عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 17 أيار 2025

عندما يأتي الصباح

أ. رانية فهد*

استيقظت صبيحة هذا اليوم يوم الجمعة، ومع صباحه لاحت لي أشياء وأشياء، ربّما لم أكن أتوقّعها، ولكنّ فيها متعة المفاجأة بكلّ جميل، وقعت مني موقعا لا أنكره، فهزّتني، واهتزّ الخاطر، استيقظت على  شغف وشوق واشتياق لشرفة منزلي… التي وكما اسمها تشرف على طبيعة ربيعية جميلة،  قد بعثت فيّ الصوت الكامن بين جوانحي وأضلعي… راحت تلك الإطلالة أو الشرفة نفسها بزهورها وأنفاس طيورها، ونسائم صباحها تحاورني: أين أنت؟ أين غبت منذ مطلع هذا الربيع؟ أين صوتك المخمليّ وكلماتك التي كانت تجوب المكان، وتملؤه جمالا وحنانا، أين أنفاسك ونظراتك التي كانت تسابقك فتملأ بك المكان قبل أن تَحلّي فيه؟ أين اللمسات والهمسات التي تبعث الحركة في كلّ ساكن وتنطق كلّ صامت، وتبعث الحياة جديدة في كلّ حيّ؟

أربكني العتاب وتلعثمت قليلا، ودار لساني منفلتا من عقاله الأليم، نعم، أنا هنا، هأنا ذا عدت، استفقت بهزّة اعترتني وتلبّسني الشعور بالندم، سالت النفس بسيل عرم من غزير الكلمات، فكدت أشرق بها، كادت تخنقني، أين أنت يا صاحبة الحلم السرمديّ؟ وأين القلم الذي يفيض بلحظات الكاتبة؟ أجبتها، بما كان من حوار  مع صديقتي الغالية،  التي أخذت تلّح علي بضرورة العودة من بعد فتور... لا بدّ أن تعود تلك البطلة إلى معترك الكتابة التي يقتضيها معترك الحياة... هذا رأي صديقتي، لم لا؟ لم لا وهناك أحلام تكدّست تنتظر قلمي والقرطاس؟ لم لا وكنّا قد بدأنا نصنع بالكتابة عالماً مثاليّاحلمنا به ولم نستوفه بعد؟

سنكمل المشوار وإن غدا عالمنا شائكاً في واقعه، نعم، قد غدا عالمَ فقد وتراجع.. عالما أعلن احتضاره بموت تلك الإنسانية، عرّجنا معا على المدارس، فلم نجدها ذلك المكان الذي  ينبت الفكر والإبداع، وجدنا طالب اليوم، ليس الطالب الذي كان بالأمس؟... وجدنا المعادلة قد اختلفت والمعايير قد تحطّمت... تعطلت محركات الإبداع فسكن كل شيء.. إنه الثمن ندفعه لتقصير أو إهمال أو غفلة، ثمّ دخلت لحظة صمت، أتفكّر فيها كيف تجدّدت الأزهار، وما زالت الطيور تغرّد لها… هل تشعر الطيور بما في نفوسنا؟ كيف سخّرت لنا؟ لا شكّ أنّها فوق جمالها وإطرابنا تعلّمنا أشياء كثيرة... تعلمنا الدأب في العطاء، تعلّمنا أنّ نردّد أصواتها لنتذوّق الجمال، هنا يدخل الزمن، زمن الشرفة والتأمّل، لا أظنّه يذهب هدرا،  نظرت في الساعة تدق بدقات نبضي، التقطت هاتفي لأخبر صديقتي أنّني عائد لسيرتي الأولى، كلّ شيء من حولي أخرجني من محبسي... فرحتْ وسُرّت بما سمعت، هنّأتني، وأردفت قائلة لا بد ولا بد… نعم حلمنا وحلمنا… حلمنا بذلك الوطن الذي يزخر بالمواطن الصالح… حلمنا بذلك الحب السامي الذي ينأى بنا عن مصالح هذه الدنيا الزائلة... فكلمة صباح الخير أصبحت تباع وتشترى… ونسينا معنى العبارة ودلالتها... حلمنا بصلة رحم تنأى بنا عن هذا الواقع … ولكنها وبكلّ أسف كادت تعلن احتضارها… يأتي عيد ويذهب آخر دون أن نجدها إلا مع من رحم ربي... نعم استيقظت هذا الصباح لألقي عن كاهلي أعباء شهر كامل من العمل في تأهيل طلابي... كان فيه العيد قد مرّ دون أن أتذوقه...

هذا الصباح شعرت يا زميلتي أنني أسترجع مذاق العيد، بأن أخرج من محبسي إلى عالم الطيور الفسيح، فهيّا نغرد معها ونردد سجعها... فلعلنا نوقظ بعض الغارقين في نومهم الثقيل.

------------

شاعرة وتربوية فلسطينية*