"عدسة من المخيم".. تالا صافي تصور الحقيقة وتكتب بالضوء: "صورتنا هي صورة فلسطين"

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في زقاق ضيّق من مخيم الجلزون، حيث الجدران شاهدة على سنوات من الحنين والقهر، تمشي شابة تحمل كاميرتها كما يحمل أحدهم دفتر مذكراته، بين أزقة المخيم، تسجّل بها نبض الناس، وتوثّق قصصهم التي لا يرويها أحد، تعلّمت أن لكل تفصيلة صوتا، ولكل وجه حكاية تستحق أن تُروى.
تالا صافي، ابنة المخيم، ليست مجرد طالبة إعلام؛ بل حاملة رسالة، ومشروع صحفية تحلم بأن تصبح صوتًا لا يُنسى وعدسة لا تُخطئ الحقيقة، لا ترى في الصورة مجرد لقطة، بل رسالة، وذاكرة، وأداة مقاومة ناعمة تُجابه النسيان.
تصف تالا نفسها: "أنا بنت بسيطة، نقية، وعفوي أحلم أن أكون شخصية مؤثرة، وأترك أثرًا طيبًا في قلب كل من يتعامل معي". حلمها ليس وليد اللحظة، بل امتداد لطفولة عشقت الكاميرا، ولعيون صغيرة كانت تفرح حين ترى صورة جميلة، التقطتها يد صغيرة بإحساس كبير. تقول، وهي تتأمل صورها التي التقطتها في مخيمها، وعلّقتها على جدران معرض "حكايا"، كأنها تكتب شهادة حياة للمكان والناس.

طفولة الصور وجذر الحلم
مُذْ كانت طفلة، جذبتها الكاميرا، ليس فقط كآلة، بل كوسيلة لرؤية العالم بشكل مختلف. كانت تحب توثيق اللحظات، وتفرح إن خرجت الصورة "حلوة"، كما تقول. لكن بمرور الوقت، تحوّلت اللقطة من فرحة بسيطة إلى وسيلة لفهم الحياة، والتقاط ما هو أعمق من الصورة الظاهرة.
كبرت الطفلة، وكبر شغفها معها، وصارت "المصورة الرسمية" للعائلة. لحظات الأعياد، المناسبات، وحتى لحظات الحزن، كانت كاميرتها حاضرة. ومع كل صورة، كانت تالا تكتشف جزءًا من ذاتها، وتقترب أكثر من حلمها الأكبر: الصحافة.
من توثيق لحظات العائلة إلى توثيق الوجع الفلسطيني، تحوّل التصوير من هواية إلى التزام. لم تكن طريق الصحافة مفروشة بالورد، خاصة في بيئة مثل فلسطين، وفي ظروف المخيمات تحديدًا. ومع ذلك، تقول تالا: "توقعتُ معارضةً من أهلي، لكنهم كانوا معي نعم السند بدءًا بأمي وجدي وجدتي وإخوتي، وحتى معلماتي آمنَّ فيّ وبموهبتي وشغفي".
من مقاعد الجامعة إلى جدران المعرض
جعلت تالا من تخصص الإعلام في جامعة خضوري منبرًا لنقل الحقيقة، وسرعان ما برزت موهبتها في مساق "التصوير الصحفي"، بإشراف د. نياز ضيف الله، الذي لعب دورًا كبيرًا في تطوير مهاراتها. كما تقول، من خلال هذا المساق، شاركت في معرض "حكايا"، حيث اختارت بعناية ثلاث قصص صحفية تعرضها بصريًا، كل قصة كانت امتدادًا لهويتها ومحيطها. "اخترت المخيم، لأنه بيتي، وأعيش وجعه كل يوم، واخترت قصة عن النكبة، لأنها حكايتنا كلنا كلاجئين"، تقول تالا، التي ترى أن الكاميرا لا تلتقط صورًا فقط، بل تلتقط أرواحًا وحكايات.
