عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 15 تشرين الأول 2025

زيتون دير استيا.. الشاهد الصامت على معركة البقاء

سلفيت – الحياة الجديدة – عزيزة ظاهر- في بلدة دير استيا الواقعة إلى الشمال الغربي من محافظة سلفيت، يستيقظ المواطنون مع أول خيوط الفجر، يحملون السلال والمعاول والذكريات، يسيرون نحو أراضيهم المحاطة بالمستوطنات، ليخوضوا موسما يختلط فيه العمل بالقلق، والفرح بالتحدي، والقطاف بالصمود.

هناك، بين تلال الزيتون العتيقة، كل غصن يروي حكاية أرض تقاوم بالزيت والحب، وكل حبة زيتون تحمل بصمة يد فلسطينية تحرس الجذور من محاولات الاقتلاع، وبينما يقطف الأهالي الزيتون كما لو أنهم يقطفون حقهم في الحياة، تتوارى خلف هذا المشهد الجميل معاناة يومية واعتداءات متكررة، في ظل حصار استيطاني خانق يطوق الأرض والذاكرة.

 

طوق استيطاني يخنق البلدة

تعرف دير استيا باسم "دير الزيتون"، وتعد ثالث أكبر بلدة فلسطينية في إنتاج زيت الزيتون بعد عصيرة الشمالية ودير الغصون، تبلغ مساحتها نحو 36 ألف دونم، صادرت سلطات الاحتلال أكثر من 11 ألفا منها تحت ذريعة "المحميات الطبيعية"، بينما الحقيقة أنها تحولت إلى مجال حيوي لتوسع استيطاني متسارع بدأ منذ إقامة مستوطنة "كرني شمرون" عام 1978، وتبعتها مستوطنات وبؤر عدة مثل عمانوئيل، ياكير، نوفيم، معالي شمرون، رفافا، ألوني شيلو، وحفات يئير.

هذا الامتداد الاستيطاني شكل طوقا خانقا حول البلدة، حاصر مداخلها، وقيد حركة المزارعين نحو أراضيهم، وحول كل رحلة إلى الأرض إلى معركة يومية مع الحواجز والبوابات الحديدية.

 

اعتداءات ممنهجة

مع اقتراب موسم الزيتون كل عام، تتكرر المشاهد ذاتها، مستوطنون يقتحمون الحقول ليلا، يسرقون المحاصيل، يقطعون الأشجار أو يحرقونها، وجنود الاحتلال يقفون على مقربة يحرسون الجريمة بالصمت والسلاح.

الحاج محمود أبو حجلة (70 عاما)، أحد وجوه الحكاية، يستيقظ فجرا كل يوم متجها إلى أرضه رغم التهديدات، يشارك في موسم القطف للعام الأربعين على التوالي، ويقول لـ "الحياة الجديدة" بثبات، "ورثت هذه الأرض عن أبي وسأورثها لأبنائي، يطاردوننا بين الحقول، يعتدون علينا أحيانا، لكننا لا نبالي، هذه أرضنا وهم المحتلون".

أما المزارع أبو محمود منصور (62 عاما) يقول بحسرة وهو يقف بجوار شجرة محترقة، "هذه الشجرة زرعها والدي قبل أكثر من سبعين عاما، جئت لأقطف منها الموسم، فوجدتها رمادا، المستوطنون يأتون ليلا تحت حماية الجيش، ويفعلون ما يشاؤون".

عبد الرحيم زيدان، رئيس بلدية ديرستيا، يوضح لـ "الحياة الجديدة" أن الاعتداءات الإسرائيلية على المزارعين وأراضيهم تتخذ عدة أشكال منها الاعتداء على الأرض والأشجار عبر الحرق والقلع والتسميم وتجريف الأراضي أو إغراقها بالمياه العادمة، أو الاعتداء المباشر على المزارعين أثناء القطف، وسرقة المحاصيل والأدوات، والمنع الممنهج من الوصول إلى الأراضي القريبة من المستوطنات، ما يتركها عرضة للسرقة والسيطرة التدريجية.

ويضيف أن هذه السياسة تهدف إلى دفع الأهالي لترك أراضيهم، لتصبح لاحقا جزءا من مخططات التوسع الاستيطاني.

 

بوابات حديدية تعرقل الحياة

إلى جانب الاعتداءات، أقام الاحتلال بوابات حديدية على مداخل الأراضي، لا تفتح إلا بتنسيق مسبق وفي أوقات محددة، هذه السياسة تحرم عشرات العائلات من قطف الزيتون في الوقت المناسب، وتعرض المحاصيل للتلف أو السرقة.

"الاحتلال يستخدم هذه الإجراءات لتضييق الخناق على المزارعين، ودفعهم إلى ترك أراضيهم لتكون لقمة سائغة للتوسع الاستيطاني"، يؤكد رئيس البلدية.

 

موسم للثبات

رغم الصعوبات، يواصل الأهالي العمل في أراضيهم، يتعاونون في الحراسة الليلية، ويقطفون الزيتون بسرعة وبشكل جماعي لحمايته، ويشارك متطوعون ومتضامنون من القرى المجاورة في دعمهم.

يقول أبو حجلة: "نحن لا نقطف الزيتون فقط، نحن ندافع عن أرضنا، هذه الأشجار هي هويتنا، ولن نتركها".

وفي نهاية الموسم، تتجمع العائلات في المعاصر، يخرج الزيت صافيا كما يخرج الضوء من عتمة التحدي، هكذا يبقى زيتون دير استيا شاهدا صامتا على معركة البقاء، وموسم الزيتون فيها موسما للصمود أكثر منه موسما للقطاف.