"مجزرة" في حسبة بيتا!

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- كان فجر أمس الإثنين مثقلا بالدمار، وبلدة بيتا تستيقظ على أنين جرافات لا تعرف الرحمة، وقف التجار عند مدخل حسبة بيتا كما يقف اليتيم عند قبر والده، يتفقدون الركام بأصابع مرتجفة كأنهم يتحسسون نبضا مفقودا بين الحديد الملتوي وصناديق الخضار التي تناثرت كأحلام مذبوحة.
كانت الأرض تفوح برائحة خضار وفواكه مسحوقة، كأن السوق قد صار جسدا ينزف.
ليست الحسبة جدرانا ولا أبوابا ولا ثلاجات، بل ذاكرة بلدة ومشروع اقتصادي يعيل المئات، ومسرح حياة يومية يلتقي فيه الفلاحون بتجارهم.
لم يكن الهدم استهدافا لمبان، بل لروح تمتد جذورها في التراب الفلسطيني، فالحسبة لم تكن مجرد سوق خضار وفواكه، بل كانت مرآة لحياة كاملة، حيث يلتقي الفلاح بثماره والتاجر بزائريه، والبيوت بأرزاقها. كان المكان نقطة التقاء قرى الشمال كلها، ومجدا في ذاكرة بلدة تقاوم منذ عقود.
فجأة انطفأ هذا المشهد، خلال ساعات اختزل الاحتلال فرح الناس وقوتهم في غيمة غبار، وسوى بأنياب جرافاتها عشرات المحال التجارية، تاركا بضع محلات أخرى ترتجف في انتظار المصير ذاته.
ما أن انهى الاحتلال مجزرة حتى هرع تجار ومزارعون إلى المكان يتفقدون الأضرار التي لحقت بالمكان الذي زعم الاحتلال أنه بني في مناطق مصنفة "ج".
عشرات التجار يبكون حالهم بعد هذه المجزرة بحق محلاتهم، ساردين شاهدات من بين الركام.
التجار عنان كنعان يؤكد أن كل شيء في المكان طاله الدمار، قائلا: "دمروا كل شيء، المحلات والثلاجات والبضائع، وكأنهم ذبحوا رزقنا مع سبق الإصرار".
يشبه كنعان المشهد بـ "المجزرة"، لم يكن يتحدث عن حجارة مهدمة أو كرفانات حديد سويت بالأرض بل عن مصدر رزق صار تحت جنازير الحديد، وعن خبز أطفال صار بلا موعد.
محافظ نابلس غسان دغلس قال إن الاحتلال يطبق مشروعا لملاحقة لقمة العيش في كل أنحاء فلسطين.
وأضاف: "ما يجري رسالة واضحة من الاحتلال الذي يتعمد ملاحقة قوت المواطنين، الحسبة لم تكن مجرد سوق، بل قلب نابض لمزارعينا وتجارنا، واليوم أرادوا أن يوقفوا نبضه".
وأضاف: "القانون الدولي أصم لا يسمع أنيننا، لكننا سنبقى هنا، سندعم صمود المزارعين والتجار رغم كل مشاريع ملاحقة المواطنين في قوت يومهم".
ويشير رئيس بلدية بيتا محمود برهم إلى أن الاحتلال أمهل أصحاب المحال ساعة واحدة لإخلائها قبل أن تبتلع الجرافات السوق.
وأشار برهم إلى أن الاحتلال برر جريمته بأن المحال التي هدمت تم اقامتها في مناطق مصنفة (ج).
ورغم الغبار الذي ما زال يتصاعد من تحت الركام، خرجت من بين الحجارة أصوات تقول: "سنعود، سنعيد بناء الحسبة ولو بالصفيح".
في بيتا، الهدم لا يعني النهاية، بل إعلان ولادة جديدة، كل محل سقط، صار وعدا بالصمود وتحول إلى شهادة ميلاد لعزيمة أشد صلابة.
مواضيع ذات صلة
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية
الاحتلال يُجبر مواطنا على هدم منزله في بلدة سلوان
سفارتنا لدى مصر تنظم يوما ثقافيا يسلط الضوء على الحضور الفلسطيني في معرض القاهرة الدولي للكتاب
غزة: الصليب الأحمر يسهل نقل 9 معتقلين محررين إلى مستشفى شهداء الأقصى