عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 24 أيار 2025

رواية "وداعًا أيها السلاح".. ضعف وهشاشة الإنسان أمام إعادة إنتاج الفقد

مهيب البرغوثي

من الكتب الخالدة، تلك التي اعتبرها المؤرخون من أهم 10 كتب، كُتبت عن الحرب العالمية الأولى، كتبها همنغواي خلال الحملة الإيطالية على النمسا والمجر، في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء - بريطانيا وفرنسا وروسيا. ونُشرت عام 1929، وعنوانها مأخوذ من قصيدة للكاتب المسرحي الإنجليزي جورج بيليه الذي عاش في القرن السادس عشر.
الرواية ليست سردًا تقليديًا عن أهوال الحرب، بل هي تفكيك صامت لأسطورة الإنسان، واستنطاق عميق للفراغ الوجودي الذي تُخلفه الحرب بعد أن تنتهي. لا يمكن أن تكون الحرب مجرد حدث وسياقها غير معلوم إلى أين ينتهي، بل تتحول إلى معنى، وفضاء ينكشف فيه هشاشة الإنسان أمام ماكينة الحرب التي لا تعترف بالعاطفة أو بالمنطق. إنها الرواية التي لا يمكن نسيانها: "وداعًا أيها السلاح".

تدور أحداثها حول علاقة حب تنشأ بين الضابط هنري وكاثرين باركلي على خلفية الحرب العالمية الأولى، وتتحدث أيضًا عن هزل الجنود وانعدام الروح القتالية، وعن هجرة السكان بشكل كبير، من مناطق القتال إلى مناطق شبه آمنة وشبه معزولة، كما تروي على لسان هنري، الذي يحمل رتبة ملازم في المستشفى الميداني للجيش الإيطالي.

هنري ليس مجرد ضحية على الجبهة فحسب، بل ضحية بمعنى غائب، خياراته ليست بطولية، بل اضطرارية، وهو ما يجعل تحركاته أقرب إلى ردود الفعل منها إلى الأفعال. حتى حبه لكاثرين لا ينبثق من رغبة رومانسية، بل من حاجة للبقاء، ولو كان ذلك على هيئة وهم مشترك.

عزّز نشر «وداعًا للسلاح» مكانة همنغواي ككاتب أميركي معاصر، حيث كانت أولى رواياته الأكثر مبيعًا، رواية الحرب الأمريكية الرائدة التي تناولت مأساة الحرب العالمية الأولى. وقد تحولت الرواية، في الفترة من عام 1930 وما بعدها، إلى فيلم في عام 1932 وعام 1957، وإلى مسلسل تليفزيوني.

سيف الرقابة الطويل
تم استبدال الشتائم في الطبعات الأولى بشرطات، حيث طُبعت نسختان على الأقل، قام همنغواي فيهما بإعادة إدراج النص الخاضع للرقابة بخط اليد، بحيث يُوفر نصًا صحيحًا. وقد قدمت إحدى هاتين النسختين لموريس كويندرو، والأخرى لجيمس جويس. ولم يُدرج نص همنغواي المعدل ضمن الطبعات التي نُشرت حديثًا للرواية، ومع ذلك، هناك بعض الإصدارات من الكتب الصوتية غير الخاضعة للرقابة.
لم يُسمح بنشر الرواية في إيطاليا حتى عام —— بسبب النظام الفاشي الذي كان يرى أنها تمس شرف القوات المسلحة، من حيث تصويرها لمعركة كابوريتو، ولتضمنها نزعة معينة مضادة للعسكرية. وإنما كُتبت الترجمة الإيطالية للرواية بشكل غير شرعي عام 1943 على يد فرناندا بيفانو، الأمر الذي أدى إلى حبسها في تورينو.

الرواية والخواء
لا تُقدم الرواية تفسيرًا للحرب، بل تفضح عجز اللغة عن احتوائها. همنغواي لا يكتب عن الانتصار أو الخسارة؛ إنه يكتب عن الفراغ الذي يُخلفه الرصاص في النفس، وعن الطين الذي يبتلع الأقدام والأحلام معًا. كل ما في الرواية يتحرك باتجاه التفكك: العلاقات، المبادئ، وحتى الزمن، الذي يفقد خطيته لصالح التكرار المرير للموت والانتظار.
يتحدث همنغواي عن البياض في غرف المستشفى، ليست أماكن شفاء فحسب، بل نقاط توقف مؤقتة. لا نجد فيها شفاءً بقدر ما نجد محاولة يائسة لتجميل جراح لا تندمل. هكذا تشتبك الحرب مع حب الحياة، لا بوصفها معركة، بل كمنظومة عمياء تفرض على الإنسان أن يتخلى عن أحلامه.

السلاح: ليس أداة
يحاول الكاتب أن لا يُعامل السلاح بوصفه أداة، بل كعنصر سردي له كيانه الرمزي. لم تعد البندقية وسيلة قتالية فحسب، بل أصبحت معادلًا موضوعيًّا لحالة الاستسلام أمام قوى كبرى تتجاوز الإنسان. الطلقة لم تعد بداية لمعركة، بل علامة نهاية متكررة. وبذلك، يصبح السلاح تمثيلًا لمصير لا يملكه أحد، حتى من يمسك به.

الحب كتعويض عن الدمار
علاقة فريدريك بكاثرين، التي قد تبدو في ظاهرها تعويضًا عن دمار العالم الخارجي، تتكشف مع الوقت كملجأ مؤقت لا يحمي من السقوط، بل يؤجله. الحب في "وداعًا أيها السلاح" ليس خلاصًا، بل تجربة هشّة، تحكمها القابلية الدائمة للانهيار. لا يتحقق فيه الشفاء، بل يُعاد إنتاج الفقد من زاوية أخرى.

هل سيعود همنغواي ويُحدثنا عن حقيقة "وداعًا أيها السلاح" وضعف وهشاشة الإنسان أمام كل ذلك الطاغوت؟
سؤال ما بعد الحرب:
هل يمكن حقًا الوداع؟
هل يمكن للإنسان أن ينجو من الحرب؟
هل توديع السلاح هو توديع للمعنى؟
هل تنتهي الرواية، أم يحملها الفراغ؟
إذًا، أين سيذهب كل هذا السياق؟
ترى، هل سيمنح اليقين حالة من الرخاء والراحة للإنسان؟

"وداعًا أيها السلاح"، هي رواية كل مكان وزمان، هي رواية حربنا المستمرة منذ 77 عامًا، هي تلك الكلمات التي لا تُعبّر رواية عن الحرب، بل عما تركته الحرب فينا بعدما تنتهي، حين نصل إلى ذروة المعاناة والتبعات المفتوحة.
إنها دعوة للإنصات إلى الصمت الذي يعقب الضجيج، حيث تكمن الحقيقة الوحيدة:لا أحد يخرج من الحرب حيًّا تمامًا، حتى لو لم يسقط جسده.