عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 03 حزيران 2025

نابلس والعيد .. دمع من دم ووجع

"أرشيفية"

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة - تطل نابلس من بين "عيبال" و"جرزيم"، ترصد ما آل إليه حالها بفعل حصار المحتل المتواصل، وبينما المدينة الساكنة على جبلين والمكتظة بعناقيد الحنين، تدرك أنها لم تكن يوما ضيفة عابرة في المناسبات والأعياد، لكنها اليوم وقبيل عيد الأضحى المبارك، بدت كمن يحاول تسوية مستحيلة مع الدمع والدم والوجع.

كانت شمس الصباح تتسلل بخجل إلى درب السوق العتيق، تمر فوق أبواب المحلات التي فقد أصحابها شغف الاستعداد لاستقبال الأعياد بعدما فقدوا المتسوقين.

كأن المدينة قررت هذا العيد أن تضيف صمتا إلى صمتها، صمت الحزن على ما يجري في فلسطين من رفح حتى جنين، وصمت بفعل الحصار الاحتلالي الذي حد من قدرة الناس على الوصول إلى المدينة.

لا روائح للكعك الساخن تخرج من البيوت، ولا صياح أطفال يركضون بين الأزقة طلبا لحلوى أو لعبة، فقط صمت ثقيل يقطعه بين الحين والآخر صوت آليات الاحتلال وهي تترصد مداخل المدينة استعدادا لعملية الاقتحام التالية.

"العيد صار عبئا، مش فرحة" قالها الحاج أبو العبد السلمان، وهو يلوح بكفه المجعدة أمام محله الصغير في البلدة القديمة في نابلس، وقد كدس فيه ألبسة الأطفال التي لم يلمسها أحد منذ مطلع النهار، يتنهد، ثم يضيف: "أول السنة قلنا إنها فترة وبتعدي، لكن كل يوم في حاجز، وكل ليلة في اقتحام. مين بدو ييجي يتسوق؟ أهل القرى ممنوعين يدخلوا، والمدينة خايفة تطلع تتنفس".

أم أحمد، سيدة أربعينية من بلدة حوارة، تقف عند حاجز المربعة الاحتلالي مع أولادها الأربعة تقول بنبرة فيها اختناق: "بدي أشتري لأولادي ملابس العيد، مش كل يوم عيد، بس لما وصلنا كانت البوابة مغلقة وممنوع الدخول لنابلس".

أحد الأطفال يسحب طرف عباءتها ويسألها ببراءة: "ماما، نرجع بدون العيد؟" تشيح بوجهها عنه، وتحاول أن تخفي دمعة سالت خلسة: "العيد علينا ممنوع، يما".

داخل السوق القديم، يجلس محمود، بائع عطور، أمام محله الذي كان يوما يعج بالزوار. يشير إلى الرفوف التي امتلأت بزجاجات لا تجد من يشمها، ويقول: "الريحة الحلوة ما عاد إلها مكان بهالمدينة. نحنا متعودين السوق يعج قبل العيد، بس اليوم؟ كأنه في حداد".

ويضيف بنبرة خافتة: "حتى التجار صاروا يبيعوا على الخسارة، بس حتى هيك، الناس مش قادرة تشتري. في حصار، في فقر، وفي خوف والأهم شلال القتل والدم المتواصل في غزة إحنا نحتفل بإيش؟".

نابلس، التي اعتادت أن تنثر العيد فوق أكتاف الجبال وتسمع فرحتها حتى قرى الأغوار، باتت اليوم محاطة بالحواجز الاحتلالية من الجهات الأربع. قرى بأكملها قطعت عنها المدينة، وبيوت أغلقت على صمتها، تنتظر مجيء عيد لن يأتي.

الضربات التي تلقتها نابلس على مدار نحو عامين، لم تكن مجرد أرقام في دفاتر التجار، بل كانت صفعات على وجوه من اعتادوا أن يعيشوا من موسم العيد إلى موسمه.

والمحال التي كانت تتجند لأيام العيد سابقا، باتت اليوم تصفي ما بقي من البضاعة القديمة، وكأنها تسابق الزمن قبل أن يتكدس العجز على كاهلها.

في حديثه، يؤكد خالد عودة الذي يعمل في مجال الألبسة أن "نسبة المبيعات انخفضت بأكثر من 70% مقارنة بموسم العيد الطبيعي"، مشيرا إلى أن العوائق والحصار أوقفا تدفق الزبائن من القرى المجاورة، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لحركة الأسواق.

ويضيف: "حتى أهالي المدينة، لم يعودوا قادرين على الإنفاق، فالأولوية الآن لتأمين الطعام والدواء، لا للملابس الجديدة أو مستلزمات العيد".

كل مداخل المدينة محاصرة برصاص، وكل الأزقة محروسة بالحذر، حتى الطرق الداخلية، تفتشها دوريات الاحتلال، كأنها تبحث عن فرحة هاربة أو طفولة متسللة.