عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 19 أيلول 2025

بتوقيع أسماء بارزة في عالم السينما.. السجال حول فلسطين ينتقل إلى المحافل الدولية

محمد رضا

يبدو أن المعركة الإعلامية بين المنددين بحرب الإبادة الجارية في غزة ومؤيديها قد تبلورت خلال الأيام القليلة الماضية، وما زالت تتسارع بوتيرة غير مألوفة. فما شهدناه سابقا من احتجاجات بعض العاملين في صناعة السينما لم يكن سوى بداية متواضعة مقارنة مع ما يحدث حاليا من تطورات لافتة.

قبل أيام، تقدم نحو 4 آلاف سينمائي من ممثلين ومخرجين وكتاب وعاملين في مجال الأفلام بعريضة موقعة باسم "Film Workers For Palestine"، تطالب بمقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية ردا على حرب الإبادة الدائرة في غزة، وما يتعرض له الفلسطينيون من تجويع وقصف متواصل.

شملت العريضة توقيع بعض أبرز العاملين في السينما وصانعيها، بينهم المخرج اليوناني يورغوس لانتيموس، والمخرجة الأميركية آڤا دوڤرني، والمخرجان الأميركيان جوشوا أوبنهايمر وآدم ماكاي، إضافة إلى الممثلين يواكين فينكس، وروني مارا، وآبي جاكوبسون، وجوناثان غلازر، ومارك روفالو، وسوزان ساراندون، وإيما ستون، وأندرو غارفيلد.

ووفقا لما نشرته صحيفة "الشرق الأوسط"، انضم إليهم من أوروبا الممثل الآيرلندي برايان كوكس، والممثلتان البريطانيتان تيلدا سوينتون، وأوليڤيا كولمن، والممثل الإسباني خافيير باردم، من بين مجموعة كبيرة أخرى شملت سينمائيين إيطاليين وفرنسيين.

هذا الأخير (باردم) ظهر في حفل "إيمي"، مساء الأحد الماضي، مرتديا الكوفية الفلسطينية، منددا بحرب الإبادة، ومتسائلا: "كم طفلا فلسطينيا ينبغي أن يموت قبل أن يتحرك العالم؟".

وعلى المنصة نفسها، وقفت الممثلة اليهودية هانا آينبندر مهاجمة الحكومة الإسرائيلية، مؤكدة وجود فاصل واضح بين اليهود بوصفهم أصحاب هوية دينية، وبين الدولة الإسرائيلية.

 

أصوات مع وضد

وشهد حفل "إيمي" أعلى نسبة مشاهدة منذ عام 2021، إذ تابعه 7 ملايين و420 ألف أميركي، بزيادة بلغت 8 في المئة على العام الماضي، وفق مؤسسة "نيلسن" الإحصائية.

لكن قبل يومين من إقامة الحفل، أصدرت شركة "باراماونت" (إحدى أعرق المؤسسات السينمائية في هوليوود) بيانا على شكل رسالة مفتوحة أعلنت فيه معارضتها لعريضة "فيلم ووركرز فور بالستاين (Film Workers For Palestine)".

وذكر البيان أن "باراماونت" لا توافق على "الجهود الأخيرة لمقاطعة صانعي الأفلام الإسرائيليين"، مضيفة أن "إسكات أصوات فنانين ومبدعين تبعا لهوياتهم لا يروج لتفاهم أفضل أو يخدم السلام".

الرد على هذا البيان جاء سريعا عبر مقابلة أجرتها صحيفة "لوس أنجليس تايمز" مع المؤسسة التي أصدرت العريضة، مؤكدة: "نحن لا نستهدف أفرادا، بل شركات ومؤسسات"، وتمنت ألا تكون "باراماونت" قد أخطأت قراءة العريضة ما يوفر درعا ضد انتقاد الإبادة في وقت يتمادى فيه الغضب العالمي، ويتم اتخاذ خطوات صائبة لمواجهة ما يحدث.

ويوم الثلاثاء، أصدرت "أكاديمية الفيلم والتلفزيون" الإسرائيلية، ردا على العريضة وما أثارته ولا تزال تثيره من أصداء مؤيدة، بعد أن بات واضحا أن توقيع أكثر من 4 آلاف سينمائي من أنحاء العالم ليس أمرا يمكن التغاضي عنه، أو تجاهل ما دعت إليه العريضة.

يذكر الرد بأن الأكاديمية المذكورة مستقلة عن سياسة الحكومة، وأن رئيسها ينتخب من قبل السينمائيين الإسرائيليين. بالنسبة لمراقب محايد لا يعني ذلك أن علاقة الحكومة الإسرائيلية عبر وزارة الثقافة معدومة، وأن مؤسسات عدة تتعامل معها الأكاديمية - مثل "سلطة القدس للتطوير"، و"صندوق الدعم للقدس" - تتبع وزارة الثقافة الإسرائيلية التي، حسب العريضة نفسها، تنتمي إلى اليمين المتطرف.

وأشارت الأكاديمية أيضا إلى أنها مولت أفلاما تنتقد السياسة الإسرائيلية، مثل "لبنان" و"رقصة مع بشير" في العقد الماضي، و"Foxtrot" عام 2017. هذه أمثلة تعبر عن آراء لا تصب في موضوع ما يحصل حاليا، وذلك على عكس ما تقوم به جهات إنتاج أوروبية وعربية من إنتاج أفلام عن الموضوع الفلسطيني، وعلى سبيل المثال فقط "لا أرض أخرى" الذي مولته شركة فنلندية وحمل اسم "فلسطين" في عروضه العالمية، تلك التي بدأت في مهرجان "برلين" في العام الماضي، حيث خرج بالجائزة الأولى بوصفه أفضل فيلم تسجيلي، ومن ثم خطف "أوسكار - أفضل فيلم تسجيلي" في مطلع العام الحالي، إلى جانب 65 جائزة من مهرجانات ومؤسسات دولية.

صحيح أن المخرجين الإسرائيليين لديهم استقلالية اختيار موضوعاتهم، لكن هذا لا يعني أكثر من مجموعة قليلة ومتباعدة من الإنتاجات التي لا تحاكي جوهر القضية، بل تلف حولها كما في الأمثلة المذكورة أعلاه.

 

الفصل التالي

ما يحدث ليس آخر مرحلة في هذا الاشتباك الإعلامي بين الرافضين للحرب على غزة والمتضامنين معها، ولو عبر التستر على الحقائق وتجاهل معطياتها، وفي المقدمة الإبادة الممنهجة والمقصودة التي ألهبت فنانين وإعلاميين كثيرين معظمهم لم يكن، حتى الآن، ليجرؤ على إعلان معارضته لسياسات إسرائيل أو لما يحدث منذ عقود للمواطنين الفلسطينيين.

اللافت أن "باراماونت" وحدها هي التي انبرت للرد على ما يثار في هذه القضية، بينما تؤثر الاستوديوهات والشركات الكبيرة الأخرى في هوليوود، مثل "وورنر"، و"يونيڤرسال"، و"سوني"، الصمت وعدم التدخل والحفاظ على حد معين من الحياد.

الفصل التالي لن يكون أخف وطأة لأن حفل "أوسكار" المقبل لا بد سيشهد مزيدا من المواقف على المنصة. هذا العام هناك فيلمان عربيان عن فلسطين: "فلسطين 36" لآن ماري جاسر (يفتح آفاقا حول أصل المأساة) وهو ترشيح فلسطين للأوسكار، والثاني "صوت هند رجب" لكوثر بن هنية (يمثل تونس).

إذا ما اختيرا الاثنان معا في الترشيحات الرسمية، فسيتنافسان على جائزة واحدة هي جائزة "أفضل فيلم عالمي".

الترشيح الإسرائيلي قد ينجلي عن فيلم بعنوان "البحر (The Sea)". سيكون ردا ضمنيا على اتهام "أكاديمية السينما والتلفزيون" الإسرائيلية بتضامنها مع سياسة الحكومة، إذ يتحدث عن صبي فلسطيني يعيش في تل أبيب ويحاول الوصول إلى البحر وحيدا (بالبحث في IMDb)، لم يعثر على معلومات حول هذا الفيلم. السؤال هو: هل يتخذ الفيلم موقفا، ولو متواريا، مما يدور حاليا أم لا؟.

هناك فيلمان آخران لم تتخذ الأكاديمية الإسرائيلية قرارا بشأنهما هما "أكسجين" و"نعم". الأول حول عائلة إسرائيلية تنتظر عودة ابنها من الجبهة اللبنانية خلال الحرب الأخيرة. ليس هناك أي معلومات عن الموقف السياسي حول أي من هذين الفيلمين.

وفي عام 1978، وقفت الممثلة البريطانية الشابة حينها، ڤنيسا ردغراف على منصة "أوسكار" بعد فوزها بجائزة أفضل ممثلة مساندة عن فيلم "جوليا"، وأدت تحية عصماء لفلسطين.

هاج الإعلام واهتزت هوليوود للمفاجأة، وخسرت الممثلة عقودا لأفلام مقبلة لسنوات عدة. اليوم مثل هذا الهيجان لن يكون وقفا على جهة دون أخرى. لقد بدأ منذ أشهر، ولن ينتهي سريعا.

-----------

عن "الشرق الأوسط"