عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 09 تموز 2025

قصص من تحت الركام.. حين تهدم البيوت ويشرد الحلم في مخيم طولكرم

رام الله- الحياة الجديدة- حنين خالد - في قلب مخيم طولكرم، حيث تتلاصق البيوت كما القلوب، وتتشبث الأرواح بجدران الذاكرة، تتوالى المشاهد التي تكاد تعجز الكلمات عن وصفها. مشاهد تشي بمآسٍ لا تحتمل، تروى على لسان أمهات وأطفال وآباء عاشوا سنوات عمرهم بين تلك الحارات، واليوم لا يملكون حتى حق العودة إلى أنقاض منازلهم.

"كل شيء ضاع.. لا بيت، لا ذكرى، لا دفء".. بهذه الكلمات المختنقة، تروي أسماء أبو هويدي مأساة امتدت لعمر كامل، تسكنها الغصة والحسرة، وتكسوها الدموع. تقول أسماء التي عاشت 19 عاما في منزل أهلها بمخيم طولكرم، والآن تقف على أطلال ما تبقى منه:"تخيلوا أن يهدم بيتي الذي بنيته مع زوجي بعرقنا، وبيت أهلي الذي ولدت وكبرت فيه، وبيت حماتي التي ربت أولادها بعد استشهاد زوجها ثلاثة بيوت في شارع واحد، محيت كأنها لم تكن".

وتتابع: أنا متزوجة منذ ست سنوات، عشت بنفس الحارة، بين نفس الجيران والأحباب، واليوم لم يتبق شيء. زوجي معتقل منذ خمسة أشهر ونصف الشهر، ولم ير ابنه الذي ولد بعد تسعة أيام فقط من اعتقاله. هذه الدار بناها لنا بيديه، وزينها قبل شهرين من اعتقاله استعدادا لمولودنا… ولم يدخلها الطفل أبدا.

 

"خلال خمس دقائق فقط..."

تروي أسماء تفاصيل الليلة السوداء التي بدأ فيها التهجير القسري: "كنا قد صلينا الفجر في شهر رمضان المبارك، بالكاد غفونا، وإذا بجنود الاحتلال يقتحمون ويطلبون الإخلاء فورا. خرجنا بما علينا، ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، أربعة أشهر ونحن نتنقل بين البيوت المستأجرة، بلا أمل، بلا مأوى. كنا نحلم أن نعود لكن الى أين سنعود؟ لا بيت بقي، ولا حتى جدار".

وتضيف بحرقة: "قبل أيام، صدر قرار جديد بهدم المزيد من البيوت، بينها بيت أهلي وبيت حماتي، وحتى بيت زوجي. بكينا كثيرا كأنهم يقتلعون جذورنا من الأرض. حاولت دخول البيت لأحمل شيئا من ذكرياتنا بعض الصور، ألعاب أطفالي لكن منعونا. وقفت تحت الشمس وحدي، زوجي في الأسر، وأهلي وحماتي كل منهم منشغل في إخراج ما يستطيع من بيته المهدد".

 

زهيد جاموس.. خسر عمره في دقائق

وفي زاوية أخرى من المخيم، وفي مشهد يقطع القلب ويذيب النفس يروي زهيد جاموس، وهو رب أسرة من خمسة أفراد، قصته التي تخنق الحلق وتكسر القلب قائلا: "عشت في البيت لبضعة أشهر فقط، لكني بنيته بيدي، حجرا فوق حجر. في العاشرة صباحا، اتصل بي أصدقائي: البيت يهدم الآن. ركضت كمن يسابق الزمن، لكني وصلت متأخرا. في عشر دقائق فقط، ضاع تعب خمس سنوات".

ويتابع بصوت متهدج: "نزحنا إلى كفر اللبد، استأجرت بيتا، لكننا مشردون، منفيون من ذكرياتنا. لم نلق أي دعم حتى الآن".

 

"104 بيوت جديدة على قائمة الهدم..."

في غمرة الأحزان، تصدر قرارات احتلالية جديدة بهدم أكثر من مئة بيت إضافي في المخيم، في مشهد يبدو كأنه إعلان عن دفن جماعي للأحلام.

أسماء تختم رسالتها بدمعة: "كل شيء فقدته بيتي، ذكرياتي، حتى زوجي في السجن لكن أمنيتي الآن واحدة: أن يعود زوجي، ولو من خلف القضبان. أما البيت، فحسبنا الله ونعم الوكيل".

ما يحدث في طولكرم ليس مجرد هدم بيوت.. بل هو نزع قسري للذاكرة، تشريد جماعي لأرواح لا تملك إلا الحنين، وجرح مفتوح في قلب وطن ينزف. في كل بيت هدم، كانت هناك ضحكة، قصة حب، طفل ينتظر النوم في سريره، أم تحضر الفطور، أب يحلم بغد أفضل.

اليوم، أبناء المخيم يعيشون على الهامش، يحملون رماد البيوت في جيوبهم، ودموعهم لا تجف، وقلبهم معلق بين السماء وركام الجدران.