كانت القصص التي التقطتها تالا بكاميرتها حقيقية، نابضة، مؤلمة أحيانًا، لكنها صادقة. عُرضت الصور، وبجهد مشترك بينها وبين زميلاتها، اللواتي رتّبن كل تفصيلة وكأنهن يصنعن أرشيفًا بصريًا لذاكرة جماعية.
ما يميّز تالا ليس فقط شغفها، بل وعيها العميق بدور الصورة. فهي لا تؤمن أن الصورة مجرد لقطة تجمّد لحظة، بل تراها أداة للتوثيق، للمناصرة، وللمحاسبة أحيانًا. تقول: "الصورة ليست مجرد لقطة، بل رسالة"، كل صورة قادرة على حمل وجع، على أن تُشاهد قبل أن تُكتب، وأن تُفهم بلا ترجمة". تعلّمت من أساتذتها في الجامعة أن "الصورة أكثر من مجرد صورة"، وأن الكاميرا، حين تُمسك من يد صادقة، تتحول إلى وسيلة مقاومة، وتوثيق، ووجود.
تميل تالا لتصوير المعاناة، القرى، تفاصيل الحياة اليومية في المخيم، والطبيعة التي تصرّ على البقاء جميلة رغم الحرب. ومن خلال عدستها، تسعى لإيصال صوت اللاجئين لكل العالم.
من أكثر ما يمسّ قلب تالا حين تتحدث، هو حديثها عن جدها الراحل، الذي أهدته تعبها وتعلّمها. لم تذكر تفاصيل كثيرة، لكنها قالت بما يكفي ليفهم القارئ عمق العلاقة: "وهبت كل هذا التعب والتعلم لروح جدي، رحمه الله". يبدو أن الجد كان له دور معنوي كبير في بناء ثقتها، في تعزيز انتمائها، وربما في حبها لفلسطين بكل ما تحمله من تضحية وكرامة.
تالا لا تحلم فقط بالوصول إلى شاشة التلفزيون، بل بأن تُعرَف بأنها تلك الفتاة الصادقة، التي جعلت من التصوير فعل حب، وصدق، وانتماء. "اتمنى أن يعرفني الجميع بأنني المحبة الحقيقة، وبتوثيقي بإحساس"، تقول، وهي تؤمن أن صورتها، هي صورة فلسطين.
ربما تالا اليوم ما زالت طالبة، لكن كل خطوة في طريقها تحمل ملامح شخصية مؤثرة، تحلم وتعمل، تحب وتوثق، وتؤمن أن الصورة التي تلتقطها، قادرة على أن تهزّ قلب العالم.
ربما لا تملك تالا صافي سوى كاميرا صافي، لكنها تملك معها إصرارًا نادرًا، وشغفًا صادقًا، وأصالة تُشبه المخيم الذي تربّت فيه. في صورها، ترى فلسطين كما لم تُرَ من قبل: حقيقية، موجعة، لكنها واقفة، لتكون واحدة من الأصوات الجديدة التي تبني ذاكرة وطن بكامل تفاصيله، من تعب الجدات، إلى لعب الأطفال، ومن نكبة لم تُنسَ، إلى حلم لا يزال على قيد الحياة.
"بين النص والصورة، هناك فلسطين، لكن الصورة تصل قبل النص وتتحدث أكثر، ودائمًا، صورتنا هي صورة فلسطين"، تختم تالا صافي سرد بعض من حكايتها لـ "الحياة الجديدة".
مواضيع ذات صلة
يوم مظلم في "وادي الرخيم"!
عام على العدوان… صرخة اهالي مخيمي طولكرم ونور شمس في وجه تقليص الخدمات واستمرار النزوح
فتح وأهالي مخيم شاتيلا يحيون ذكرى استشهاد القائد علي أبو طوق
غزة: مجتمعون يبحثون قرارات الفصل الجماعي ويطالبون الأونروا بالتراجع عنها
قوات الاحتلال تقتحم تجمع "خلة السدرة" البدوي قرب مخماس
الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء: الاحتلال يواصل احتجاز جثامين 776 شهيدا
إصابة طفل برصاص الاحتلال في مخيم قلنديا