تخنقها بوابات العزل العنصرية.. النبي صموئيل وبيت إكسا والجيب معاناة يومية

رام الله- الحياة الجديدة- حنين خالد- من قلب المعاناة المستمرة؛ تبدأ قصة المواطن أحمد بركات من قرية النبي صموئيل بوجع العبور اليومي والعيش خلف بوابة؛ في قرية صغيرة معزولة على أطراف القدس، يعيش أحمد بركات، الشاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، واقعًا لا يشبه إلا النفي داخل وطنه.
أحمد، مسؤول منظمة "معاقون بلا حدود" في فلسطين، لا يطلب المستحيل. كل ما يريده هو حقه في العيش الكريم، في التنقل بحرية، مثلما ينادي به أكثر من 300 مواطن في البلدة، أن يستقبل ضيفًا دون إذن، أو يشيّع قريبًا دون تنسيق مسبق. لكن الواقع في قرية النبي صموئيل – تلك البلدة المحاصرة من كل الجهات يسير بعكس كل أحلام البسطاء.
"كل صباح وكل مساء، أكون تحت سطوة الجنود"، يقول أحمد بصوت مثقل بالتعب. فالطريق من بلدة الجيب إلى بيته في النبي صموئيل لا تتجاوز بضع كيلومترات، لكنها تتحول إلى ساعة أو ساعة ونصف الساعة من الانتظار والتفتيش والمعاناة.
"أنا إنسان من ذوي الإعاقة، لكن هذا لا يشفع لي على الحاجز. التصريح الذي أحمله مكتوب عليه: "مقيم جديد في مناطق التماس، وكأنني غريب، ضيف في أرضي"، يتابع.
حياة مغلقة
جيش الاحتلال أغلق بوابة القرية منذ أيام، دون توضيح أو إشعار. ومع كل إغلاق، تتحول حياة أهالي النبي صموئيل إلى كابوس مضاعف. "لا أحد يستطيع زيارتنا، حتى الجنازات تحتاج لتنسيق، من يريد الزواج يجب أن يغادر القرية، لأن لا أحد سيتمكن من الحضور"، يقول أحمد بحسرة.
الأفراح تقام خارج القرية، ومناسبات العزاء كذلك. حتى اللحظات التي من المفترض أن تكون خاصة وعائلية، تُغتال عند البوابة.
أحمد لا يصرخ... بل يروي
قصة أحمد بركات ليست مجرد حالة فردية، بل مرآة تعكس واقعًا صعبًا يعيشه أكثر من 300 مواطن في النبي صموئيل، بينهم مرضى وكبار سن وطلاب، جميعهم رهائن للبوابة.
ورغم إعاقته، لا يتوقف أحمد عن النضال بوسائل سلمية، من خلال منظمته، ومن خلال توثيق الانتهاكات اليومية التي يتعرض لها هو وأهالي قريته.
"نحن نريد الحياة، لا أكثر. نريد أن نعيش بكرامة في أرضنا"، يقولها أحمد، ويعود ليكمل رحلته اليومية إلى بيته... خلف الحاجز.
ومنذ أيام شرعت سلطات الاحتلال بفرض واقع ميداني جديد على ثلاث قرى فلسطينية شمال غرب القدس المحتلة: النبي صموئيل، بيت إكسا، وحي الخلايلة، في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ سنوات تُنذر بمخططات تهويدية أوسع.
القرار الذي يُلزم المواطنين بالحصول على تصاريح خاصة للمرور من وإلى قراهم عبر حاجز الجيب العسكري (جفعات زئيف)، يكشف عن مخططاتٍ احتلالية تستهدف إحكام الطوق حول القرى الفلسطينية في محيط القدس، وهو ما أثار موجة من الغضب والقلق، ما يمثله من عزل عنصري وتعطيل للحياى اليومية.
النبي صموئيل: قرية بلا منفذ تُرهن على بطاقة
أمير عبيد، رئيس مجلس قروي النبي صموئيل، وفي حديث خاص مع "الحياة الجديدة"، عن المعاناة المتجذرة في حياة سكان قريته، يرى ان ما يجري في الواقع الجديد بأنه تكريس لعقود من القهر والعزل، مضيفًا: "ما نعيشه اليوم ليس جديدًا. إنها حلقة متواصلة من قهر ممنهج بدأ منذ احتلال عام 1967.
تُعد قرية النبي صموئيل واحدة من أكثر القرى الفلسطينية تضررًا من سياسة العزل والجدران. وبحسب أحمد، فإن ما يحدث الآن هو شكل جديد من أشكال السيطرة: "سيطروا على الأرض، وجعلوا المواطن ضيفًا فيها، بلا أي حقوق".
تحدث عبيد قائلاً: "قرية النبي صموئيل معزولة تمامًا منذ أكثر من 20 عامًا. يحوّل حياتنا إلى سجن مفتوح. لا مدخل لها سوى حاجز عسكري واحد، يخنق حياة السكان ويحوّلهم إلى رهائن في أرضهم".
وأضاف: "اليوم تُمنح تصاريح جديدة للمرور عبر حاجز الجيب، لكنها لا تُغير شيئًا من واقعنا. التنقل مرهون بإرادة الاحتلال، والبطاقات الممغنطة التي يصدرها ما يسمى 'المنسق الإسرائيلي" ليست سوى أدوات رقابة إضافية تقيد تحركنا وتمنح الاحتلال تحكّم مطلق بحياة السكان ولا تضمن لنا حق الوصول للمستشفيات أو أماكن العمل أو حتى زيارة الأهل خصوصًا مع إمكانية رفض أو سحب التصريح لأسباب "أمنية" غير مبررة؛ فأصبحت نمط حياة قسريًا."
بيت إكسا: حصار متصاعد واجراء يُعمّق الجرح
مراد زايد، رئيس بلدية بيت إكسا، حذر من تبعات القرار الفلسطيني، واصفًا ما يحدث بأنه "تصعيد غير مسبوق نحو فصل قريتنا عن محيطها بالكامل". موضحًا: "تم إبلاغنا بالقرار منذ أسابيع، وشمل القريتين المجاورتين النبي صموئيل وحي دور الخلالة. ورغم أن الإجراءات بدأت في القرى الأخرى، فإننا قررنا تأجيل تطبيقها في بيت إكسا نتيجة مخاوف حقيقية من تبعات القرار."
زايد أشار "منذ عام 2013 نعيش تحت حصار دائم، لا يُسمح بدخول أي شخص أو شاحنة إلا بتنسيق خاص. وخلال الحرب الأخيرة، أُغلقت بيت إكسا بالكامل لعشرة أشهر. الآن، مع التصاريح الجديدة، حتى الحالات الطارئة أصبحت تمر عبر منظومة رقابة مرهقة ومهينة."
"ومنذ 7 أكتوبر 2023، أُغلقت القرية بالكامل لعشرة أشهر متواصلة، ما أدى إلى تفاقم المعاناة بشكل غير مسبوق. التنسيق أعيد بشكل جزئي، لكنه توقف مجددًا قبل أسبوعين بعد العملية الأخيرة، وأصبح الدخول مسموحًا فقط للحالات الطارئة."
وأضاف زايد أن أكثر من 1000 من أبناء بيت إكسا يعيشون خارجها، ولن يُسمح لهم بالعودة دون تصاريح خاصة، بينما يعيش أكثر من 30 ألفًا في الشتات منذ تهجيرهم عام 1967، وهم مهددون بفقدان الحق في دخول قريتهم للأبد.
في بيت إكسا وحدها، من أصل 14,221 دونمًا، لم يتبقَّ سوى 650 دونمًا فقط يُسمح بالبناء عليها. في المقابل، استولت سلطات الاحتلال على نحو 7,000 دونم لإقامة مستوطنات مثل "رموت" و"هار شموئيل"، بينما تُصنّف 6,500 دونم كـ "مناطق C يمنع البناء أو الزراعة فيها دون تنسيق مسبق.
حتى الزراعة باتت خاضعة للتنسيق الذي يُستخدم أداة ابتزاز وضغط. الحياة اليومية تُدار وكأنها في سجن مفتوح: إدخال الغاز يتم مرتين أسبوعيًا فقط، بمعدل 40 جرة، وتزداد إلى 60 جرة شتاءً. دخول التجار وبضائعهم يخضع لتفتيش دقيق، والسلع الغذائية تمر عبر إجراءات تفتيشية دقيقة ومهينة، لا سيما مع منع مرور المشاة كليًا عبر المعبر، ما يُحول حياة السكان إلى واقع يشبه المعتقلات الجماعية.
