تـــــراب الشــــــاعــر
عمر أبو الهيجاء
"سبحان من قهر عباده بالموت"
حينَ أمرُّ بالقصيدةِ
أرى في كلِّ سطر قبراً
موتٌ في ثيابِ الكلامِ
موتٌ في ترابِ الشاعرِ
والدربُ ثقيل.
أيُّ سماءٍ أرفعُها
لأنجو من ارتعاشِ الحناءِ
في مُعَلقةِ الجسدِ،
دمعٌ على شفاهِ الوردِ
دمعٌ لم يجف في حلقِ المنازلِ
والطرقاتُ جريحةٌ..راجفةٌ مثلَ قططِ ليلٍ
ولا حياةً..،
يفرّخُ الموتُ في أغصانِ المدينةِ
المدينةُ وحدها
تلمُ أنينَ النايِ
تلمُ فكرةَ الرحيلِ
وحينَ أمرُّ بالقصيدةِ
أرى في كلِّ سطرٍ قبراً
2
هو الموتُ/
يُقيمُ في حدودِ الروحِ
ملكٌ يقطفُ داليةَ العمرِ
ولا يغيبُ...
هو الموتُ/
يَترُكُنا نَغفو على مخدةِ المنافي
ولا نصحو..،
تنطفئُ دَاخِلَنا حدائقَ البهجةِ
تتساقطُ في متسعِ الحنينِ
حِكايةُ قلبٍ
ذَاكرةُ حِنطةٍ
ورائحةُ أمهاتٍ
لم ينلّن مِنَ الغَيمِ مطراً
وحِينَ أمرُّ بالقصيدةِ
أرى في كلِّ سطرٍ قبراً.
3
هو المَوتُ/
يمدُ إلى فصولِ العمرِ الأظافرَ
يُحملقُ بنا مُنفَرِدينَ
يمشي خلفَ ظِلنا..في ظِلنا،
يبني في ضفافِ الليلِ أعشاشاً
ويَرشُقُنا بالشظايا.
هو الموتُ..لا يُحاورُ ..ولا يُناورُ
يحفرُ في صحراءِ البدنِ تاريخاً
يخطفُ هدأةَ البيوتِ
لغةَ الحلمِ..
بقايا نشيدٍ
في أوردةِ الحمامِ.
هو الموتُ مثل جدارٍ
يُقيمُ في سلّة الأرض
يُقيمُ في مرايانا.. ومُنشغلٌ بالكائناتِ.
إيه يا موتُ/
ردَّ لي/
نِصفَ نومي
لأحلُمَ باللغةِ
لغةٌ تُنادي عليَّ
وفي الدم أصواتُ ناياتٍ
مواويلُ مَزقتها ذئابُ العتمةِ،
ردَّ لي/
نصفَ نومي
لأحلمَ ثانيةً
وأتركَ كلَّ بيوتِ المدينةِ
تسعى في رأسي،
تسعى وتُتَمتمُ مثلَ الرصاصِ
تُغازلُ عشبَ القبرِ
وتلوذُ عندَ ملحِ القصيدةِ بأدمعي
وحِينَ أمرُّ بالقصيدةِ
أرى في كلِّ سطرٍ قبراً.
4
قل لي/
يا موتُ، هل أمضي ناقصاً
حداثةَ الملامحِ في الكلامِ،
أسيرُ معجوناً بالحزنِ
تمشي كلُّ نساءِ الحيِّ
إلى نهرِ رحيلي
والقلبُ لم يزلْ يُسبحُ بحمد الله.
وحينَ تَدخُلني أخبارُ الأرضِ
أيَّنما وزعتني البلادُ
تبقى صحراءُ دمي
مملكةَ الماءِ في ترابي الأخضرِِ،
يا موتُ/
يا كأسَ روحي في ابتكارِ العطشِ
نخرجُ الآنَ من غُولِ الحياةِ
يتراشقنا الغبارُ في بدءِ السؤالِ
وتَصطادُنا المراثي،
وحينَ أمرُّ بالقصيدةِ
أرى في كلِّ سطرٍ قبرًا.
5
هو الموتُ/
يأخُذُنا إلى ذئابهِ في غابةِ الريحِ
لا لمْ يَعدْ بيني وبينَ شاهدِ الطينِ
غيرُ عواءِ ليلٍ
وجعُ أمكنةٍ
في شكلِ الفتى الترابي.
تَسرُدُني القوافي في سلّةِ الكوّنِ
وأبقى مقيماً بالتراتيلِ.
كيفَ لي/
يا.. ياقُوتَ الوحدةِ،
يا سرَّ الغُيومِ في فضاءِ الخمسينْ،
كيف لي/
أن أدخلَ زحمةَ الظلامِ
أن أدخلَ في حكمةِ النهايةِ
إلى عاصفةِ الدودِ
إلى حلمٍ فاضَ عن فمي
فاضَ عن نقشِ الشعرِ في سهولِ المعنى.
قُلتُ: تسردني القوافي
في سلّة الكوّنِ
وطيورُ الليلِ تأنسُ وحدةَ القلبِ
فقليلاً ارفعني يا موتُ
إلى سدةِ الضحى،
لأنفضَ ما تبقى من غيمٍ في جيوبي
وحين أمرُّ بالقصيدةِ
أرى في كلِّ سطرٍ قبراً.
هو الموتُ/
يُقيمُ في حُدودِ الروحِ
ملكٌ يقطفُ داليةَ العُمرِ
ولا يغيبُ..
*شاعرفلسطيني يعيش بالاردن
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين