جنين.. عيد ثقيل في بيت العرّابي

جنين- الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف- يفتح عيد الأضحى أحزان عائلة بسام فؤاد العرابي على مصرعيها، ويشتعل القهر الذي لا ينطفئ في قلب الأم حنان واصف الشريف، التي فقدت ثلاثة من أبنائها في ثلاث انتفاضات متلاحقة.
ويكاد بيت الأسرة في البلدة القديمة من جنين، يبوح بعذابات أهله التي لا نهاية لها، فابنها البكر فؤاد، أول شهيد لانتفاضة 1987 في جنين، ونجلها الثاني رشاد ارتقى خلال انتفاضة الأقصى، وفلذة كبدها الثالث محمد لحق بشقيقيه خلال عدوان آب 2024.
ويمتاز منزل العائلة بملاصقة لدار سينما "الهاشمي" التي أسسها رب الأسرة عام 1951، وافتتح لصغيره فؤاد ورشاد بقالة، مثلما كانا يساعدانه قليلًا في عرض الأفلام وتسيير أمور السينما.
3 دمعات
وتتنافس 3 أسِرة في غرفة واسعة قديمة البناء على تفعيل قهر العائلة، فتذهب الأم في تقليد يومي لترتب ملابس أولادها ومقتنياتهم، وتشتم رائحتهم، قبل أن تقاطعها أنهار الدموع، ثم تقفل خزائنهم وتعود إلى تكرار الفعل في اليوم التالي.
وتتزاحم على العائلة عشرات التفاصيل والتواريخ والذكريات القاسية، فتعود الأم المكلومة إلى 20 تموز 1988، حينما طلب ابنها الكوفية من أخته، ليخرج إلى شارع السكة، حيث اعتاد أطفال جنين وشبابها رشق جنود الاحتلال بالحجارة.
وتروي أم فؤاد بمرارة أن شيئا ما أسر لها إن بكرها الذي أصيب برصاص في رأسه، ورفض إعطاء اسمه للطبيب لن يعود، فمع أول طلقات نارية سمعتها قبيل الظهر، قالت لشقيقاته، إن فؤاد "راح" وعلينا أن نستعد للبكاء، وهو ما حاولت أخواته تبديده.
وحسب الشريف، فإن دقائق معدودة فصلت حديثها مع بناتها ودعوتهن لتهيئة البيت لحدث كبير ومؤلم، إلا ومر رفيقه مفيد الغزاوي (استشهد لاحقا)، فأخبرها بأن فؤاد أصيب بشكل طفيف، لكنها أجابته بأن قلبها أخبرها أنه استشهد.
ولا تنسى الشريف وصول قوات كبيرة من جيش الاحتلال إلى المنزل، بعد أيام من اختطاف جثمانه، وأصدرت أمرها بالسماح لعشرة فقط من أقربائه بدفنه، وعندما وصلت إلى المقبرة وشاهدت ابنها في نعشه، أمسكت بأحد الجنود، وصرخت في وجهه، وسألته عن سبب قتل بكرها.
العبقري فؤاد
وتكمل الأم بحسرة: كان ابني شديد الذكاء رغم صغر سنه (17 عاما يوم استشهاده)، إلا أنه فتح دكانا بمدخل سينما والده.
وتقول: لكنه رحل، وبقيت ذكرى طلباته بطبخ الملوخية والفاصولياء، وتعلقه بعماته: باسمة، وسهام، وجنان، وحنان، وهبة.
وتؤكد العائلة أن فؤاد قاد مسيرة طلابية، فتتبعه جنود الاحتلال، وصعد أحدهم فوق دورية عسكرية في محيط البلدة القديمة، وأطلق على الفتى صاحب القميص الأسود والموشح بالكوفية رصاصة واحدة.
ووفق الأسرة المسكونة بالحسرة، فإن ابنها الثاني رشاد استشهد قريباً من المنزل، وعلى بعد 50 مترًا من مكان ارتقاء فؤاد.
عرس مؤجل
وتضيف بمرارة: عاد رشاد من رام الله في 28 كانون الثاني 2003، وقطع أعماله في تجارة الأخشاب، ليكون في مواجهة مع دبابة إسرائيلية، أصابته في ساقيه، وأطلقت عليه قذيفة، ونالت منه أكثر من 20 رصاصة.
تكمل الشريف التي أبصرت النور في نابلس عام 1959: شاهدت قبل رحيل ابني الثاني حلما مزعجا، وفيه 3 حفر، نزلت عمته في واحدة منهما، وفي الصباح قلت لنفسي "الله يستر من هذا اليوم"، ومع أول رصاصة سمعتها بكيت، لأنني تذكرت الرصاصة التي قتلت فؤاد.
يغيب رشاد عن المشهد، وتظل صور مرحه، وشغفة بالدراجات النارية، وإلحاحه على السفر إلى خارج الوطن، فيما ظل مشهد الأم التي تبحث عن ابنها الشهيد من مستشفى إلى آخر، لا يغادرها، بخلاف معظم الشهداء الذين كانوا ينقلون إلى مستشفى الرازي المجاور لمنزل العائلة، كانت وجهة رشاد الأخيرة إلى المستشفى الحكومي.
ووفق الأسرة، فإن فلذة كبدها الثاني استشهد قبل موعد عرسه بشهر واحد، وكان يستعد لتأسيس أحلامه رفقة ابنة عمته.
وتواصل الأم المكلومة بث أحزانها، وتصل إلى شهيدها الثالث محمد، الذي لحق بشقيقيه، وعلى بعد أمتار من استشهاد رشاد.
القهر الثالث
وتؤكد أن محمد المولود عام 1992، كان يساعد أهالي المدينة المحاصرين، ويزودهم بالطعام والدواء، وكان يوم 29 آب 2024 يوثق اجتياح مدينته، فأطلقوا عليه رصاصتين، نالتا من قلبه ورجله اليمنى.
وتروي العائلة بأن سيدتها الأولى اعتزلت الاحتكاك مع الناس بعد خسارة فؤاد، فيما ظلت حبيسة بيتها بعد استشهاد رشاد، وقررت ممارسة الصمت فترات طويلة بعد ارتقاء فلذة كبدها الثالث محمد.
والموجع أن أبناء العائلة الثلاثة دفنوا بجوار بعضهم في المقبرة الشرقية، بفاصل شاهد وحيد لعمهم، فيما التقط محمد صورة له بجوار شقيقيه قبل أن يلتحق بهما، وقبلها فرض الاحتلال قيودا مشددة على جنازة فؤاد، وأمضى رشاد 4 أيام في ثلاجة الموتى، ولم يدفن صاحب الحزن الثالث إلا بعد 10 أيام.
أصرت عائلة العرابي على إطلاق فؤاد على شقيقه الذي ولد في (22 كانون الأول 1990)، وتكرر اسم رشاد في ابن اخته، الذي أبصر النور عقب استشهاده، لكنها وضعت لائحة "محرمات" فلا حلوى ولا أعياد في المنزل، وتوقفت الأم عن إعداد طبق البطاطا والبيض الذي كان المفضل للإخوة الثلاثة، ويفتح طبق الأزر واللبن المحبب لفؤاد وجعها، ويقهرها طبق الدجاج المحشو المفضل لرشاد.
ووفق عائلة العرابي، فإن الأم تعكف على قراءة القرآن، وتختمه كل مرة لواحد من أبنائها، وتكرر الختمة عدة مرات، ولا يدخل "الأضحى" إلى بيتها ففؤاد ارتقى ثالث أيامه، ورشاد استشهد قبل أسبوعين من العيد ذاته، وقضى محمد بعد عدة أسابيع من العيد ليتركوا الدموع في عيون والدتهم، وشقيقهم الوحيد حاليًا، وأخواتهم الأربع.
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يقتحم منزل الشهيد قصي حلايقة في سعير بالخليل
الجامعة العربية تطالب بالضغط على الاحتلال لإدخال المساعدات إلى غزة
11 دولة تندد بهدم مقر "الأونروا" في القدس: يمثل خطوة غير مقبولة
الذهب يكسر حاجز 5300 دولار للأونصة
القدس: الاحتلال ينسحب من حزما بعد عدوان تخلله مداهمات واعتقالات وتنكيل
مجلس الأمن يناقش الأوضاع في الشرق الأوسط بما فيها القضية الفلسطينية
"شؤون المرأة" تعقد لقاء تشاوريا مع مؤسسات المجتمع المدني حول المشاركة في لجنة وضع المرأة ويوم المرأة العالمي