عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 25 أيار 2025

طمون "تغرق" في عطشها

 

طوباس والأغوار الشمالية- الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف- تواجه حقول بلدة طمون الشاسعة، جنوب طوباس، خطر الجفاف، ويضع المسؤولون المحليون والفلاحون أيديهم على قلوبهم بعد التراجع الحاد في منسوب مياه آبارهم، عقب موسم شحيح وحفر الاحتلال لآبار جديدة وعميقة شرق سهل البقيعة.

وتحاط البلدة بأحزمة كثيفة من الدفيئات الزراعية، التي امتصت الأيدي العاملة، وتضاعف عددها عقب توقف عمال الداخل، منذ 7 تشرين الأول 2023.

ويصف رئيس البلدية، سمير بشارات لـ"الحياة الجديدة" ما حدث بـ"حرب" تجري تحت الأرض بين المزارعين والمستعمرين في سهل البقيعة والأغوار، الذين يسحبون المياه من تحت أقدام البلدة، بعد أن صادر الاحتلال غالبية مساحات السهل.

ويؤكد بأن الزراعة هي "الرئة" التي تتنفس منها البلدة، التي يعيش فيها قرابة 17 ألف مواطن، يجمع غالبيتهم بين الفلاحة والوظائف الأخرى، كمصدر دخل إضافي بفعل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

ويشبه الأعداد الكبيرة من المشتغلين في الأرض بـ"جيش مزارعين" سيتعرضون لصعوبات كبيرة، حال بقيت الأزمة دون حل.

ويقدر بشارات آبار سهل البقيعة، التابعة لبلدته، التي جفت تمامًا بنحو 70%، ولم يبق غير بئرين انخفض انتاجهما إلى نحو ربع الكمية المعتادة.

ويفيد بأن أزمة المياه حتى الآن، لا تشمل مواطني البلدة، فهم يشربون من بئر وحيد تابع لسلطة المياه يغذيها رفقة مدينة طوباس، وينتج نحو 225 مترًا مكعبًا في الساعة.

والمعضلة، حسب رئيس البلدية، أن العطش يتهدد مزارع البقيعة وعاطوف التابعة لطمون، عدا الحقول داخل البلدة ذاتها، التي تزداد يومًا بعد يوم.

ويضيف بنبرة مسكونة بالقلق: المزارعون توقفوا عمليًا عن التوسع في حقول جديدة، فيما يلف المجهول مصير الزراعات القائمة، خاصة أن موسم الصيف لم يبدأ بعد، وما زلنا في أيار، وأمامنا 4 أشهر صعبة.

ويكرس بشارات معظم وقته لمعالجة ملف المزارع العطشى، ويطلق نداءات عديدة للجهات الرسمية وللمانحين؛ من أجل المساهمة في حل للأزمة، وحفر بئر جديدة في أراضي البلدة، لكن العقبة الكبرى توفير التمويل اللازم.

ويستقبل في المجلس البلدي عشرات المزارعين، الذين يطرقون الباب لإيجاد حل لما تواجهه حقولهم، خاصة أن معظمهم لا يستطيع التوسع بزراعة حقول جديدة.

ويشير بشارات إلى أصحاب الآبار المتبقية، قرروا توجيه الضخ المتبقي من مياه للدفيئات، وتوقفوا عن تزويد الحقول المكشوفة، كونها تحتاج كميات كبيرة من المياه، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

ويقدر حاجة البلدة إلى نحو 60 ألف متر مكعب من المياه الدفيئات وحدها، وكميات كبيرة لري الحقول المكشوفة، في وقت تصمد 5 آبار زراعية تعجز عن تأمين المياه المطلوبة.

ويقول بشارات إن عطش مزارع بلدته، يعني عمليًا ارتفاع أسعار الخضراوات في الأسواق بشكل كبير، كون طمون سلة غذاء أساسية للخضراوات، أبرزها البندورة والخيار والبصل والبطاطا والشمام والعنب اللابذري والأزهار وفاكهة التنين والجوافة، وانضمام أعداد كبيرة من المزارعين إلى "جيش البطالة"، وتعقيد الوضع الاقتصادي للمواطنين الذين وجدوا في الزراعة ملاذًا لتحسين ظروفهم المادية.

ولا تقتصر، وفق رئيس البلدية، معاناة طمون على عطش حقولها، لكنها تحولت إلى وجهة مستهدفة لجيش الاحتلال، الذي يقتحمها ويقتل شبابها، ويدمر بناها التحتية، ويخلق المزيد من العقبات، ويقدم التسهيلات لمستعمري البقيعة.