الرفاعي: ضم زاحف تحت غطاء "الأمن"
معروف الرفاعي، مستشار محافظ القدس لشؤون الإعلام، اعتبر القرار أخطر محاولة إسرائيلية لإعادة رسم الخارطة الديموغرافية شمال غرب مدينة القدس المحتلة.
"ما يجري هو تنفيذ فعلي لما يسمى مشروع "القدس الكبرى"، عبر ربط القرى الفلسطينية بالمنظومة الإسرائيلية، وضم المستوطنات القريبة مثل "جفعات زئيف" إلى بلدية الاحتلال، بينما يُفرض على المواطنين وضع قانوني جديد يجعلهم مجرد مقيمين مشروطين في أرضهم." ويرى الرفاعي أن الإجراءات تشكل خرقًا فاضحًا للقانون الدولي، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر تغيير الوضع القانوني للسكان في الأراضي المحتلة أو تقييد حركتهم.
كارثة إنسانية تلوح في الأفق
"الشق الإنساني للأزمة لا يقل خطورة عن الشق السياسي. أكثر من ألفَي نسمة موزعين بين القرى الثلاث مهددون بعزلة شبه تامة، ما يعني تعطيل التعليم، الرعاية الصحية، وسبل العيش.
أما من يسكن خارج القرى – سواء في الضفة أو في الشتات – فإنهم يواجهون خطر الإقصاء الكامل من أراضيهم، ما يُكرّس سياسة التهجير القسري الصامت". يقول الرفاعي.
المطلوب: تحرك فلسطيني عاجل وشامل
ويشدد الرفاعي على أن مواجهة هذا القرار تتطلب تحركًا فلسطينيًا على مستويين: دولي ودبلوماسي، عبر تفعيل أدوات القانون الدولي، ورفع الملف إلى مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، والمحكمة الجنائية الدولية، باعتبار ما يجري ضمًا قسريًا وتمييزًا عنصريًا، وداخلي وميداني، بدعم صمود المواطنين ماديًا وخدماتيًا، وتوفير بدائل تنقل وتعليم ورعاية صحية، مع توثيق الانتهاكات يوميًا لمنع الاحتلال من فرض واقع دائم.
الحقيقة كما هي
"ما يجري في قرى النبي صموئيل وبيت إكسا والجيب ليس مجرد تضييق أمني أو إجراء بيروقراطي، بل هو فصل عنصري منظم وإعلان عملي عن ضم مناطق فلسطينية جديدة إلى المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، يهدف إلى تفريغ الأرض والسيطرة عليها عبر تقنيات إدارية وأمنية تخنق السكان وتحرمهم من أبسط حقوقهم. التصاريح الممغنطة ليست حلاً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المعاناة،هذا ليس اختبارًا لهذه القرى وحدها، بل اختبار شامل للإرادة الفلسطينية، سياسيًا وشعبيًا، أمام مشروع إقصائي استيطاني إحلالي". يقول زايد.
موسى علقم، منسق في بلدية الجيب، قال لـ "الحياة الجديدة" حول تداعيات قرار الضم: "قبل نحو أسبوع، تم التواصل معنا لإبلاغنا بضرورة التوجه إلى حاجز قلنديا من أجل إصدار بطاقات ممغنطة جديدة للسكان. ما تلقيناه كان بطاقة ممغنطة مرفقة بتصريح يحمل مسمى "مقيم جديد في منطقة التماس"، وقيل لنا إن الغرض من هذا التصريح هو "تسهيل" الدخول إلى حي الخلايلة، الواقع على أراضي قرية الجيب.
لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا ومرارة، فجدار الفصل العنصري قسم أراضي القرية إلى شطرين، مما أدى إلى وقوع أكثر من نصف الأراضي، بما فيها حي الخلايلة، خارج الجدار. سابقًا، كان سكان البلدة يحصلون على تنسيق خاص خلال موسم قطف الزيتون، ولأيام محددة فقط، بينما كان سكان الحي المعزول يعتمدون على قوائم أسماء موجودة على حاجز الجيب للدخول إلى أراضيهم.
اليوم، وبعد هذه الإجراءات الجديدة، لا نزال نجهل تمامًا كيف سيتعامل الاحتلال مع هذه التصاريح، وما إن كانت ستمنح السكان حقًا حقيقيًا في الوصول إلى أراضيهم، أم أنها خطوة جديدة نحو تثبيت واقع الضم وفرض سياسات الأمر الواقع.
استيطان وضم تحت غطاء "الأمن"
مدير مديرية الوسط في هيئة الجدار والاستيطان، صلاح الخواجا، أكد لـ "الحياة الجديدة"، أن الاحتلال يواصل مشاريعه التوسعية في القدس المحتلةوالمناطق المحيطة بها، عبر خطوات ممنهجة لضم بلدات فلسطينية جديدة إلى نطاق السيطرة الإسرائيلية.
وأشار الخواجا إلى أن عملية توزيع التصاريح على أهالي ثلاث بلدات فلسطينية شمال غرب القدس، وهي "الجيب" (حي خلايلة)، بيت أكسا، والنبي صموئيل، تمثل خطوة أخرى في سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى إخضاع هذه المناطق للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، تمهيدًا لضمها رسميًا.
وأوضح أن هذه التصاريح، التي تعتبر بمثابة "وثائق دخول" إلى إسرائيل، لا تقتصر على كونها تقييدًا للحركة الفلسطينية، بل هي إعلان ضم ضمني لهذه المناطق إلى ما يسمى "الأراضي الإسرائيلية". وهذا يُعد بمثابة خطوة جديدة في مشروع تهويد القدس، الذي بدأ منذ احتلال 1967 وما تلاه من عمليات مستمرة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
وأكد الخواجا أن عملية فرض هذه التصاريح تعد جزءًا من سياسة مستمرة لتقليص الوجود الفلسطيني في هذه المناطق، مع سعي الاحتلال لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين عبر التضييق على حياة المواطنين الفلسطينيين، ومنعهم من التوسع السكاني الطبيعي أو النمو العمراني. وقد أشار إلى أن أهالي البلدات الثلاثة المذكورة يعانون من إجراءات قاسية تتضمن فرض قيود على الزواج من خارج المنطقة، مما يؤدي إلى حرمان العديد من الشباب الفلسطيني من بناء حياة مستقرة، ويجعل من الصعب عليهم تأسيس أسر جديدة.
وربط الخواجا هذا الوضع بما يجري في البلدة القديمة في الخليل، حيث تم فرض سياسات مشابهة لتضييق الخناق على السكان، بما في ذلك نقل صلاحيات إدارة البلدة القديمة إلى بلدية الاحتلال في كريات أربع، وفرض قيود صارمة على الحركة والتنقل داخل البلدة. كما أشار إلى إغلاق أكثر من 1200 محل تجاري في الخليل، كجزء من سياسة تهويد شاملة تهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي الفلسطيني وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين.
وأشار الخواجا إلى أن هذه الإجراءات جزء من خطة الاحتلال الاستيطانية التي تواصل تطبيقها في الضفة الغربية ومدينة القدس، مضيفًا أن هذه السياسة تشمل تقييد حرية الحركة للفلسطينيين عبر فرض حواجز ونقاط تفتيش، وهي تُطبق بشكل يتناقض مع القوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الرابعة التي تضمن حرية التنقل لجميع البشر.
ورغم هذه الهجمة الإسرائيلية المستمرة، فإن الخواجا شدد على أن الشعب الفلسطيني لا يزال يقاوم هذه السياسات، مؤكدا ضرورة حشد القوى الوطنية والإقليمية والدولية لمواجهة التوسع الاستيطاني وعمليات الضم المتسارعة، التي تهدد الوجود الفلسطيني في المناطق المحتلة. كما أكد أن هيئة الجدار والاستيطان ستواصل دورها في تعزيز صمود المواطنين، وتقديم الدعم القانوني لهم، والعمل على إبراز قضاياهم أمام المحافل الدولية، بهدف التصدي لهذه السياسات الظالمة.
وقال الخواجا: إن ما يحدث في "النبي صموئيل" و"حي الخلايلة" و"بيت أكسا" ليس سوى حلقة من سلسلة عمليات تهويد تهدف إلى خلق واقع جديد في القدس والضفة الغربية، وهو ما يجب أن يواجه بتوحيد الجهود الفلسطينية والعربية والدولية، للتصدي لهذا التهديد الوجودي الخطير.
مواضيع ذات صلة
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية
الاحتلال يُجبر مواطنا على هدم منزله في بلدة سلوان
سفارتنا لدى مصر تنظم يوما ثقافيا يسلط الضوء على الحضور الفلسطيني في معرض القاهرة الدولي للكتاب
غزة: الصليب الأحمر يسهل نقل 9 معتقلين محررين إلى مستشفى شهداء الأقصى