خضار طوباس أسيرة الطريق.. الحواجز تقتل الموسم
حسبة نابلس تفقد 50% من نشاطها

"الاحصاء": أكثر من 60% من المزارعين في الضفة يواجهون صعوبات في تسويق منتجاتهم بسبب القيود على الحركة
نابلس- الحياة الجديدة- ميساء بشارات - في قرى الأغوار الشمالية، يتصبب جبين المزارعين عرقا وهم يشاهدون مواسمهم تذبل قبل أن تصل إلى السوق المركزي لبيع الخضار، لم تعد الطريق من طوباس إلى سوق بيتا أو نابلس أو قباطية مجرد مسافة جغرافية، بل تحولت إلى معركة مع الحواجز العسكرية التي تعيق حركة الشاحنات وتقتل وقت الخضار الطازجة، لتتحول إلى خسائر مالية تضاف إلى كاهل المزارع الفلسطيني المحاصر بين الاحتلال، وتقلبات السوق، وقلة الدعم.
في مشهد يومي يختلط فيه التعب بالخوف، يقطع السائق أبو محمد (45 عاما) مسافة طويلة تبدأ من عين البيضا في الأغوار الشمالية وتنتهي في حسبة نابلس، رحلة لم تعد كما كانت، فالطريق باتت مفخخة بالحواجز العسكرية والإغلاقات التي تخنق قطاع الزراعة الفلسطيني.
يقول أبو محمد لـ "الحياة الاقتصادية": أنا بسوق شاحنة خضار من 10 سنوات، كنت أنقل البضاعة من عين البيضا لنابلس خلال ساعة ونص بالكثير، اليوم ممكن نقعد على الحاجز أربع أو خمس ساعات، وأحيانا بيرجعونا على الطريق بدون ما يسمحوا لنا ندخل.
ساعات على الحواجز وتهديد بتلف البضاعة
يتابع أبو محمد في شرحه لفصول المعاناة: "أصعب حاجز هو حاجز الحمرا، أحيانا بيكون فاتح وأحيانا مغلق بدون سابق إنذار، تياسير كمان مش مضمون، ساعات بيخلونا ننتظر تحت الشمس الحارقة ساعات طويلة بدون سبب.. أنا بنقل بندورة، خيار، فليفلة، كوسا، و هاي خضار بتحتاج تصل بسرعة على الحسبة، ومرة خسرنا نص الحمولة لأنها وصلت سوق نابلس بعد العصر، وكانت البضاعة دبلانة وما حدا اشتراها".
خسائر يومية وضغوط نفسية
أبو محمد يضيف بصوت مرهق: "قبل الإغلاقات كنت أرجع آخر النهار ومعي 500 شيكل ربح، اليوم مرات بطلع خسران، بنصرف على الديزل، وبالنهاية بنخسر عالبضاعة".
عن الضغط النفسي يروي: "أنا بس أطلع على الحاجز، قلبي بيدق بسرعة، الجنود مرات بيوقفونا بالسلاح وبيخوفونا، بيطلبوا نفتح كل صناديق الخضار. ولو ما عجبهم إشي، برجعونا من وين ما جينا".
ويختم أبو محمد حديثه: "أنا مشكلتي مش شخصية، أنا واحد من عشرات السائقين اللي بعيشوا نفس المعاناة ... احنا بدنا نعيش، ونطعم أولادنا والحواجز تقتل الموسم وتقتلنا معه".
وفي حديث خاص لـ"الحياة الاقتصادية"، كشف الحاج رشيد الحنجل وهو أحد التجار المخضرمين في حسبة نابلس منذ أكثر من أربعين عاما، عن التحولات العميقة التي يشهدها سوق الخضار بسبب الإغلاقات والحواجز التي تقطع أوصال الضفة الغربية.
يقول الحاج رشيد: "المشكلة الأساسية هي أن المشترين أصبحوا يبحثون عن البدائل القريبة، من كان يحتاج إلى ثلاث أو أربع ساعات للوصول إلى نابلس، أصبح يتجنبها تماما، الناس صاروا يتوجهون إلى حسبة بيتا أو حسبة قباطية حتى يتفادوا المرور عبر الحواجز المحيطة بمدينة نابلس".
وأوضح أن حسبة نابلس التي كانت مركزية تخدم مختلف المحافظات، أصبحت اليوم أشبه بسوق محلي يقتصر على سكان المدينة والقرى القريبة منها.
يقول: "بدل ما تبقى مركزية صارت محلية".
خسائر تتعدى النصف
أشار الحاج رشيد إلى أن حجم المبيعات تأثر بشكل كبير بعد تشديد الحواجز، حيث انخفضت المبيعات اليومية الى النصف، وأصبح المزارعون يبيعون بضائعهم في الحسبات الأقرب مثل قباطية وبيتا بدل أن يشقوا طريقهم إلى نابلس، لأن المرور عبر الحواجز أصبح مخاطرة وتأخير يضر على الخضار في ظل درجات الحرارة المرتفعة أيضا".
ويؤكد الحاج رشيد أن حسبة بيتا وقباطية كانتاسوقين بسيطتين ومحدودتين، لكنها انتعشتا بفعل الأوضاع الأمنية، ومع تشديد الإغلاقات على محافظة نابلس، أصبحت تستقبل كميات ضخمة، مشيرا الى أن الرسوم المفروضة في حسبة بيتا أقل بكثير من تلك التي تتقاضاها بلدية نابلس.
وأكد أن بلدية نابلس لم تقدم أي تسهيلات أو إعفاءات رغم الخسائر التي تكبدها التجار خلال الفترة الأخيرة: "البلدية ما بتتساهل ولا قدمت أي دعم، اللي ما بيدفع يسكر محله".
تأثير الحواجز بعد 7 أكتوبر
عند سؤاله عن بداية التأثير الحقيقي للحواجز، أوضح الحاج رشيد أن الوضع بدأ يتدهور بشكل حاد منذ السابع من أكتوبر: "الحركة كانت سيئة قبل 7 أكتوبر لكنها ماتت بعده، وحاليا الحركة في الحسبة لا تتجاوز 50% من حجمها السابق".
كما أشار إلى أن تأخر وصول الخضار عبر الحواجز يؤدي أحيانا إلى تلف البضائع أو وصولها بحالة غير طازجة، ما ينعكس على الأسعار والنوعية في السوق.
وتحدث الحاج رشيد عن موجات ارتفاع وانخفاض الأسعار نتيجة اضطراب العرض والطلب، قائلا: "قبل شهرين كان كيلو البندورة يباع بشيكل واحد فقط، الناس تركت العناية بمحاصيلها وتوقفت عن الرش والتسميد، وفجأة شح المعروض وقفز السعر إلى خمسين شيكل للكيلو، والخيار كذلك ارتفع من خمسة شيكل إلى ثلاثين شيكل خلال فترة قصيرة".
وأشار إلى أن بعض المزارعين تخلوا عن محاصيلهم لتجنب الخسائر اليومية، بينما استفاد من صمد واستمر رغم الظروف.
من جانبه، أكد مدير مديرية زراعة طوباس والأغوار الشمالية د. احمد الفارس أن المحافظة تتعرض لما وصفه بـ"حرب شرسة" تهدف إلى تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين.
يقول د. الفارس: الزراعة في طوباس والأغوار تواجه ضغوط غير مسبوقة، الحواجز والإغلاقات تؤثر بشكل مباشر على حركة تسويق الخضار، إذ يجد المزارعون صعوبة في نقل منتجاتهم إلى الأسواق المركزية مثل نابلس، والاحتلال والمستوطنون يلاحقون المزارعين حتى في بيوتهم، يستخدمون الكلاب البوليسية لإرهابهم، ويحاولون دفعهم لترك أراضيهم لتسهيل السيطرة عليها."
واستعرض د. الفارس مشهدا مؤلما من اعتداءات المستوطنين على المزارعين انه في إحدى الحالات، قام مستوطنون بتدمير مزرعة بطيخ كاملة لزميل مهندس زراعي بعد أن وصلت الثمار لحجم ما قبل النضج، كما يتعمد المستوطنون إدخال قطعانهم لترعى في محاصيل المزارعين قبل وقت الحصاد لتدميرها بالكامل.
وأوضح أن المستوطنين يسيطرون على 80% من مصادر المياه في الحوض الشرقي، مما يؤدي إلى شح كبير في المياه المتوفرة للمزارعين الفلسطينيين، وأضاف: "تمرر المياه عبر أراضي الفلسطينيين لكنهم يمنعون من استخدامها لصالح مشاريع الاستيطان الزراعية التي تنتج مختلف المحاصيل وتربية المواشي."
معركة على المياه
أكد د. الفارس أن الزراعة في الأغوار الشمالية تعتمد كليا على المياه المروية، نظرا لعدم وجود زراعة بعلية في المنطقة، وقال: "المزارع هنا إذا فقد مصدر المياه، يفقد كل شيء ... الاحتلال يمنع الفلسطينيين من حفر الآبار ويخصص معظم موارد المياه للمستوطنات، وهذه حرب ممنهجة لتدمير القطاع الزراعي في المنطقة."
وفي تقييمه لمستقبل الزراعة في طوباس والأغوار الشمالية، قال د. الفارس: "هناك تراجع في المساحات المزروعة بفعل التضييقات والهجمات، لكن رغم كل ذلك، الأغلبية من المزارعين صامدون، متمسكون بأرضهم ومصرون على البقاء، وكوزارة، نحن معهم بكل ما نستطيع رغم محدودية الإمكانيات."
وختم د. الفارس حديثه بتوجيه التحية إلى المزارعين ودعا إلى مزيد من الدعم والمشاريع لتعزيز قدرتهم على الاستمرار في ظل هذه الظروف القاسية.
وحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2024، فإن أكثر من 60% من المزارعين في الضفة ايواجهون صعوبات في تسويق منتجاتهم بسبب الحواجز والقيود على الحركة.
وسط هذا الحصار الممتد من الطرق إلى الأسواق، يبقى المزارع الفلسطيني في طوباس والأغوار الشمالية صامدا بأرضه متشبثا رغم الخسائر والاعتداءات، يحمل فوق كتفيه عبء البقاء ومهمة الصمود، لكن مع استمرار هذه السياسات الخانقة فانها تهدد الموسم الزراعي والأمن الغذائي الفلسطيني.
مواضيع ذات صلة
ارتفاع أسعار النفط عند التسوية متجاوزًا 103 دولارات للبرميل
أسعار النفط تتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية قوية
"الإحصاء": ارتفاع أسعار المستهلك في فلسطين بنسبة 12.02%
ارتفاع أسعار النفط وتراجع الذهب عالميا
الذهب يرتفع لكنه يتجه لأول تراجع أسبوعي منذ شهر
الإحصاء: انخفاض الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي خلال شهر كانون ثاني الماضي
أسعار صرف العملات