق الفلسطينيات في مختلف المجالات، وكذلك ترتبط بالتمييز والعنف المجتمعي المستمد من الثقافة الذكورية الأبوية القائمة على الهيمنة الذكورية وإخضاع الفئات المجتمعية الأخرى وخاصة النساء وإبقائها تحت السيطرة والهيمنة من أجل إدامة تحقيق مصالح الفئات المهيمنة. إنها معركة مستمرة في مواجهة ثقافة منتشرة وعابرة للحدود باعتبارها ظاهرة تؤرق مختلف المجتمعات وإن بنسب متفاوتة.

الاحتلال الذي يهدم المنازل ويعتقل النساء ويمارس التمييز، يخلق بيئةً مأزومة تُضعف منظومات الحماية، فيما تُبقي الذهنية الذكورية النساء في دائرة الخضوع والخوف.

 

في ظل الإبادة.. غياب الحماية وتراجع التوثيق

ويقول نبيل دويكات، مسؤول البحث والمناصرة في مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي لـ "الحياة الجديدة": حرب الإبادة انعكست بكل تجلياتها السلبية على النساء اللواتي بتن أكثر الفئات تضررًا في حالات الحروب. بعد السابع من أكتوبر تراجعت قدرات المؤسسات الرسمية على تقديم الخدمات، وغابت آليات الرصد والتوثيق، ما جعل حالات القتل تمر أحيانًا دون محاسبة أو متابعة."

ويضيف: "شهدنا نساء قُتلن أثناء التدافع أمام المخابز، وأخريات دهسن خلال فوضى توزيع المساعدات، بل وسُجلت حالات إطلاق نار مباشر على سيارات نساء، بعضها وُصف بالخطأ، وفي إحدى الحالات، شهدنا حالة قتل بتسعين طلق ناري، حيث أفادت عائلتها لاحقًا أن احدى الجهات أبلغتها أن الهجوم على سيارة الفتاة كان بالخطأ. كما يتوفر لدينا معلومات أولية عن العديد من حالات القتل التي لا تتيح الظروف القائمة حاليا من متابعة رصد وجمع المعلومات حول ظروف وملابسات القتل".

أما في الضفة الفلسطينية المحتلة، يقول دويكات: "أدت أيضا حالات الاعتقال والقتل والتهجير، وخاصة في شمال الضفة، وحالة الحصار وعزل كل محافظات الوطن عن بعضها البعض وكذلك ارتفاع معدلات البطالة الى انعكاسات ونتائج اكثر سلبية على النساء وسط انعدام الظروف المعيشية ما غذى أيضًا ظاهرة العنف ضدهن".

 

 

 

انتحار أم قتل مقنّع؟

وتتنوع الدوافع والمبررات خلف كل قضية قتل أو تغليفها بمظاهر الانتحار أو غيره، وتشير ندوة البرغوثي، باحثة ميدانية في مركز المرأة للإرشاد الاجتماعي، إلى أن نسبة الحالات التي صُنفت “انتحارًا” بلغت نحو 23% من إجمالي 49 حالة خلال عامي 2023 و2024.

وتقول البرغوثي لـ "الحياة الجديدة": "الكثير من هذه الحالات غير واضحة، وهناك مؤشرات على أن بعضها يخفي جرائم قتل مقنّعة. بعد إلغاء العذر المخفف لجرائم الشرف عام 2014، ارتفعت فجأة نسبة (الانتحار)، في تحول يثير الشك حول طبيعة هذه القضايا."

وتضيف البرغوثي: "الحواجز الاحتلالية من أهم عوائق تسجيل حالات القتل وضد النساء، هناك حالات موت غير طبيعي للنساء لا يمكن الوصول اليها في الوقت المناسب، لكن يمكن أن تخفى هذه القضايا ويتم دفنها بطريقة طبيعية بسبب الاغلاقات والحواجز والظروف التي تمر بها البلاد حاليا. وخاصة وضع قطاع غزة خلال العدوان الاسرائيلي، حيث إن هناك أرقاما سوداء لا نعرف عنها شيئا، رغم وجود باحثات ميدانيات إلا انه لم يكن هناك توثيق بمعنى كلمة توثيق لقتل النساء، ايضا هناك فجوات كثيرة منها الإجراءات القانونية التي تُبقي القضية في المحاكم لسنوات طويلة رغم معرفة القاتل وهناك الكثير من الحالات من هذا النوع ما زالت تجوب أروقة المحاكم، ايضا من الاسباب هروب القاتل الى أراضي الـ 48 الامر الذي يجعل من أهم العوائق التي تجعل محاكمة القاتل عملية صعبة ومعقدة".

وترى البرغوثي: "أن من أهم الحلول السيطرة على هذه الانتهاكات ضد النساء أن يكون هناك مشاركة وتعاون بين جميع الجهات المختصة سواء الشرطة أو المباحث أو المراكز النسوية التي توثق وألا تكون علاقة ندية بل علاقة تشاركية تنضوي تحتها السيطرة على هذه الظاهرة وتقديم القاتل للعدالة".

الاحتلال الإسرائيلي، بحواجزه وتقطيعه الجغرافي، يُصعّب من الوصول إلى مواقع الجرائم ويعطل التوثيق والمتابعة القانونية، كما يعرقل الانقسام الفلسطيني العدالة، حيث تبقى القضايا سنوات في المحاكم أو يُفلت القتلة بالهرب إلى أراضي الـ48.

 

 

العنف مستمر حتى تحت القصف

في حديثها لـ "الحياة الجديدة"، تقول تهاني قاسم، مسؤولة الوصول المجتمعي في مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة في غزة، إنّ جرائم قتل النساء لا تتوقف، مشيرةً إلى أن العنف ضد النساء ظاهرة عالمية، إلا أنّ نساء قطاع غزة يعانين مستويات مضاعفة من العنف الأسري والمجتمعي، حتى في ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع.

وتوضح أنّه خلال عامي 2023 و2024 تم تسجيل عدد من ضحايا العنف من النساء، من بينهن من قُتلن بإطلاق النار المباشر أثناء توزيع المساعدات، لا سيما خلال فترات المجاعة حين كانت النساء يصطففن أمام المخابز لتأمين الخبز لأطفالهن. وأضافت أنّ عملية رصد وتوثيق جرائم قتل النساء وتصنيفها كجرائم ناتجة عن العنف المجتمعي لم تكن واضحة بسبب غياب المؤسسات الرسمية ذات العلاقة، واعتبار هذا الملف “غير ذي أولوية” في ظل الحرب الدائرة، سواء من قبل الإعلام أو المجتمع المحلي.

وترى أن أن التركيز الحالي ينصبّ على قضايا الأسيرات والشهيدات في إطار توثيق جرائم الإبادة التي ارتكبها الاحتلال، ما أدى إلى تغييب الأرقام الحقيقية لضحايا العنف المجتمعي، إذ يمكن أن تُدرج بعض الحالات ضمن قوائم الشهيدات أو المفقودات دون تدقيق في ظروف مقتلها. ومع ذلك، تؤكد قاسم أنّه تم توثيق عدد من جرائم قتل النساء خلال العدوان ذاته، لافتةً إلى أنّ العنف ضد النساء لا يمكن أن يتوقف ما لم تُستعاد المنظومة القانونية والمؤسساتية.

وتضيف قاسم: "في قطاع غزة اليوم لا توجد جهات رسمية أو قضائية أو أمنية فاعلة، فكل الهياكل القانونية والمؤسسات العليا التي كانت تتابع جرائم القتل توقفت عن العمل، كما فقدنا جزءًا كبيرًا من مؤسسات المجتمع المدني". وتؤكد أنّ المرحلة المقبلة تتطلب البدء من جديد بإعادة بناء مؤسسات العدالة والأمن والحقوق، لأن غيابها جعل العديد من حالات العنف تمرّ دون رصد أو محاسبة، مشددة على أن الحديث عن الحد من جرائم قتل النساء لن يكون ممكناً إلا بعد إعادة بناء منظومة حماية متكاملة تضمن للنساء الأمن والعدالة.

