عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 11 أيار 2025

اللحوم الحمراء لمزيد من الارتفاع.. ولا بديل عن توسيع الإنتاج المحلي

 

*غلاء غير مسبوق قبيل عيد الأضحى... الخروف الحي الواحد ارتفع بما معدله 50 دينارا مقارنة مع أسعار العام الماضي

*الاستيطان الرعوي ومصادرة الأراضي تسببا بتقلص كبير في الثروة الحيوانية بفلسطين

* نحتاج لخطة وطنية متكاملة تُشجع تربية المواشي محليا للحد من تقلبات الأسعار عالميا

*إجراءات "إسرائيل" في عملية الحجر الصحي والموانئ تزيد التكاليف على المستورد الفلسطيني

*معطيات عن أعمال تهريب للخراف البلدية من الضفة للسوق الإسرائيلية

*آثار التغير المناخي وارتفاع مدخلات الإنتاج تتسبب بتراجع المعروض من الماشية عالميا

رام الله- الحياة الاقتصادية- محمد رجوب- ترتفع أسعار اللحوم الحمراء بشكل غير مسبوق في السوق المحلية إذ وصل سعر الكيلو الواحد من لحم الخاروف الطازج إلى 130 شيقلا، وسط مخاوف من ارتفاع أكثر نتيجة نقص المعروض مع الزيادة المتوقعة على الطلب قبيل عيد الأضحى المبارك.

ويباع الخروف الحي (القائم) بـما معدله 9 دنانير أردنية للكيلو الواحد في "أسواق الحلال" المحلية، ويقول اللحامون إنهم يشترون كيلو الخاروف القائم من كبار التجار والمستوردين بما يتراوح ما بين 42- 48 شيكلا للكيلو، علما أن الأسعار في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كانت قرابة 6.5 دينار للكيلو الواحد. يقول تجار إن سعر الخاروف الواحد ارتفع بما معدله 50 دينارا، أي بنسبة 20- 25% خلال عام واحد.

تأتي هذه الأسعار الفلكية لتضاعف من الضائقة المعيشية الشديدة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني نتيجة للتداعيات المباشرة وغير المباشرة للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية، وتعود الأسعار التي تفوق قدرات أغلبية شرائح المجتمع لأسباب محلية تتعلق بتقلص متسارع في الثروة الحيوانية نتيجة سيطرة المستعمرين المدعومين من حكومة الاحتلال بالقوة على المراعي وطرد الرعاة الفلسطينيين منها، وسرقة قطعان الماشية منهم، فضلا عن ارتفاع تكاليف الانتاج. هذا بالإضافة الى أسباب عالمية مرتبطة بتراجع المعروض من قطعان الماشية نتيجة الجفاف وآثار التغير المناخي.

ورغم تقلص المراعي نتيجة زحف الاستيطان الرعوي، وملاحقة الرعاة في الجبال، وسرقة قطعانهم، وحظر دخولهم مناطق كثيرة، إلا أن عودة التوازن في الأسعار تبدو بعيدة المنال ما لم يتم توسيع الانتاج محليا في ضوء أزمة نقص المواشي عالميا. إذ تفيد التقديرات بان الإمدادات في سوق المواشي، قد تشهد مزيدا من التراجع في عام 2026، الأمر الذي قد يدفع الأسعار إلى مستوى قياسي جديد.

وفي السوق الفلسطينية، يواجه المستورد الارتفاع المستمر في الأسعار العالمية نتيجة نقص العرض، ويدفع أيضا ونتيجة للاجراءات والبروتوكولات الاسرائيلة تكاليف مضاعفة لعملية الشحن البحري والحجر الصحي، وهي تكاليف يدفعها في النهاية المستهلك الفلسطيني.

يقول مستوردون إن هذه التكاليف الباهظة هي سبب فرق سعر لحم الخروف المستورد بين فلسطين ودول الجوار، إلا أن اللحامين يتحدثون عن احتكار من كبار المستوردين والتجار، وحجز بعض القطعان لديهم بهدف انتظار زيادة الأسعار.

وحسب آخر تقرير سنوي صدر عن وزارة الزراعة، عام 2022 فإن عدد رؤوس البقر يصل إلى 340 ألفا، مقابل 680 ألفا من الضأن، و210 آلاف رأس من الماعز، في حين يقدر استهلال السوق المحلي -بما يشمل قطاع غزة قبل الحرب- بنحو مليون رأس من الماشية بكافة سلالاتها. ولا تتوفر إحصائية دقيقة لنسبة المستورد إلى المنتج محليا من رؤوس الماشية المذبوحة إلا أن اغلب التقديرات بأنه يتم استيراد نحو ثلثي الكملية المستهلكة محليا. ولم تتوفر احصائيات حديثة للثروة الحيوانية ولكن يعتقد ان الأرقام المذكورة أعلاه تراجعت في ضوء اجراءات الاحتلال وزيادة تكاليف الانتاج، وسيطرة المستوطنين على المراعي.

