محمد زياد نافع.. حين تتحول الريشة إلى مقاومة بصرية وذاكرة نابضة بالهوية الفلسطينية

كتبت د.إيمان هريدي
في ظل محاولات ممنهجة لطمس الهوية الفلسطينية وتشويهها على يد حكومة احتلال فاشية، والتي تسعى إلى قمع الكلمة والصورة، ينبعث من قلب بلدة نعلين غرب رام الله صوت فنان تشكيلي شاب يتحدث بريشته عما تعجز الكلمات عن التعبير عنه، وصوت ألوانه يرفع الفن إلى مرتبة أداة اشتباك معرفي ومنبر للمقاومة البصرية في معركة الذاكرة والوجود على كل ما هو فلسطيني.
إنه الفنان التشكيلي محمد زياد نافع، ابن الثالثة والعشرين، الذي بزغ نورة الفني مبكرا، منذ أن أمسك القلم لأول مرة وهو في العاشرة من عمره، محاولا تقليد اخواته في رسم تصاميم الأزياء وسكيتشات الموضة. لكنها لم تكن مجرد محاكاة عابرة، بل كانت اللحظة التأسيسية لانبثاق وعي بصري عميق، سرعان ما تبلور في أعمال تفيض بالتعبير والرسالة.
كانت والدته أول من التقط موهبته، فآمنت بضرورة صقلها ضمن قالب أكاديمي. وقد التحق محمد بالفعل بالمعهد المحلي المتخصص بالفن التشكيلي، حيث تشكلت ملامح تجربته الأولى، ونضجت تقنياته، واتسعت رؤيته الجمالية. هناك، لم يتعلم فقط كيف يمسك الريشة، بل كيف يحول اللوحه إلى موقف بصري مقاوم، واللون إلى بيان رمزي.
بين الفحم والزيت.. جداريات لا تصمت
محمد لا يعرف الانغلاق داخل مدرسة فنية واحدة، بل يعرف نفسه كـ "فنان شامل"، يتقن رسم البورتريه بالفحم والرصاص، ويبدع في تنفيذ الجداريات، ويتعامل مع ألوان الباستيل والزيت ببراعة تعبيرية، تجعل من كل لوحة مساحة للتفاعل بين التقني والوجداني، بين الواقعي والتجريبي.
تمتاز أعماله بخيط ناظم: الارتباط العميق بالقضايا الوطنية والاجتماعية والإنسانية، ومحاولة استبطانه الذاكرة الجمعية الفلسطينية في مشاهد لا تقال، بل ترسم. ويقارب الفن بوصفه أداة لتحريك الوعي، وإعادة إنتاج السردية الفلسطينية من خلال اللون والرمز والشكل.
يقول محمد: "الفنان الفلسطيني لا يرسم من فراغ.. نحن نتشابه في المعاناة، ونختلف في طريقة تجسيدها. الألوان الداكنة قريبة من روحي، لأنها تعبر عن واقع مثقل بالتاريخ والحصار والوجع".
في أعماله يتجلى التأمل، ويتداخل الشخصي بالجمعي. فمن البدايات البسيطة، إلى محاولات جاده في الفن الجداري، ينتقل محمد بين مدارس الفن الواقعي والتجريدي، دون أن يفقد أعماله طابعها الفلسطيني الواضح.
الظلال التي تتكلم.. فلسفة التفاصيل
عند سؤاله عن الخصوصية التي تميز أعماله؟ قال: "لا أدري على وجه الدقة ما الذي يجعل لوحاتي متميزة. نحن كفلسطينيين نتشابه في الجرح، ونتقاطع في المعاناة، لكننا نختلف في كيفية ترجمة هذا الألم إلى لون وشكل. بالنسبة لي، الألوان الداكنة تشبهني، لأنها الأقرب إلى روحي المثقلة بالمخيمات، والحصار، الحواجز، الاعتقال، والقصص التي لم تكتمل".
