نابلس.. أسواق تذبل
الأنشطة الاقتصادية تتراجع لأكثر من النصف مع استمرار الحصار

نابلس- الحياة الجديدة - ميساء بشارات - كانت نابلس تعرف دوما بـ"العاصمة الاقتصادية لشمال الضفة"، مدينة الأسواق القديمة، والتجار الذين يحاكون العالم من خلف جبال عيبال وجرزيم، لم تكن نابلس مجرد مدينة، بل كانت شريانا اقتصاديا ينبض بالتجارة والصناعة والحياة، وهي من أكبر مدن محافظات شمال الضفة الغربية مساحة وسكان، لكن الآن شيئا ما تغير.
اليوم، تقف نابلس على مفترق طرق، مدينة محاصرة من جميع مداخلها، الحواجز الإسرائيلية تطوقها وتتحكم في أنفاسها، والزبائن القادمون من الداخل المحتل، الذين كانوا رافعة السوق، لم يعودوا يصلوا اليها، وتجمدت حركة العمال والموظفين الذين باتوا برواتب مقطعة، وبات الاقتصاد المحلي يتنفس بصعوبة.
يجلس الحاج الستيني والذي فضل عدم ذكر اسمه صاحب محل ملابس شبابية، خلف طاولة خشبية، لا زبائن في المحل، ولا أصوات، فقط صمت ثقيل يشبه الخسارة.
يقول: "كل اقتحام من قبل الاحتلال في وضح النهار يطفئ يوم من عمر السوق، لدرجة أصبحنا نخاف أن نفتح محلاتنا بسبب الاقتحامات المتكررة والمفاجئة للمدينة (...) بأي لحظة ممكن يقتحموا المدينة ونضطر نسكر المحل، والزبائن أول ما يسمعوا بالاقتحام ببطلوا ييجوا عالسوق والي بالسوق بهرب سريعا.
ويتابع باتت حركة السوق مشلولة، خلال الأشهر الأخيرة، خاصة مع تصاعد الاقتحامات من قوات الاحتلال والتجار يعانون من خسائر لا تعوض.
ويؤكد الحاج ان الزبائن من فلسطينيي الداخل كانوا يمثلون العمود الفقري للمبيعات، خاصة أيام نهاية الأسبوع والأعياد: "اللي من الداخل كانوا ييجوا ويشتروا كميات كبيرة، بيدفعوا نقدا وما بفاصلوا، هلأ؟ ولا واحد بييجي، حتى لو صار تسهيلات عالحاجز الناس صارت تخاف من الحاجز والاعتقالات والاقتحامات النهارية واطلاق الرصاص.
السوق .. يذبل يوما بعد يوم
إلى جانب الخوف والاقتحامات، يعاني السوق من أزمة اقتصادية مزدوجة بسبب توقف آلاف العمال عن العمل في الداخل المحتل، وتأخر رواتب الموظفين العموميين.
يشير الحاج الى ان بعض الزبائن الذين يعملون بالداخل المحتل، كانوا يأتون بداية كل شهر يشتروا ملابس لأولادهم، وهؤلاء تقلصوا تدريجيا مع صعوبة الوضع الاقتصادي لهم، والبعض يأتي الان يسأل عن السعر ويمشي، منوها الى انه في كثير من الأحيان يبيع القطعة برأس مالها ليجبر بخاطر الزبون.
وينهي الحاج حديثه بنبرة يأس: "أنه في بعض المرات لا يوجد بيع في المحل، والمبيعات كانت "صفر"، وفقط انفاق على الكهرباء والمياه وأجرة محل ورواتب عاملين.. السوق يذبل يوما بعد يوم".
دويكات: الاقتحامات تنشر الخوف والذعر بأوساط المتسوقين
من جانبه، يقول عضو غرفة تجارة وصناعة نابلس والناطق الإعلامي لها ياسين دويكات: "إن الاقتحامات المتكررة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي لمدينة نابلس في وضح النهار وأثناء الحركة التجارية يؤثر بشكل سلبي على الحركة التجارية، وينشر الخوف والذعر من قبل المتسوقين خاصة الذين يأتون من خارج المدينة ومن فلسطينيي الداخل، ويترددون في المجيء الى أسواق نابلس لشعورهم بعدم الأمان والرعب والخوف من عدم القدرة على العودة لبيوتهم بأمان".
ويؤكد دويكات أن هذه الاقتحامات لها أثر كبير على التسوق يفوق موضوع الحواجز والتأخير عليها، منوها إلى أن الاحتلال يهدف من وراء هذه الاقتحامات النهارية والتشديد على الحواجز استهداف نابلس اقتصاديا وضرب اسواقها من اجل زعزعة صمود القطاع الاقتصادي، وخلق بيئة غير قابلة للحياة.
"الاستثمار في اي بلد كان بحاجة لأمن واستقرار وهذه الاقتحامات لا تعزز مثل هكذا بيئة استثمارية، لكن التجار يحاولون تعزيز صمودهم وطرد فكرة هجرة رأس المال الى الخارج، لذلك يوجد بعض المحلات التي تفتح من جديد ولو كان عددها قليل مقارنة مع السابق، رغم الوضع الاقتصادي الاستثنائي والسيء" يقول دويكات.
ويؤكد ان معظم التجار أشاروا الى تراجع حاد للحركة التجارية وصل لـ أكثر من 70% في معظم القطاعات التجارية وفي شهر نيسان وأيار وصل التراجع إلى أكثر من 80% .
ويستعرض دويكات العوامل التي أثرت على النشاط التجاري في مدينة نابلس أيضا وقف العمل داخل الخط الاخضر وقرصنة أموال المقاصة وتوقف الدعم الخارجي أدت الى حالة من الركود والانكماش ليس لها مثيل من قبل، والتي بدأ أثرها حاليا اكثر من العام السابق وأدت الى شح السيولة النقدية وهي المحرك الرئيسي للنشاط التجاري والاسواق التجارية في داخل محافظات الوطن.
ولفت الى ان التشديدات على الحواجز المحيطة بمحافظة نابلس أثرت على حركة نقل البضائع من والى المحافظة.
وتحاول غرفة تجارة وصناعة نابلس بالتعاون مع المؤسسات الشريكة والارتباط المدني الفلسطيني، ومن خلال حملة "يلا ع نابلس" تسويق نابلس أمام الزوار، لجذبهم اليها وإعادة نابلس الى مكانتها الاقتصادية.
ويشير الى انهم نجحوا بادخال من 20- 30 حافلة من فلسطينيي الداخل للسوق النابلسي، والتي من شانها تحريك السوق ولو قليلا، متمنيا ان يزداد العدد ويزول الخوف لديهم من زيارة مدينة نابلس، منوها الى ان الحل للوضع الاقتصادي مرتبط بالوضع السياسي.
ويحث دويكات التجار بتقديم كافة التسهيلات والعروض للأسعار وتحسين المعاملة للزوار سواء من داخل الخط الأخضر او من المحافظات الأخرى، ويشجع الزوار على زيارتها، مشيرا الى ان الشرطة الفلسطينية بانتشارها في الأسواق على مدار الساعة توفر بيئة آمنة من خلال فرض النظام والقانون، كما أن حملة تنظيم الأسواق ساهمت في تنظيم اسواق نابلس وتشجيع الزوار على التسوق بأريحية.
درويش: الحركة التجارية حاليا لا تتعدى 30-40%
من جانبه، يقول مدير مديرية وزارة الاقتصاد في نابلس فهد درويش: إن الاقتحامات لمدينة نابلس أثرت على الحركة التجارية بشكل كبير، وعند سماع المتسوقين من خارج المدينة لأي اقتحام فانهم يعزفون عن المجيء الى التسوق خوفا من الاقتحامات، وعند اقتحام الاحتلال للمدينة صباحا فإنها تتوقف الحركة التجارية نهائيا وتغلق المحلات.
ويضيف كانت الحركة قبل الحرب على غزة تصل الى 90% فإنها اليوم لا تصل الى 30-40% بسبب الحواجز المنتشرة على مداخل المدينة والقرى المحيطة بها، وبسبب الاقتحامات الاتي أثرت على الوضع الاقتصادي للمدينة.
وينوه درويش ان كمية الشراء للمواطن أيضا قلت كثيرا، وأصبح يكتفي بالضروريات والأساسيات والسلة الشرائية له قلت عن السابق.
ويتابع لا ننسى دور اهالينا من فلسطينيي الداخل الذين كانوا دائمين التسوق من نابلس، وينعشون أسواقهم والحركة التجارية فيها، وكان يخصص لهم استقبالات وترحيب ومواقف خاصة، وكانت زياراتهم تنعكس علينا إيجابا وتساهم في رفع الحالة الاقتصادية في المدينة والذي نفتقر اليه الان، بسبب عدم الاستقرار الأمني والخوف وانتشار الحواجز والاقتحامات.
ويلفت درويش الى أن أيضا تأخر صرف رواتب الموظفين العموميين وعدم انتظامها وصرفها أيضا غير كاملة بسبب احتجاز أموال المقاصة من قبل الاحتلال ومنع العمال من العمل داخل أراضي الـ 48، ساهم في ركود الحركة التجارية، وكل هذه العوامل اجتمعت على التاجر الفلسطيني وأثرت عليه سلبا.
وهكذا، لم تعد نابلس تلك المدينة التي تنبض بالحياة كل صباح، ولا ذاك السوق الذي تتزاحم فيه اللهجات والناس، في ظل الاقتحامات اليومية، والحصار المفروض من الحواجز، وغياب زبائن الداخل، وتوقف العمال والموظفين عن الإنفاق، أصبحت المدينة نموذجا حزينا لحصار اقتصادي قاتل ببطء.
مواضيع ذات صلة
الذهب يتجاوز عتبة الـ5 آلاف دولار للأونصة والنفط يواصل الارتفاع
الشائعات تشعل أزمة غاز مصطنعة في الضفة
أزمة الغاز .."التخزين الزائد يساوي الحرمان لغيرك"
أسعار الذهب تقترب من 5 آلاف دولار للأونصة
"الإحصاء": عجز الميزان التجاري ارتفع بنسبة 43% خلال تشرين ثاني الماضي
انخفاض أسعار الذهب في المعاملات الفورية
الذهب يرتفع إلى مستوى قياسي