 

 

 

قوانين عاجزة.. وعدالة مؤجلة

بعد مرور عامين على حرب غزة، وما تلاها من تصاعد غير مسبوق في جرائم قتل النساء في فلسطين، حيث تم تسجيل 49 جريمة قتل بحق نساء في الضفة الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة منذ السابع من أكتوبر، تتعمّق الأسئلة حول الوضع القانوني لهذه الجرائم، ومدى جدّية الجهود الرسمية في مواجهتها، في ظل واقع قانوني واجتماعي هشّ، وانهيار في منظومة الحماية والردع.

ويقول عمر رحال، مدير عام مركز حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" لـ "الحياة الجديدة": "هذا الرقم مؤشر بالغ الخطورة على ضعف منظومة الحماية القانونية والاجتماعية للنساء في فلسطين، ويكشف عن قصور الإرادة التشريعية والمؤسسية في التعامل مع جرائم القتل على خلفية النوع الاجتماعي بوصفها جرائم تمس جوهر الحق في الحياة، وهو حق غير قابل للانتقاص وفق المواثيق الدولية".

ويضيف رحال أنّه رغم انضمام دولة فلسطين إلى اتفاقية "سيداو" والعهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن البيئة التشريعية ما زالت عاجزة عن توفير الحماية الفعلية للنساء. فالمنظومة القانونية تفتقر إلى قانون موحّد لحماية الأسرة من العنف، بينما لا تزال بعض مواد قانون العقوبات القديم تمنح القاضي سلطة تقديرية لتخفيف العقوبة في ما يسمى بـ"جرائم الشرف"، في تناقض صريح مع القانون الأساسي الفلسطيني والالتزامات الدولية.

ويتابع رحال: "حتى اليوم، لم تُجرَ أي تعديلات جوهرية على قانون العقوبات الساري في الضفة الفلسطينية أو قطاع غزة تضمن تجريم العنف القائم على النوع الاجتماعي بصورة شاملة، أو تحقق الردع العام والخاص في جرائم قتل النساء. الأولوية الوطنية اليوم تقتضي تبنّي إطار تشريعي متكامل، يبدأ بإقرار قانون حماية الأسرة من العنف دون مزيد من التأجيل، وإصدار قانون عقوبات فلسطيني حديث وموحد، يحل محل القوانين المتقادمة التي لم تعد تواكب واقعنا".

ويؤكد رحال على ضرورة اعتبار جرائم قتل النساء جرائم جسيمة لا تسقط بالتقادم ولا تخضع لأي شكل من أشكال العفو، إلى جانب إنشاء وحدات متخصصة داخل أجهزة إنفاذ القانون والنيابة العامة للتحقيق في قضايا العنف ضد النساء، وتدريب القضاة وأعضاء النيابة وضباط الأمن على مقاربة النوع الاجتماعي في الإجراءات العدلية. كما دعا إلى تعزيز منظومة الوقاية والحماية من خلال سياسات اجتماعية وتربوية شاملة، تنقل المجتمع من ثقافة التسامح مع مرتكبي الجرائم إلى ثقافة العدالة والمساءلة.

غياب أنظمة حماية فعالة.. زاد الطين بِلَّة

وتقول روان غزة من مركز الإرشاد النفسي والاجتماعي للمرأة لـ "الحياة الجديدة": "رغم مرور عامين على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ما زالت جرائم قتل النساء مستمرة، ويعود استمرار هذه الجرائم إلى مجموعة من العوامل البنيوية والسياقية، أبرزها استمرار الجرائم الاستيطانية والإبادة الجماعية التي يعيشها الفلسطينيون، وما ترتّب عليها من تدهور اقتصادي واجتماعي ونفسي، وإغلاق للمعابر والطرق، ما أسهم في تصاعد العنف الأسري والمجتمعي".

وتوضح غزة أنّ القوانين الفلسطينية الحالية متقادمة وغير متلائمة مع التطورات الاجتماعية والالتزامات الدولية، مشيرة إلى أنّ غياب أنظمة حماية فعالة، مثل التبليغ الآمن وحماية الشهود، يشكّل عائقاً حقيقياً أمام الإبلاغ عن العنف الأسري، ما يبقي النساء في دائرة الخوف والإفلات من العقاب.