يسعى محمد إلى الصدق البصري في لوحاته. يقول: "لا أبحث عن اكتمال الصورة، بل عن صدق الإحساس. أحيانا، شحطة صغيرة قد تفجر ذاكرة كاملة. الفن، كما أفهمه، ليس ما يرى، بل ما يحس".
هو لا يرسم غصن الزيتون بل السياج الذي منعه، ولا يرسم الأرض بل الجدار الفاصل عنها. في لوحاته، لا يسرد الوقائع كما هي، بل يعيد قراءتها، ويحملها ما يفيض عن التوثيق.
يرى محمد الفن كأداة لبناء الوعي الجمعي، ومنصة لمساءلة الواقع، وتحفيز التفكير النقدي. إنه يمارس الرسم كفعل ثقافي مقاوم للتصدي لمحاولات المحو والتزييف التي يمارسها الاحتلال بحق السردية الفلسطينية.
في كل خط يرسمه، وفي كل لون يختاره، هناك رسالة مبطنة، وحضور واع للسياق الوطني والإنساني الذي يعيشه الفنان الفلسطيني. أعماله لا تنفصل عن قضايا الأرض، والمخيم، والشتات وغزة، وهي محملة دائما بهم التراث، الذي يرى فيه محمد درعا ضد محاولات الطمس والاختطاف الثقافي التي يمارسها المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي.
يستلهم محمد رؤيته من رموز فلسطينية شكلت له بوصلة فنية، ومن أبرزهم: مصطفى الخطيب، الذي يجيد عبر التجريد الرمزي تحويل القلق الوطني إلى لغة تشكيلية معاصرة، وترك بصمة لا تشبه أحدا سواه. وأمجد صبرة، الذي برع في ملامح الوجوه، كسير بصرية لوجوه تعكس ملامح وطن. ومريم نوارة، التي يرى في أعمالها توازنا بين صفاء الطبيعة، وعمق الألوان.
بالنسبة لمحمد، كل لوحة فرصة لاسترداد المساحة التي سلبت من الذاكرة عبر الطمس، والتهميش، والتطبيع البصري مع صور لا تشبهنا.
غزة.. حين يرسم اللون الصمت الدولي
وعندما سألناه: "لو طلب منك أن ترسم غزة اليوم، كيف ستفعل؟" قال: "سأرسمها بالأسود.. بحجم المعاناة. وبالأحمر.. بلون الدم المتدفق. أما الرمادي، فهو لون العالم، الذي قرر أن يقف متفرجا، يتأمل المجازر بصمت. الأبيض؟ لم يعد يليق بلوحاتي. لقد فقد رمزيته، تحول إلى لون العجز".
ثم يصف لنا المشهد في مخيلته الفنية: "سأرسم بئرا عميقا، في قاعه بشر يطفون ويغرقون، يصرخون من الجوع، من الظلمة، من الموت البطيء. لكن لا أحد يسمعهم. جدران البئر صامتة، والعيون مرفوعة نحو ثقب ضيق في الأعلى، كأنها تبحث عن سماء لم تعد ترى، أو عن قمر مكسور في ليل لا ينتهي".
بهذه الصورة المركبة، يرسم محمد غزة كرمز إنساني عميق، كجرح لم يعالج، وكصوت تم كتمه بمزيج من القتل والإنكار في أعماله.
فنان فقير.. بحلمه غني
"أحلم أن يكون لي معرض. لا أطلب المستحيل. فقط مساحة صغيرة أعرض فيها أحلامي. لا أخجل من فقري، لكنني أخجل من واقع لا يمنح الفنانين الشباب فرصا حقيقية. لا توجد جهة تتبنى طاقاتنا، ولا مؤسسة تحتضن مشروعنا الثقافي".
