آلاء وخلود تنسجان الحياة من رماد الحرب
من خيمة النزوح.. بدأت الحكاية بلونٍ وصوفٍ وأمل

رام الله– الحياة الجديدة– عبير البرغوثي- في خيمة بالية نصبت على عجل فوق أرضٍ جرداء، لا تقي حرّ الشمس ولا برد الليل، بدأت حكاية تشبه الأساطير، ولكنها من صُلب الألم الفلسطيني اليومي. حكاية نسجتها فتاتان بأيدٍ صامتة وأرواح مثقوبة بالحرب.
آلاء (27 عامًا) وخلود (20 عامًا)، شقيقتان من ذوي الإعاقة السمعية، تخيطان الآن تفاصيل حياة جديدة من بقايا ممزقة لأقمشة مهترئة وملابس مهملة. لم تكن حياتهما سهلة يومًا، لكنها صارت أشد قسوة منذ أن باغتتهما الحرب، لا مرة واحدة، بل مرات.
.jpeg)
ففي عام 2001، فقدت آلاء سمعها نتيجة صاروخ إسرائيلي انفجر قرب منزل العائلة في شرق مخيم البريج. وبعد سبع سنوات، وفي مشهد يعيد نفسه، أصيبت خلود بالصمم إثر قصف آخر طال المكان ذاته. "كأن القدر كان يكتب عليهما أن تعيشا في صمت دائم"، تقول والدتهما، أم محمد، وهي تحاول لملمة دموعها أمام "الحياة الجديدة".
الواقع ازداد سوءًا مع توالي النكبات. لم تتابع الفتاتان دراستهما، فالسمع ضاع والفقر حال دون تأمين سماعات طبية قد تعيد لهما جزءًا من القدرة على التواصل مع العالم. كبرت الفتاتان في عزلة مضاعفة، محرومتين من أبسط حقوق الطفولة والشباب، محاصرتين داخل جدران الصمت والفقر.
ومع بدء حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول 2023، خسرت العائلة ما تبقى لها من استقرار. نزحت من منزلها بلا متاع، بلا ذكريات، وبلا أمل واضح. في زحام الخوف والدمار، لم يكن هناك وقت لجمع حتى دُمى الطفولة أو أدوات الخياطة التي كانت تسلّي خلود وآلاء. "خرجنا كما نحن، كما لو أننا نُقلنا من الحياة إلى العدم"، تقول أم محمد، بصوت يخنقه التعب وتغلفه الخيبة.
رغم كل هذا الخراب، لم تنطفئ جذوة الحياة في قلب الشقيقتين. وسط خيمة ممزقة، بدأتا في صناعة ما يشبه المعجزة. من بقايا أقمشة بالية، ومن خيوط صوفٍ مهداة من الجيران، راحتا تبتكران قطعًا فنية تحمل توقيع الأمل: حقائب يد، وسائد مطرزة، مفارش، وزينة متواضعة لكنها نابضة بالحياة. "تحول الركام إلى معرض صغير، وصار الصمت لغة جمال تُقرأ بالعين لا بالأذن"، تروي أم محمد بفخر يمتزج بالحسرة.
زوجها، المريض بالرئة، يعمل معها في فرن حطب صغير، بالكاد يؤمن خبزًا يابسًا لأطفالهما. أم محمد نفسها تعاني من الضغط والسكري، لكنها تصرّ على أن وجعها الأكبر هو خوفها الدائم على آلاء وخلود. "قبل فترة، سقط صاروخ بجانب خيمتنا. الشظايا تناثرت حولهما، وكانتا نائمتين، لم تسمعا شيئًا، لو لم نستيقظ نحن، لكان المشهد مختلفًا تمامًا".
وتحاول أم محمد أن تبقي الفتاتين داخل الخيمة قدر الإمكان. "لا أستطيع المخاطرة بخروجهما إلى الشارع، فهما لا تسمعان شيئًا، لا تحذيرًا ولا صراخًا. كيف تدافعان عن نفسيهما؟"، تتساءل بقلقٍ لا يفارق ملامحها.
ورغم العزلة والخطر، أصبح معرض الخيمة نافذة أمل لآلاء وخلود. مكانٌ صغير لا يتعدى عدة أمتار، لكنه ممتلئ بحياة خلقتها أنامل فنية، صبورة، وحالمة. كل غرز الخيط هناك تحكي قصة نجاة، وكل لون يرمز لحلم أبعد من الخيمة والحصار. وقد اختارت الفتاتان عبارة لا تفارق أعمالهما: "إحنا مع الله"، كأنها ترسٌ يحميهما من الغياب والتجاهل.
الحلم لا يزال بعيدًا رغم بساطته
تقول أم محمد: "كل ما نريده ماكينة خياطة بسيطة، تساعدهما في تطوير شغلهما. شيء يضمن لهما مستقبلًا. ناشدنا مؤسسات عدة، طرقنا أبوابًا كثيرة، ولم يصلنا شيء. حتى السماعات، لم نجد من يوفرها لهما".
اليوم، لا تطلب الأسرة ترفًا أو رفاهية. فقط يدًا تمتد بالعون، بادرة إنسانية، فرصة واحدة فقط تفتح بابًا للاستمرار. في ركام الوطن، وتحت خيمة خجولة تلوّح للريح، نشأت إرادة حياة تتحدى الحرب والصمت والنسيان.
آلاء وخلود لا تسمعان، لكن أعمالهما تصرخ بالإبداع، تنبض بالرجاء. فهل تسمع الجهات المعنية هذا الصمت النابض؟
هل يلتفت أحدٌ إلى الخيمة التي تكاد تسقط، لكنها لا تزال تقاوم بما تبقى من قماشٍ وأمل؟
السؤال ما زال معلقًا في الهواء، كما قطعة قماش مرتجفة على حافة الخيمة، تنتظر يدًا تثبتها، قبل أن تسقط.
مواضيع ذات صلة
يوم مظلم في "وادي الرخيم"!
عام على العدوان… صرخة اهالي مخيمي طولكرم ونور شمس في وجه تقليص الخدمات واستمرار النزوح
فتح وأهالي مخيم شاتيلا يحيون ذكرى استشهاد القائد علي أبو طوق
غزة: مجتمعون يبحثون قرارات الفصل الجماعي ويطالبون الأونروا بالتراجع عنها
قوات الاحتلال تقتحم تجمع "خلة السدرة" البدوي قرب مخماس
الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء: الاحتلال يواصل احتجاز جثامين 776 شهيدا
إصابة طفل برصاص الاحتلال في مخيم قلنديا