وترى: "الحل يتطلب إصلاحاً قانونياً شاملاً يجرّم العنف الأسري ويوفّر آليات حماية عاجلة، ويعزّز دور مؤسسات إنفاذ القانون في إنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة".

وفي إجابة لسؤال حول الجهود الجديدة بعد السابع من أكتوبر، تقول غزة: إنّ العدوان المستمر أوجد احتياجات قانونية جديدة للنساء، خصوصًا فيما يتعلق بالمفقودين والمفقودات، وحقوق الوراثة والزواج والولاية على القاصرين، وتشير إلى أن الجهود الحالية محصورة بمبادرات أهلية ومؤسسية محدودة تحاول إدماج قضايا النساء المتضررات من العدوان ضمن الخطط الوطنية المستقبلية، "لكن الاستجابة الرسمية لا تزال دون المستوى المطلوب"، كما تقول.

أما على صعيد التثقيف والتوعية والتدريب، فتؤكد غزة أن مركز الإرشاد النفسي والاجتماعي للمرأة يواصل تنفيذ برامج لرفع الوعي القانوني والاجتماعي بين النساء والرجال، وتنظيم ورشات حول حقوق العمل والأحوال الشخصية، وتسليط الضوء على النصوص التمييزية في القوانين الوطنية، إلى جانب دمج مفاهيم العنف القائم على النوع الاجتماعي ضمن الحملات التوعوية. وتقول: "مكافحة العنف ضد النساء لا تقتصر على تعديل القوانين فقط، بل تبدأ من تغيير الوعي والسلوك الاجتماعي الذي يبرر هذا العنف أو يتسامح معه".

 

 

الأطفال ضحايا الجريمة المزدوجة

وتشير دراسة "في ظل جرائم الإبادة.. سيف القتل يبقى مُسْلطًا على نساء وفتيات فلسطين"، إلى أن النسبة الأكبر من الضحايا كن متزوجات وبنسبة تقارب 45% من إجمالي عدد الضحايا، كما بلغ عدد أطفال النساء الضحايا 70 طفلا من الذكور والإناث، وتشير الدكتورة نبال خليل، المتخصصة بالأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في حديث لـ "الحياة الجديدة، إلى أن قتل النساء هو أحد أشد أشكال العنف قسوة ورعباً، وله انعكاسات خطيرة على الأطفال والعائلات، خصوصاً عندما تكون الضحية أماً لأطفال صغار.

"يعيش الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم صدمات نفسية عميقة تتراوح بين الخوف والقلق والعزلة والسلوك العدواني، وقد يقودهم ذلك لاحقاً إلى الإدمان أو الانتحار أو الجريمة"، تقول خليل.

وتضيف أن قتل الأم يؤدي إلى تفكك الأسرة وتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأطفال، ما يجعلهم عرضة للانحراف أو التشرد، مؤكدة أن "الأم هي ركيزة الأمان الأولى، وبقتلها يُقتل التوازن داخل الأسرة والمجتمع".

وتُظهر المعطيات أن استمرار جرائم قتل النساء في فلسطين بعد السابع من أكتوبر ليس مجرد ظاهرة فردية، بل نتيجة مباشرة لغياب العدالة، وانهيار منظومة الحماية.

 

العدالة المؤجلة.. حياة معلقة

بينما تتكالب فيه الإبادة من الخارج والعنف من الداخل، تدفع الفلسطينيات الثمن مرتين؛ مرة برصاص الاحتلال، وأخرى برصاص الذكورية.

العدالة لـ (ش. ب) ولبقية الضحايا ليست قضية قانونية فقط، بل قضية مجتمع يبحث عن إنسانيته المفقودة.

ولن تهدأ فلسطين -كما تقول عائلة (ب)- إلا حين تنال كل امرأة فلسطينية حقها الكامل في الحياة، دون خوف أو قيد أو دم.