عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 09 شباط 2016

قانون الشراء العام.. الحكومة تمتنع عن التنفيذ

700 مليون دولار قيمة مشتريات الحكومة من السلع والخدمات سنويا

حياة وسوق- ابراهيم ابو كامش

لم تجد الوعود الحكومية المتكررة بتفعيل "قانون الشراء العام" الذي صادق عليه الرئيس محمود عباس قبل عامين، ترجمة لها على أرض الواقع، وكان آخر الوعود أن يبدأ التنفيذ اعتبارا من بداية عام 2016 إلا أن ذلك لم يحدث.

وينص القانون على إنشاء مجلس يسمى "المجلس الأعلى لسياسات الشراء العام" تكون له الشخصية الاعتبارية، والذمة المالية المستقلة، وله موازنته الخاصة ضمن الموازنة العامة للدولة.

ويجري العمل حاليا بقانونين صدرا في أواخر تسعينيات القرن الماضي الاول: "قانون اللوازم العامة"، والثاني: "قانون العطاءات والأشغال العامة". وتتحكم وزارة المالية بشراء اللوازم العامة للدولة، فيما تتولى وزارة الأشغال العامة تنفيذ القانون الثاني. ويدعي الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" بوجود نزاع صلاحيات بين الوزارتين.

غير ان القانون الجديد غير المنفذ يضع حدا لكل نزاع صلاحيات قد يحصل ويساهم إلى حد كبير في مأسسة الشراء العام إذ نصّ على أن "المجلس الأعلى لسياسات الشراء العام" يتشكل من رئيس وثمانية أعضاء من ممثلي وزارة المالية ووزارة الأشغال العامة والإسكان ووزارة الاقتصاد الوطني ووزارة الدولة لشؤون التخطيط والتنمية الإدارية وأربعة أعضاء من ذوي الخبرة والاختصاص في مجال الشراء العام من غير موظفي القطاع العام يحددهم مجلس الوزراء من العاملين في قطاع المقاولات وتوريد الأدوية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والقطاع الأكاديمي.

مجلس الشراء أصبح ممكنا

ويرى مستشار ائتلاف "أمان" عزمي الشعيبي ان تشكيل  مجلس الشراء "أصبح ممكنا لممارسة دوره فوراً لوقف أي نزاع على الصلاحيات بين وزارة المالية ووزارة الأشغال العامة، مبينا ان "أمان" بعث برسالة تذكيرية الى رئيس الحكومة رامي الحمد الله تدعوه فيها الى تفعيل القانون.

وقال الشعيبي: "ركزت الرسالة على ما تمثله المنظومة التشريعية المتعلقة بالشراء العام كإحدى الضمانات التي تعزز منظومة النزاهة والشفافية والمساءلة في ادارة هذا القطاع وتساعد على ترشيد الاستخدام الأمثل للموارد والمال العام، وتضمن في ذات الوقت حصول المواطن على خدمات ذات جودة عالية. فضلا عن كون المشتريات العامة والتشريعات الناظمة لها أحد البنود الرئيسية الخاضعة للتقييم وفقاً لاتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد والتي أصبحت دولة فلسطين طرفاً ملتزماً بها".

واكد الشعيبي ان القانون "عالق في داخل مجلس الوزراء، بعد 10 سنوات من انتهاء الدراسات الاولية لنقاشه مع الاطراف ذوي العلاقة لانضاج الصيغة التي انتهى اليها من حيث الاحكام التي تنظم عمل الحكومة من حيث شراء الخدمات او الاحتياجات او الاستشارات وايضا العطاءات المتعلقة بالاشغال العامة".

واستدرك الشعيبي بقوله: "القانون مقر منذ سنتين ولا يتم اجراء اي تعديل او تطوير عليه، وانما يجري تعطيل تنفيذه لاسباب تتعلق بواقع الحكومة نفسها".

