فقدت توأمها وتُصرّ على الاستمرار: "لن أسمح للموت أن ينتصر"
رشا أحمد عين الحقيقة في جحيم غزة
.jpeg)
رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في حيّ الأمل بمدينة خان يونس، حيث يُفترض أن يكون للسكن اسم على مسمّى، لكنه لم يكن كذلك، تعيش رشا أحمد يوسف، الصحفية الفلسطينية ذات الـ33 عاماً، قصتها التي لا تشبه سوى غزة: حبٌ، حربٌ، وفقدٌ لا يُحتمل، "أنا من غزة، من الألم، من الصور التي تخترق القلب قبل العدسة"، هكذا تعرف رشا عن نفسها. لم تكن كاميرتها يومًا وسيلة رزق فقط، بل كانت شاهدًا صادقًا على ما لا يُحتمل أن يُقال.
ثمانية نزوحات.. ولا تزال صامدة
رشا، الصحفية الحرة، لا تعرف من الثبات إلا ما يُمحى في لحظة. فهي التي اختارت الكاميرا طريقًا، لا لتصنع شهرة، بل لتوثّق الحقيقة وسط ركام الحرب، وتُحمِّل العالم مسؤولية الصمت.
سكنها في حيّ الأمل لم يكن ثابتًا كما يُفترض. فقد هجّرتها الحرب ثماني مرات، متنقلة بين خيام وأقارب ومدارس وحتى العراء، في بحث مستمر عن بقعة تنجو فيها من القصف، دون جدوى، رغم ذلك، لم تتوقف. تحمل كاميرتها، وتجوب مدن غزة بين الأنقاض، باحثة عن لحظة تنقل للعالم حقيقة ما يجري في الأرض المحاصرة بالنيران.
"أنا أنتمي للحقيقة"، تقولها رشا بصوتٍ يشبه حزم العدسة في لحظة الارتباك. تعمل مستقلة مع مؤسسات محلية وعربية ودولية، لكن انتماءها الوحيد هو لما تُسميه "الوجع الجماعي". تصوّر ما لا يجرؤ آخرون على توثيقه: وداع طفل، حضن أم لأشلاء صغيرها، وعيون تسأل من بين الدمار: "أين أنتم؟"
فقدتُ توأمي وأصررتُ على الاستمرار
فقدت رشا اثنين من إخوتها، أحدهما توأمها: "نعم، توأمي، النصف الذي كبرت معه ورحل فجأة فقدته بصاروخ". كما فقدت اثنين من أبناء إخوتها، وأُصيب آخران بجروح خطيرة، تقول: "عندما رفعت الكاميرا مجددًا، لم ألتقط الصورة بعيني، بل بدمعي". كان ذلك إيذانًا بعودة لا تشبه ما قبلها؛ عودة بألم الفقد، وبإيمان مضاعف بضرورة التوثيق، لأن التوقف "خيانة للحقيقة ولمن رحلوا"، وتكمل "عدت لأنني شعرت أن الحقيقة لا بد أن تُروى"، تقول رشا بنبرة تحدٍ ممزوجةٍ بحزن عميق.
الحقيقة.. تُقصف
في ظل عدوان لا يعرف رحمة، تعمل رشا في بيئة تُكابد فيها كل أنواع التهديد، خطر القصف، الاستهداف المباشر، الانقطاع المستمر للكهرباء والإنترنت، وحتى الأعطال التقنية في معداتها. "أخرج وأنا لا أعلم إن كنت سأعود"، تقول وهي تعترف أن التحدي الأكبر هو البقاء على قيد الحياة، حتى تنقل الحياة.
ومع ذلك، ما لا تبوح به الكاميرا تقوله وجوه الشهداء الذين باتوا يشبهون أحبّتها. في كل طفل تراه، تلمح ابن أخيها. في كل أم تبكي، تسمع صوت والدتها. "لا أستطيع الفصل بيني وبين من أصورهم. كل مشهد هو جزء مني." تقول: "التهديد ليس فقط جسديًا، بل نفسي. أن تسمع بكاء الأمهات يوميًا، وتنقل وجعًا يشبه وجعك، ذلك يُنهك الروح".
الصورة التي قتلت رشا وأحيتها
أسوأ لحظة عاشتها؟ حين اكتشفت أن توأمها كان من بين الشهداء في القصف الذي كانت تُغطيه. "سقطت الكاميرا من يدي، تجمد الزمن. ثم عدت وصوّرت جنازته. أردت أن يعرف العالم أنني لم أفقد أخي فقط، بل فقدتني أيضًا." تقول
رشا تصف نقل الحقيقة من غزة بأنه أصبح "جريمة في عرف الحرب". الكلمة تُقصف، والكاميرا تُطارد، لكن الصمت أخطر، "لا خيار لدينا إلا أن نواصل… لأن ما لا نُوثقه، قد يُمحى إلى الأبد." وتضيف: فكرت كثيرًا بالتوقف عن التصوير، لكن في كل مرة أسمع صوتًا يقول: أنتِ الشاهدة. أنتِ الباقية. التوقف يعني أنني سمحت للموت أن ينتصر، وأنا لن أفعل ذلك."
في غزة، لم تعد الكلمة مجازًا للحرية، بل أصبحت هدفًا للقصف. كثير من زملاء رشا ارتقوا شهداء وهم يحملون الكاميرات، لا البنادق. تقول: "أن تكون صحفيًا في غزة، يعني أن تكون على قائمة الموت. ومع ذلك نواصل، لأن صوت غزة لا يجب أن يُدفن."
رسالة من غزة..
في كلماتها الأخيرة، تختزل رشا رسالتها للعالم: "لا تتعاملوا مع غزة كخبر مكرر. لا تجعلوا الدم مألوفًا، ولا تعتادوا على المذبحة. نحن لسنا أرقامًا. نحن وجوه، أرواح، بيوت تُهدم ونحن بداخلها، لا نطلب الشفقة، بل العدالة. وإن صمت العالم، فصورنا ستتحدث، عن كل من رحل، وعنّا نحن الباقين، نحمل الحقيقة ونركض بها بين الركام".
وتختم: "من غزة، من عدستي المليئة بالحقيقة والدم، أقول: نحن باقون. سنروي الحكاية، حتى آخر نفس… وآخر صورة."
رشا أحمد ليست مجرد مصورة صحفية، بل قصة إنسانية تمشي على الرماد، شاهدة على ما لا يجب أن يُنسى. صورتها صوت من لا صوت لهم.
مواضيع ذات صلة
فلسطين تشارك في الاجتماع الـ38 لفريق الخبراء العرب المعني بمكافحة الإرهاب
تواصل الفعاليات الاحتجاجية ضد الجريمة والعنف داخل أراضي الـ48
الاحتلال يُخطر بهدم ملعب أم الخير في مسافر يطا
القاهرة: انطلاق امتحانات مزاولة المهنة للأطباء القادمين من قطاع غزة
محامو حيّ البستان يحققون إنجازًا قانونيًا ويوقفون الهدم
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,037 والإصابات إلى 171,666 منذ بدء العدوان
الوزير عسّاف يوقّع اتفاقية تعاون إعلامي مع ممثل جمهورية كوريا الجنوبية