ونظراً للاجراءات التي اتخذتها الحكومة في إطار مصفوفة الاصلاح الجاري تنفيذها، فإن التعديلات التي طرأت على نظام الكوتا لاستيراد 50 ألف رأس من الماشية معفاة من الضريبة بموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، أدت الى تأخير في استيراد حصة الكوتا، علما ان الرقم المذكور من الخراف لا يؤثر جوهريا في معادلة العرض والطلب ولم يستفد المستهلك طوال السنوات الماضية من خراف الكوتا المعفاة من الضريبة، وكان فارق السعر يذهب في جيب التاجر.

وفي ضوء ارتفاع أسعار اللحوم الطازجة في اسرائيل مقارنة عما هي عليه في الضفة، اشتكى مواطنون من أن بعض ضعاف النفوس قاموا في الأشهر الأخيرة بأعمال تهريب لقطعان من الخراف من السوق الفلسطينية إلى داخل اسرائيل، من الكوتا الفلسطينية ومن حصص الاستيراد العادي، وكذلك من الخراف البلدية، خاصة بعد ان ارتفعت الأسعار في اسرائيل بشكل جنوني إذ وصل سعر كيلو لحم الخروف هناك الى 200 شيقل، في ذروة الاستهلاك خلال فترة الأعياد اليهودية.

 

إجراءات لمنع ارتفاع أكبر للأسعار

يقول وزير الاقتصاد م. محمد العامور إن وزارته ووزارة الزراعة، تدخلتا إلى أقصى درجة متاحة وفقا للقانون، وساهمت اجراءات الوزارتين في منع ارتفاع أكبر للأسعار مما هي عليه. وتابع: تحدثنا مع المزراعين ومربي الثروة الحيوانية ومع المستوردين واللحامين، وتبين لنا أن هناك ارتفاعا كبيرا في الأسعار بالاسواق العالمية.

ومنذ شهر رمضان الماضي، ظلت وزارة الزراعة تصرح ان هناك كميات كافية من المواشي في السوق، نافية أي نقص في المعروض مقارنة مع حاجة السوق، وهو تصريح صحيح بالمجمل، ولكن بالتدقيق والعودة إلى التفاصيل، فإن قطعان الماشية الموجودة في المزارع ليست جميعها جاهزة للذبح، الأمر الذي يتسبب باختلال التوازن بين العرض والطلب وارتفاع الأسعار.

وتبقى الاجراءات الحكومية على أهميتها عاملا مهما في ضبط الأسعار، ولكنها لن تؤدي إلى إعادتها لتكون في متناول الشرائح المجتمعية المختلفة، إلا في حال اطلاق خطة وطنية شاملة لزيادة قاعدة الانتاج المحلي، من خلال تخفيض تكاليف مدخلات الانتاج، والاعتماد على التقنيات الحديثة في تربية الماشية، وذلك بهدف زيادة حصة المنتج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد والمخاطر المرتبطة به.

 

سلالات هجينة تساعد في زيادة إنتاج خراف اللحوم

يقول عميد كلية الزراعة في جامعة القدس المفتوحة د.خالد حردان إن هناك أسبابا أخرى لتراجع الانتاج في قطاع الثروة الحيوانية وأبرزها ممارسات سلطات الاحتلال والمستوطنين، ويضاف إليها ارتفاع مدخلات الانتاج بشكل كبير وصولا إلى 80% من قيمة الخاروف في السوق الأمر الذي يضيق هامش الربحية للمزارع وقد يعرضه لخسائر، ويرى د.حردان ان الزحف العمراني باتجاه الاماكن التي كانت مخصصة كمراعي ساهم أيضا في الحد من الانتاج المحلي، وعن ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء يقول ان ثقافة الاستهلاك والافراط في ذبح الخراف في المناسبات أسباب أخرى لزيادة الطلب وبالتالي ارتفاع الأسعار.

ويرى د.خالد حردان أن لا سبيل لتحقيق التوازن في السوق سوى بتوسيع قاعدة الانتاج المحلي، نظرا للتحديات المرتبطة بالاستيراد من الخارج، ولكنه يؤكد أن ذلك لا يمكن إلا من خلال خطة شاملة تشترك في تنفيذها كل الأطراف ذات العلاقة.

ويضيف: كانت هناك تجربة في شمال الضفة، إذ تم تدشين مزرعة نموذجية من 300 رأس من الأمهات من سلالة أغنام "دبروبر"، لانتاج الخراف المخصصة للذبح بأعداد كبيرة، ولكنها اصطدمت بارتفاع تكاليف الانتاج. "دبروبر" سلالة جنوب أفريقية من الأغنام المنزلية أُنتجت بفضل جهود وزارة الزراعة في جنوب أفريقيا لتربية أغنام لحوم مناسبة للمناطق الأكثر جفافا في البلاد، وتُربى الآن في مناطق أخرى حول العالم.

ويمكن للأم الواحدة انتاج 6 خراف ذكور مخصصة للذبح خلال العام الواحد، ولكنها تحتاج إلى غذاء خاص من قشور البرتقال والقش، الأمر الذي يجعل من تكاليف الانتاج في هذه الحالة مرتفعة، ما يتطلب تدخلا حكوميا لتخفيضها في إطار خطة اوسع لاعادة التوازن في أسعار اللحوم الحمراء في السوق وتقليل الاعتماد على الخارج.

 

الجفاف يفاقم أزمة نقص المواشي عالميا

لا تقتصر أزمة نقص المعروض من المواشي على فلسطين، إذ بدأت الظاهرة تضرب بقوة في عدد من البلدان نتيجة آثار التغير المناخي، ويتضح من بيانات رسمية أن هناك انخفاضا في قطاع الماشية في دول الاتحاد الاوروبي خلال العقدين الماضيين، وشهدت دول الاتحاد تراجعا في عدد رؤوس الماشية ما بين عامي 2003 و2023 بنسبة 22%، بينما سُجِّلت أقل نسبة انخفاض في أعداد الأبقار بحوالي 9% في الفترة ذاتها.

وحسب معطيات خدمة البحوث الاقتصادية التابعة لوزارة الزراعة الامريكية فإن أعداد الماشية وأسعارها وإنتاج اللحوم الحمراء "تميل إلى اتباع دورة تستمر حوالي عشر سنوات، ولكنها قد تتراوح بين 8 و12 عاما تبعا لعوامل مثل الجفاف أو تكاليف الأعلاف، وتتأثر دورة الماشية باستجابة مُربي الماشية للأسواق".

وحسب المصدر ذاته: "قد يستغرق الأمر سنوات حتى يستجيب المُنتج بشكل كامل، على سبيل المثال، عندما تُشير أسعار السوق المرتفعة إلى أن الوقت مناسب لتوسيع أحجام القطيع، يستجيب مُربو الماشية في النهاية بالاحتفاظ بعجول التكاثر الإناث (بدلًا من تربيتها للذبح). ويفعلون ذلك على الرغم من وجود حافز لبيع الماشية في ظل ارتفاع الأسعار، ولن تُنتج الإناث المُحتفظ بها عجلًا إلا بعد بلوغها عامين من العمر، وسيستغرق هذا العجل 18 شهرًا إضافيًا لينمو قبل أن يصبح جاهزًا للذبح. وتستمر عملية توسيع القطيع هذه حتى ترتفع الإمدادات إلى الحد الذي يضغط عنده على أسعار السوق للانخفاض، مما يؤدي إلى انخفاض أعداد الماشية وإنتاج لحوم البقر".

ومن المتوقع أن تصل مخزونات الماشية في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى لها في دورة الماشية عام 2025، ليصل إجمالي المخزون إلى 86 مليون رأس، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 1951. ومن المتوقع أن ترتفع المخزونات بعد ذلك بحلول عام 2033، لتصل إلى ذروتها عند 91.8 مليون رأس، قبل أن تنخفض قليلاً إلى 91.6 مليون رأس في عام 2034، مع بدء التحول التالي في دورة الماشية.

وفي خطوة غير مسبوقة منذ 33 عاما، قررت السلطات الجزائريّة استيراد ما يصل إلى مليون رأس من الماشية، استعدادا لعيد الأضحى المبارك، في ظلّ تراجع أعداد القطعان المحلية جراء موجة جفاف مستمرة منذ سنوات.

ووفق بيانات رسميّة، يفوق عدد رؤوس الماشية الّتي يتم نحرها سنويا بمناسبة عيد الأضحى في الجزائر 4 ملايين، أغلبها من الغنم ثمّ البقر والماعز بدرجة أقلّ، إضافة لأعداد محدودة من الجمال في الولايات الجنوبيّة. وكانت آخر مرّة استوردت فيها الجزائر أضاحي العيد من الخارج عام 1992، وحينها جلبت آلاف الرؤوس من أستراليا، لكنّها لم تخصّص لعيد الأضحى، لأنّها كانت مقطوعة الذيل ولا تجوز للنحر وفق المذهب المالكيّ المعتمد رسميًّا في الجزائر.

وفقد المغرب 38% من القطيع الوطني من الماشية، بسبب توالي سنوات الجفاف التي أفضت إلى تراجع الكلأ في المراعي، وأعلنت الحكومة المغربية إعفاء واردات الماشية الموجهة للذبح، وكذلك اللحوم، من الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد.

ويؤكد كل ما سبق ضرورة العمل من الآن على توسيع قاعدة الانتاج المحلي، رغم التحديات التي يفرضها الاحتلال ومستعمروه.