ويتابع تأملاته في أثر الفن عليه: "الفن غير حياتي. جعلني أكثر هدوءا، أكثر إنصاتا لما لا يقال. علمني أن أرى ما لا يراه الناس، أن أراقب تفاصيل الحياة الصغيرة.. تلك التي تمر صامتة، لكنها تحمل أثقل المعاني". أضحى الفن عنده منهج حياة وتأمل. فهو اليوم لا ينظر إلى الأشياء كما يُنظر إليها، بل كما يحس بها في الوجدان.
موناليزا فلسطين.. لوحة تعيد صياغة الحكاية العالمية
من بين عشرات اللوحات التي أنجزها محمد زياد نافع، تقف "موناليزا فلسطين" باعتبارها العمل الأقرب إلى قلبه، والأكثر تجسيدا لفكرته عن الفن كوسيلة مقاومة واستعادة. هذه اللوحة على حد تعبيره محاولة جريئة لوضع فلسطين في صميم التاريخ الفني الإنساني، لا على هامشه.
فيهذه اللوحة، قام محمد بدمج أيقونة الفن الغربي، "الموناليزا" لليوناردو دافنشي، مع رموز الهوية الفلسطينية، وعلى رأسها الثوب المطرز، والتطريزات التي تنتمي لجغرافيا القرية، والوجع، والمقاومة. لم يقتصر الدمج على الشكل، بل تجاوزه إلى الرسالة: أن فلسطين ليست عابرة في السردية، بل حاضرة في أكثر مفردات الإنسانية تعقيدا.. في الفن.
وقدم محمد هذه اللوحة هدية إلى فخامة الرئيس محمود عباس، الذي استقبلها بكثير من التقدير، مشيدا بالموهبة الفلسطينية الشابة التي تعرف كيف تحول الرموز الكلاسيكية إلى أدوات ناطقة بهمنا الجمعي. رأى فيها الرئيس تعبيرا صادقا عن ذاكرة شعب، وإبداعا يزاوج بين الجمال والكرامة، وبين الأصالة والطموح.
"موناليزا فلسطين" إعادة إنتاج بصري لتمثل موقفا ثقافيا، يربط فلسطين برموز الفن العالمي، وتحد صامت بلغة الألوان، ورسالة تقول إن القضية الفلسطينية تحتاج أن تروى على القماش كما تروى في الميادين.
نحو العالمية.. مرورا بفلسطين
على مدار أكثر من اثني عشر عاما من الجهد المتواصل والمثابرة، صقل الفنان التشكيلي محمد نافع مهاراته الفنية ذاتيا، متجاوزا حدود المكان والزمان، ليحمل طموحا واضحا في استكمال دراسته في إيطاليا، حيث يرنو إلى تعميق معارفه وتوسيع أدواته الفنية، لا سيما في مجال فن النحت والمنحوتات.
فبالنسبة لمحمد، لا يكفي أن يكون الفنان مبدعا في فن واحد، بل لا بد أن يسعى إلى تطوير أدواته باستمرار، ليصبح فنانا شاملا، قادرا على التعبير بأكثر من لغة بصرية.
وفي حديثه عن أحلامه، يقول: "أريد أن أصل للعالمية، لكن قبل ذلك، أطمح لأن أصل فلسطينيا، وأن يقدر المجتمع ما يحمله الفن من قيمة حضارية وجمالية ورسالة وطنية".
يرى محمد أن تمثيل فلسطين عبر الفن هو مسؤولية مقدسة. ويؤكد ان "الفن ليس خارج القضية، بل هو قلبها الناطق".
ختاما.. الفن كمعركة وجودية لا تقل عن الميدان
يشكل محمد نافع نموذجا حيا للفنان الفلسطيني الشاب الذي يصر على تحويل الألم الفلسطيني إلى ألوان تنبض بالمعاناة والكرامة، وتحول الذاكرة الوطنية إلى رموز تشكيلية تعكس هوية شعب فذ مقاوم. إنه لا يطلب الشهرة، بل مساحة حقيقية للحياة الفنية، واهتماما رسميا يمنح الفن الفلسطيني حقه في الوجود والاحتراف.

مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين