30 ساعة من الخراب على وقع البنادق

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة وحنين خالد- في الفجر الذي تأخر كثيرا على نابلس، حين انسل جنود الاحتلال من أزقتها، خرجت المدينة من تحت الحصار، تلملم حجارتها وتتفقد ذاتها، لتبدأ قصة حياة من جديد بعدما اعتادت على أكوام متكررة من الألم.
ثلاثون ساعة، لا كالساعات، بل أعمار مشلولة من الزمن، انكفأت فيها البلدة القديمة على جراحها بعد حملة مسعورة نفذها جنود الاحتلال وأجمع أهالي المدينة أن هدفها الانتقام من كل ما هو فلسطيني.
حين انسحب جنود الاحتلال، حل الصمت في الأزقة، لا بفعل الهدوء الذي تلا الانسحاب، وإنما بأثر الصدمة التي اعتلت الوجوه جراء ما خلفه الاحتلال من دمار في البيوت والمحال التجارية والطرقات وشبكات المياه، وكأن البلدة العتيقة تعود من الموت كل مرة بكثير من الوجع.
هرع المواطنون مع ساعات الصباح الأولى إلى الأزقة الضيقة، في دخلة جروان المؤدية إلى البلدة القديمة تجمع عشرات هناك، كانوا يتحدثون عن الطريقة التي اعدم فيها جنود الاحتلال الشقيقين نضال وخالد عميرة.
محمد صالح الذي تواجد في المكان يؤكد أن ما جرى اعدام بكل معنى الكلمة.
يقول صالح: "حاول نضال الوصول إلى منزل عائلته في البلدة القديمة، أجبره جنود الاحتلال على رفع يديه وكشف ملابسه عن بطنه، فعل ذلك، ومن ثم طلبوا منه خلع بنطاله، رفض أن تهان كرماته أمام سادية المحتل، لم يتردد الجنود في إطلاق النار عليه، وعندما حاول شقيقه التقدم لسحبه أعدم هو الآخر".
يواصل المواطنون تفقد آثار عملية الاحتلال في البلدة القديمة، يسيرون في الأزقة بين المحال المحطمة كما تمشي العيون فوق سطور جريمة، متعثرين بصدى الصراخ العالق بين الرفوف، وبرائحة الدمار المخنوق في المكان.
أبواب فتحت بالقوة، ورفوف اقتلعت، كأن اليد التي امتدت إليها لم تكن تبحث عن شيء، بل كانت تمارس جريمتها المعهودة في العبث فقط، كأن الخراب كان هو الغاية.
في فندق خان الوكالة، حيث كان السياح ينامون ذات يوم على ضوء الحكايات ويستيقظون على عطر القهوة في بهو يعج بالحنين، تقف سرين التيتي، مديرة الفندق، كما تقف مدينة مدمرة على قدميها، مذهولة، صامتة، إلا عن نظرة تحمل ألف صرخة.
كل شيء في المكان يئن، حتى الجدران التي لطالما خبأت ضجيج العابرين، صارت الآن شاهدة على الجريمة. تقول سرين، وهي تحاول أن تلم شتات ذاكرتها بين الركام: "لم يبق شيء على حاله، كل شيء كسر، كل شيء نهب، كل شيء أهين".
الفندق، الذي كان يحتضن الضيوف كما تحتضن الأم أبناءها، تحول إلى ثكنة، لا تنام فيها البنادق ولا تغلق فيها الأبواب.
الغرف التي شهدت ضحكات النزلاء وذكرياتهم صارت مقابر مفتوحة للأثاث المكسور. المكاتب كشفت أسرارها عنوة، والكاميرات التي كانت تحفظ أمن اللحظة، كسرت كأنهم كسروا العين التي كانت تراقبهم.
في البيوت التي دنسها الاحتلال حكايات كثيرة.
كان لأبي محمد حرز الله، نصيب من وجع المدينة، لم يأبه المحتل لكبر سنه الذي بلغ من العقود ستة، اقتحموا بيته، لم يروا فيه إلا عنوانا لانتقامهم وحين علموا أنه والد شهيد، جعلوا من جسده الحاني ميدانا لسادتيهم.
يقول أبو محمد: "سألوني عن صورة ابني، عندما علموا أنه شهيد حطموا الصور، انهالوا علي بالضرب وحولوا البيت إلى ثكنة عسكرية".
انتقامهم لم يتوقف عند الجسد، بل امتد إلى كل شيء، عبثوا بأثاث البيت كما تعبث الحرب بأحلام البسطاء، اقتلعوا الصور من الجدران، مزقوها كأنها تنطق، كأنها تشهد.
حولوا البيت إلى ثكنة عسكرية، احتلوا الزوايا، نصبوا بنادقهم على النافذة، زرعوا الخوف في المكان كما يزرع الموت في طريق الحياة.
خرج أبو محمد بعد انسحابهم، يتكئ على وجعه، لا على عصاه. كان يمشي في بيته كما يمشي الغريب بين أطلال مدينته.
حتى بيوت الله في نابلس لم تسلم من تدنيس البنادق، دخلها المحتل كمعتد أعمته الغطرسة، وملأ صمت المحاريب بصراخ جنوده.
في مسجد الحنبلي، ذاك الذي طالما احتضن أصوات الدعاء في البلدة القديمة، حل الخراب ضيفا ثقيلا، وكأن الجدران ارتجفت من وطأة التدنيس. وجامع "عجعج"، الذي طالما عانق المآذن كأنها أبواب للسماء، لم يسلم هو الآخر، تكسرت فيه الأبواب ودنس كما غيره من المساجد.
لم يفرق المحتل بين مكان وآخر، بين فندق ومسجد، بين ذاكرة ومئذنة. كل مكان في المدينة كان هدفا، وكل ما له قدسية كان خصما.
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يقتحم منزل الشهيد قصي حلايقة في سعير بالخليل
الجامعة العربية تطالب بالضغط على الاحتلال لإدخال المساعدات إلى غزة
11 دولة تندد بهدم مقر "الأونروا" في القدس: يمثل خطوة غير مقبولة
الذهب يكسر حاجز 5300 دولار للأونصة
القدس: الاحتلال ينسحب من حزما بعد عدوان تخلله مداهمات واعتقالات وتنكيل
مجلس الأمن يناقش الأوضاع في الشرق الأوسط بما فيها القضية الفلسطينية
"شؤون المرأة" تعقد لقاء تشاوريا مع مؤسسات المجتمع المدني حول المشاركة في لجنة وضع المرأة ويوم المرأة العالمي