ويتهم الشعيبي، وزارة المالية لأنها -على حد قوله- "ما زالت لا تريد تغييرات على الواقع الموجود حاليا والذي بموجبه كل اللوازم العامة تقريبا هي التي تتحكم بشرائها للدولة، ويبدو انه بسبب صراع على الصلاحيات بين دور وزارة المالية ودور وزارة الاشغال يوجد تعطيل للتنفيذ، بالاضافة الى ان تنفيذ المشروع يحتاج الى برنامج جدي للتدريب وتأهيل العاملين".

وحينما طلب رئيس الوزراء تأجيل التنفيذ لمدة عام بسبب عدم وجود كوادر لانشاء مجلس الشراء العام وبالتحديد من قبل وزارة المالية التي قالت "ان هذه سيكلفنا توظيف كوادر جدد وتعيينات جديدة"، بينما رد الشعيبي بقوله: "ليس المطلوب تعيينات جديدة، وانما فرز عدد من العاملين من وزارات المالية والاشغال والاقتصاد والاتصالات والمواصفات وتأهيلهم تأهيلا لاعادة تأهيلهم للعمل بالمتابعة والاشراف وتنفيذ هذا القانون".

ويعتقد الشعيبي، ان عملية تأهيل واعداد الكوادر لا تسير حتى الآن بالشكل الجدي، "لأن مجلس الشراء العام المفروض ان يقوم بالعمل، لكنه غير فعال حتى اللحظة لأسباب هي في الحقيقة الصراع بين وزارتي المالية والاشغال العامة".

ويرى الشعيبي ان هذا يمس منظومة النزاهة والشفافية، وقال: "ان استمرار العمل بموجب الاستثناءات في العطاءات يضعف من الشفافية فيها ويحرم المواطنون من عملية الاستئناف ضد اي قرار، لأن القانونين القديمين "العطاءات العامة"، و"اللوازم" ليس فيهما احكام خاصة تلزم منفذي هذه العطاءات تقديم تقارير معلنة وواضحة في معظم المراحل.

ويضيف: "بالتأكيد كان لوزير الاشغال العامة في موضوع العطاءات دور كبير وصاحب الكلمة الاولى والاخيرة في اي احتجاج يقدم من اي مواطن، فلا يجوز لهذا المواطن ان يجد آلية للاعتراض على طرح عطاءات تمت بطريقة غير صحيحة وغير نزيهة".

ترتيبات فنية وإدارية

لكن وكيل وزارة الاشغال العامة والاسكان فائق الديك، نفى كل ما قيل عن التنازع حول الصلاحيات بين وزارتي الاشغال العامة والاسكان، وقال: "نحن نتحدث عن عملية مخاض وطني واصلاح كبيرة في موضع مهم وهو المشتريات العامة، ويستحق ان يخضع لمخاض حول ما هو الافضل للبلد ولمنظومة مشتريات تتفق وافضل الممارسات الدولية".

واستدرك قائلا: "ليس دقيقا التعبير الوارد في بيان (أمان) فوزارة الاشغال ليست على علاقة بالموضوع بالمطلق، ولكن بصفتي وكيل الوزارة كنت حاضرا ومشاركا وقدت الفريق الوطني في اعداد القانون ولائحته التنفيذية والموضوع انتهى هناك، ووزارة الاشغال العامة لم تعد طرفا ولم تنازع احدا على الصلاحيات".

واكد الديك، انه لا يمثل وزارة الاشغال العامة والاسكان في هذا الموضوع، وانما يتحدث بصفته رئيس المجلس الأعلى للمشتريات العامة، وهو يتبع مباشرة الى مجلس الوزراء ويخاطب ويقدم تقاريره له حسب القانون، وسيبقى يجمع بين الوظيفتين الى ان يبدأ تنفيذ القانون والنظام والعمل في منظومة المشتريات العامة.

وقال الديك انه سيتم البدء في تنفيذ القانون وتفعيل مجلس المشتريات وفقا لقرار مجلس الوزراء: "على ان يتم الانتهاء من هذه الترتيبات المؤسساتية حتى زمن أقصاه 30 حزيران من العام الحالي". منوها الى ان اسباب عدم انفاذ القانون لغاية الان تتعلق بترتيبات ادارية وفنية واعادة تأهيل الكادر الوظيفي لمجلس الشراء.