 

11 ألف دونم

من جانبه، يؤكد مدير عام وزارة الزراعة في طوباس والأغوار الشمالية، د.أحمد الفارس، أن مساحة دفيئات طمون والبقيعة والرأس الأحمر 4500 دونم، فيما تمتد حقولها المكشوفة على 6500 دونم، تحتاج إلى كميات وفيرة من المياه.

ويذكر أن الزيادة في المساحات كبيرة جدًا، وتصل في بعض المواقع إلى 100%، وسببها عودة عمال الداخل إلى الأرض، ما أدى إلى ضخ جائر للمياه.

ويفيد الفارس بأن دور الوزارة استقبال طلبات حفر لبئر زراعي شريطة امتلاكه أو استئجاره لخمسين دونمًا على الأقل، ثم ترفع توصيتها إلى سلطة المياه، التي تقرر بإجراءات ليست سهلة ومرتبطة بالاحتلال.

ويشير إلى أن الاحتلال ينهب نحو 85% من مياه الحوض الشرقي، يجري سحبه للمستعمرات في الأغوار.

ووفق الفارس، فإن كمية المياه المطلوبة نحو 20 ألف متر مكعب يوميًا، يتوفر منها نحو 15 ألف متر مكعب.

ويرى بأن حل الآبار مرتبط بسلطة المياه، لكن المطلوب تأسيس لجنة لمستخدمي المياه، تدار بطريقة مثالية، وتمنع احتكار المياه، وتباع بسعر عادل.

ويفيد بأن الوزارة لا تستطيع تحديد المساحة أو النمط الزراعي، لكنها تقدم إرشادات للمزارعين للاستخدام الأمثل للمياه، وللسيطرة على ري حقولهم.

ويرى الفارس بأن الحل الممكن والسريع لعطش حقول طمون التوجه نحو القرى المجاورة كالنصارية وقشدة وطوباس، التي تمتلك فائض مياه، وفيها آبار بقدرات ضخ كبيرة، لكن ذلك سيرفع التكلفة.

 

مشهدان قاتمان

ويرسم المزارع نظير بشارات صورة قاتمة لحال مزرعته الممتدة على 150 دونمًا، منها 60 دفيئة تشغل 20 عاملًا، كما يزود الماء لقرابة 400 مزارع يعملون في سهل البقيعة بشكل عائلي وفي مزارع خاصة.

ويسابق الزمن في محاولة لتغطي عجزه المائي، ولتوفير سر الحياة للحقول التي تتأثر من شدة الحر وقلة الري.

ويطرح بشارات حلولًا للأزمة بحفر آبار جديدة بشكل عاجل، ويناشد وزارة الزراعة التحرك لمساعدته، كما يرى أن نقل المياه من مناطق بعيدة أمر ممكن، لكن الخط الناقل والمقدر بـ4 كيلومترات يتطلب نحو نصف مليون شيقل، ويزيد تكلفة بيع المياه.

فيما يقول المزارع الشاب محمد بني عودة بأن كل يوم تأخير في إيجاد حل معناه تكبد المزيد من الخسائر، وتضرر المحاصيل، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

ويتحسر بني عودة على حقله المزروع بالخيار، الذي بدأ بتضرر تحت لهيب شمس أيار، ويصف صعوبة الحال بعبارة "مؤلم جدًا أن تشاهد مصدر رزقك يجف، ولا تستطيع فعل شيء".

 

وضع كارثي

بدوره، يؤكد موزع المياه وممثل مزارعي طمون في "مصلحة المياه الزراعية" محمد سعيد بشارات، أن في طمون 2700 مزارع ينتشرون فوق قرابة 20 ألف دونم دفيئات وحقول مكشوفة.

ويصف الوضع بـ"الكارثي"، إذ تحولت الآبار المتبقية (عددها بين 4-6) إلى مجرد أرقام، وتراجع كميات ضخها، عقب حفر المستعمرين لآبار جوفية عميقة في سهل البقيعة.

ويقول إن تراجع آبار بلدته بأكثر من النصف، بسبب شح موسم الأمطار، وحفر الاحتلال لآبار جديدة وعلى أعماق كبيرة.

ووفق المزارع بشارات، فإن بلدته كانت تملك 20 ألف متر مكعب يوميًا من آبارها الزراعية، وليس لديها الآن غير 10 آلاف، بينما تحتاج لكميات إضافية، بعد زيادة نحو 3 آلاف دونم أسسها عمال فقدوا أشغالهم في الداخل.

ويؤكد أن جفاف المياه يعني معاناة غالبية أبناء طمون، الذين اعتقدوا أن الزراعة ستوفر لهم حلًا، وبعضهم باع مصاغ زوجته، أو سيارته، أو جزءًا من أرضه لتأسيس دفيئات.

ويفيد بأنه بدأ بتقنين توزيع الدفيئات بالمياه، فالدونم منها الذي كان يحصل على 7 أمتار مكعبة، يزوده بـ 2 متر مكعب فقط، وهذا يعني تراجع الإنتاج وتضرر الموسم.

ويرى بشارات بأن عدم إيجاد حل سريع للأزمة معناه الخسائر الكبيرة جدًا للمزارعين، الذين يناشدون بإيجاد خطوط ناقلة إلى حقولهم من المناطق المجاورة، وحفر آبار إضافية في البلدة، بعد جفاف آبار "البقيعة"، ومنع الاحتلال الحفر فيه.

ويبين أن عدم الاستجابة السريعة لحل الأزمة يعني تكبد خسائر كبيرة، وهو ما دفع أصحاب الآبار إلى إبلاغ المزارعين بالتوقف عن زراعة أي مساحة مكشوفة جديدة حتى إشعار آخر، وتقنين تزويد المساحات المكشوفة الحالية، ومنع التوسع وإنشاء دفيئات جديدة.

وينسق بشارات العمل في "مصلحة المياه الزراعية"، وهي مبادرة أطلقتها مجموعة الهيدرولوجيين لتنظيم تزويد المزارعين بالمياه، إذ تتعاقد المصلحة مع 5 آبار، وتشتري المتر المكعب بـ 2,3 وتبيعه بـ 2,7، ويذهب الفرق للصيانة وبدل الفاقد والأيادي العاملة، والتيار الكهربائي.

وتصل ديون المياه على المزارعين إلى نحو 600 ألف شيقل، وتعجز غالبيتهم عن تسديد المترتب عليهم، بينما يقدر حجم الديون لأربعة متاجر أدوات زراعية بنحو 20 مليون شيقل.

ويؤكد أن غالبية مواطني طمون يشتغلون في الزراعة، التي يعمل فيها أيضًا مزارعون من طوباس وميثلون وعقابا وتياسير، كما تنتشر في حقولها الأيدي العاملة من قرى ومناطق عديدة.  فيما يقدر عدد العاملين في الزراعة في البلدة وسهولها بنحو 20 ألفا.

 

أزمة وحل

من موقعه، يرى مدير عام الشمال في مجموعة الهيدرولوجيين، سامي داود، بأن المجموعة عملت وتعمل على مشاريع لتنظيم مياه الري وإدارتها، وتوفير خزانات وبناء قدرات المزارعين في طمون وغيرها.

ويوضح بأن "الهيدرولوجيين" دعت مع طفرة الزراعة المروية في طمون وعاطوف والبقيعة إلى تأسيس جمعيات مستخدمي المياه؛ لتنظيم مياه الري؛ لأن الزراعة والضخ غير المنظم قد يؤديان إلى مشاكل فنية واقتصادية وخسائر كبيرة.

ويقترح داود عقد ورشة عمل تخرج بقرارات عملية، تجمع كافة الأطراف، وفي مقدمتها سلطة المياه وزارة الزراعة وبلدية طمون، وتضع حلولاً تنسجم مع الواقع المائي الحالي، وتبحث عن إجراءات وضوابط تجسر الفجوة بين المساحات المزروعة والتوسع والمياه المتوفرة، وتراعي التهديدات المختلفة بما هو متاح.

ويشير إلى ضرورة الرقابة على كميات المياه المسحوبة لصالح استمرار الزراعة بطريقة منظمة ومنسقة، وتحديد المساحات، وضبط التوسع العشوائي.

وتبعًا لداود، فإن انخفاض منسوب المياه له أسباب عديدة وتراكمية، لكنه لم يظهر بيوم وليلة، وبدأ يتضح في مواقع أخرى مثل طمون وبيت دجن وبيت فورك بمحافظة نابلس، التي لم تراع الإمكانات المائية، خلال التوسع الزراعي، ومن المحتمل أن يبرز في مناطق جديدة بفعل ضعف الموسم المطري وارتفاع الحرارة.