عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 تموز 2015

فرح التوجيهي وتوتره ولقطاته

عدلي صادق

لطالما تناول أساتذة علم الاجتماع والتربويون، ظاهرة التوتر والقلق، المصاحبيْن لامتحانات إتمام الدراسة الثانوية، أو لإعلان نتائجها. وفي شهر الصيام، نوقشت في الجوار العربي مسألة توقيت إعلان النتائج، وما إذا كان الأنسب أن يكون الإعلان قبل الإفطار أو بعده. لكن بعض البلدان الأخرى، عمدت في السنوات الأخيرة، الى تجويف التوجيهي من عنصر التوتر والرهبة، من خلال اتباع النظام التراكمي لأعمال السنة وامتحاناتها الدورية، والتعويل على مجموع النتائج للـتأهل لمرحلة الدراسة الجامعية، بشهادة إتمام الدراسة الثانوية. وفي الحقيقة، نشأ التوتر وتكرست الرهبة، لأن النظام المتبع، كمن يعطي للطالب وللطالبة، وقتاً أو موعداً محدداً، لكي يجيب عن أسئلة بعينها، فلا يُحسب له شيء سوى إجابته في اليوم المحدد على الأسئلة المحددة. وهذا بحد ذاته، يجعل الآباء والأمهات، على موعد مع أيام مفصلية ومهمة وذات علاقة بمستقبل الابن أو الابنة، في فترة الامتحانات وما قبلها، وفي يوم إعلان النتائج. ولا أظن أن الأسر ستحبس أنفاسها، وتنشغل قبل الامتحانات وأثناءها ثم تتوتر قبل إعلان النتئج، لو أنها تلقت النتائج جرعة جرعة، كما في النظام التراكمي، الذي يسمح للأسرة بأن تدفع ابنها الى مزيد من الجهد، أو لتدارك نقاط ضعفه، ويتيح حتى للمؤسسة التعليمية إخراج أفضل ما لدى الطالب والطالبة من قدرات.

ظواهر فرعية، غير مستحبة، صاحبت ردود أفعال الناس في بلادنا، في يوم الإعلان عن نتائج التوجيهي. ثمة مبالغة في التعبير عن الفرح، وصلت الى إطلاق النار، وحدوث أصابات أحياناً، أو إطلاق ألعاب نارية كأن الأمة في يوم انتصار تاريخي. واللافت، أن الأسر الأكثر تواضعاً على هذا الصعيد، هي التي حصل أبناؤها وبناتها على أعلى المعدلات. ويلاحظ أن أسر ذوي المعدلات الوسطى، أكثر ضجيجاً. ولكي يتأكد أن الأمر ليس محض دراسة وعلم، تسمع كثيرين يهنئون بالنجاح الذي كان بمعدل 51% وهو المعدل الذي قررت وزارة التربية أنه لا يؤهل الطالب للدراسة الجامعية. فالابتهاج هنا، هو للنجاة من مصير الراسب في إعلان النتائج. ويعرف أهالي دير البلح مثلاً، أن استاذاً جماعياً حمساوياً، رسب ابنه في سنة التوجيهي الأولى، لكنه نجح في السنة الثانية بنسبة 51% فاشتعل الأستاذ الجامعي فرحاً بالنصر، واندفع الى بائع سيارات فاشترى لابنه الغضنفر، سيارة مرسيدس من تلك التي يسمونها "أم عيون". نعم سيارة مرسيدس ولا أبالغ وباقي القصة عند كل أهالي دير البلح. فقد كانت الخشية من الرسوب، هي هاجس المتعلمين والجهلة والقانعين والطامعين والطامحين، وذلك كله لأن امتحانات التوجيهي ونتائجها، تضع الفلسطيني أمام اختبار عسير للجدارة، يملك فيه المعوزون، القدرة على إلحاق الهزيمة بالمترفين، وهذه فرصة نادرة لا تتاح لهم على أي صعيد آخر، ولا حتى على صعيد فرص الدراسة الجامعية وبلدانها!

يشعر واحدنا بالاعتزار، وبعظمة نتائج أولادنا وبناتنا الذين واللاتي تعرضوا وتعرضن للضغوط النفسية، وعايشوا التوتر واجتازوا الامتحانات برباطة جأش، ولم تتأثر مستوياتهم، بفعل الشد العصبي. ويصح أن يكون ثمة اعتزاز استثنائي بالناجحين من أبناء المعوزين، وبالنابغين في المناطق المهمشة ومناطق انقطاع التيار الكهربائي، والأولاد والبنات الذين تعاني أسرهم، صعوبة في العيش إن لم نقل شظفاً.

إن مجرد الصمود في وجه الضغوط التي نأمل أن تنتهي باعتماد المنهج التراكمي؛ يُعد إنجازاً رائعاً للأولاد والبنات الذين تفوقوا. ولعل أطرف مثال، في هذه السنة، على تأثر الطالب بالضغط النفسي عليه، وبجو الأسرة أو المحيط الاجتماعي المتوتر؛ أن طالبة من النابغات، وهي من أقرب أقربائي، لم يرد اسمها كناجحة، علماً أن مدرستها كانت تعوّل عليها للحصول على مرتبة، ضمن العشرة الأوائل على فلسطين. لقد أحست "يسرى" بإرهاق و"كربجت" قبل الدخول الى امتحان ورقة الرياضيات الثانية. تخيلت نفسها أنها نسيت كل شيء. ولكي لا يتفشى هذا الإحساس في كل كيانها، أعفاها والدها ووالدتها، وهما مهندس ومعلمة، من الذهاب الى امتحان الورقة الثانية واتاحة الفرصة للبنت لكي تلتقط أنفاسها، وكان ذلك موقفاً ذكياً. جاءت النتيجة، أن البنت ستعيد المادة التي تخلفت عنها،  لكن معدلها دون هذه المادة 92% ويتبقى عليها إعادة امتحان ورقة الرياضيات، التي ستحسمها بجدارة، تعقبها سخرية من أسباب التوتر ولقطاته وأوقاته!