واكد ان مجمل هذه الترتيبات لم تكتمل بعد بسبب عدم توفر التمويل حاليا، معربا عن أمله الانتهاء منها خلال الفترة القادمة والاطار الزمني الذي حدده قرار مجلس الوزراء، وبما يمكن من البدء بتطبيق القانون ولائحته التنفيذية.

وتابع: "بدء العمل بالقانون ولائحته التنفيذية، يتطلب الانتهاء من جميع الترتيبات الخاصة بالمجلس الاعلى لسياسات الشراء العام من حيث اعداد الكادر الوظيفي وتجهيزاته اللوجستية، ونحن بصدد كل هذه الاجراءات لانطلاق عمل المجلس".

ويؤكد الديك، ان هذا الموضوع يحتاج الى وقت وجهد خاصة فيما يتصل بالموازنات والتجهيزات، اضافة الى مجموعة اخرى من الاجراءات اللازمة للانتهاء منها الوثائق القياسية، وتحضير مسوداتها ومراجعتها من قبل اللجان التي شكلها مجلس الوزراء و"هي في اللمسات الاخيرة بالتعاون مع المؤسسات الدولية ذات الخبرة في هذا المجال كالبنك الدولي".

وقال: "ما نستهدفه بالاساس منظومة مشتريات ومكوناتها بحيث نضمن ان تكون متوافقة مع الممارسات الدولية المتعارف عليها عالميا حتى نصل الى منظومة مشتريات تحظى بالقبول والرضى من مجتمع المانحين ونتمكن من استخدامها بكل مكوناتها وترتيباتها واجراءاتها ووثائقها في كل المشتريات ايا كان مصدر التمويل سواء كان من الموازنة العامة او من خلال المانحين، واذا استطعنا الوصول الى هذه النقطة نكون قد خطونا خطوة كبيرة الى الامام".

واكد الديك، ان هناك امورا اخرى كان لا بد من الانتهاء منها، و"هي كلها تحت الاجراء وهي انشاء البوابة الالكترونية لمنظومة المشتريات الجديدة، والتي ستشمل كل ما يتعلق بمشتريات فلسطين من اعلانات عن العطاءات، وقرارات الاحالة، المواد التدريبية، البيئة القانونية، والنظام والدليل الوطني والاجراءات اضافة الى ان هناك عطاء بتمويل من البنك الدولي سيتم طرحه قريبا للسوف والهارد وير ونح في الاجراءات لانهائها مع وزارة المالية".

واعلن الديك، انه سيتم الانتهاء من الدليل الوطني للمشتريات العامة بالتعاون مع وزارة المالية وبتمويل من البنك الدولي خلال 4 أشهر القادمة، و"الذي سيكون احد الادوات التي من خلالها نسهل الاجراء ونجعل كل الجهات ذات العلاقة سواء كانوا من موظفين عموميين او من القطاع الخاص لهم علاقة بالمشتريات العامة من مقاولين ومستشارين وموردين ومزودي خدمات، ليطلع كلهم على تفاصيل الاجراءات التي يجب ان تنقل للمنظومة الجديدة".

الحكومة.. لا تريد

ويرى الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم أن الحكومة لا تريد تغيير السلوك القائم، "لان التغيير دائما يجلب المتاعب، وبالتالي التعاطي مع قانون الشراء العام والذي يستبدل انظمة ولوائح وقوانين اخرى وممارسات اعتادت عليها مراكز المسؤولية في الوزارات، هذا برأي الحكومة قد يخلق متاعب ادارية وتنفيذية، وقد يضعف من الصلاحيات الممنوحة التي تتمتع فيها بعض المراكز في الوزارات".

ويؤكد ان "الصراع الوزاري في الصلاحيات ادى الى تعطيل عمل مجلس الشراء، واي تغيير الان يمس بهذه الصلاحيات ويقع في اطار النزاع حولها، وبالتالي يصبح من الصعب احداث التغيير وخصوصا ان الوزارات التي حصلت على مساحة من الصلاحيات في الشراء، حينما تفرض عليها قيود تصبح الحجة جاهزة بان هذه يفقدها جزء كبير من المرونة في الاحتياجات، ما يستوجب التعاطي معها في اطار خارج المركزية في عملية الشراء".

وقال: "انه من باب تجنب مواجهة تداعيات التغيير بالرغم من ان هذا القانون كان يجب ان يطبق منذ زمن، حيث انه عانى الكثير من الثغرات في الممارسات القائمة حاليا، وبالتالي ان السبب هو اداري سياساتي غير مبني على مبدأ السعي نحو المزيد من الشفافية والكفاءة في الشراء واخضاع العملية كلها لرقابة ومتابعة ومساءلة محددة ومركزية".

ويرى د. عبد الكريم: انه لا يوجد قانون في العالم مثالي، وبالتالي فان الحكم على اي قانون هو بنجاح التجربة الفعلية في تطبيقه، "ولهذا السبب يتم دائما التركيز على تنفيذ القانون وتجنيبه الثغرات في مسألة الشراء، فالعملية المركزية تتم ما بين مركز النفقة ومركز المسؤولية وما بين المورد، حيث يجب ضبط هذه العملية الوسيطة باتجاه الا تسمح لأحد من ان يتفرد في قرار احالة عطاء، او التفرد في قرار له تأثير قوي وهيمنة وسلطة تنطوي على عملية المنح والشراء في احالة العطاء التي يجب مراعاة الشفافية فيها، بمعنى اعطاء كل الموردين نفس الفرصة وفي النهاية العملية ستنتهي باقل التكاليف في مركز النفقة، واذا ما شاب هذه العلاقة "عملية الوساطة" اي شائب، فقطعا سيكون تدخل بشري ما يرفع كلفة الشراء لأنه فيه استفادة شخصية".

ويقدر د. عبد الكريم، ان القيمة الاجمالية لعملية شراء السلع والخدمات السنوية بحوالي 700 مليون دولار، "لذلك فهي بحاجة الى قانون جديد، اضافة الى اسس ادارية ومؤسساتية في كل وزارة تمكنها من ربط العملية، وغالبا ما يصبح هناك استسهال لدى الموظفين المسؤولين عن عملية الشراء وخصوصا في اللجان احيانا وفي مستويات مختلفة من الصلاحيات يترتب عليها اعادة والاعادة تولد رتابة، والرتابة غالبا ما تؤدي في النهاية الى شبهات فساد".

ويعتبر د. عبد الكريم: ان تنفيذ القانون الجديد وتفعيل المجلس قد يؤديان الى تكريس افضل للرقابة ولكفاءة الشراء ولربما لممارسات الشفافية والمساءلة، اضافة الى انه قد يحقق للحكومة بعض الوفورات الحجم ومن هوامش في عملية الشراء قد تستفيد منها في عملية الشراء بوجود قانون شراء عام موحد مركزي وادارة مركزية قد لا تكون متاحة لها في حالات الشراء المتقطع، ما يعود بالفائدة على مستوى ادارة المال العام وادارة الانفاق العام اضافة الى انه يحقق هدفا اخرا بتوفيره السلع والاحتياجات الضرورية للوزارات وللمستفيدين منها وخصوصا وزارات الصحة والزراعة وحتى داخل الوزارة النفقات التجارية.

وقال: "دائما المركزية في ادارة شأن عام مع بعض الاستثناءات يحد من مساحة الانفاق غير الضروري وازدواجية الانفاق، ويستفيد المواطن من ما وراء تحقيق هدف الحكم النزيه والنظيف والرشيد والرشيق، وان اي اجراء سلوك يؤدي الى تحسين كفاءة الادارة العامة يخدم المواطن بشكل غير مباشر".