عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 10 أيار 2025

الكتابة في زمن الحرب.. أنت في النزوح غيرك

جبر شعث/ غزة

العزف الجماعي لآخر سرب من العصافير قبل أن يسرح في فضاء الله، صوت الأم الحاني الرقيق وهي تهز ابنتها برفق لتوقظها للالتحاق بمدرستها، تفقُد أصص النباتات على شرفة البيت، فطور الصباح الشهي، ركوة القهوة ذات الرائحة الزاكمة و الرغوة النابضة،وصايا الأم لابنتها، صوت الباعة المتجولين الذي يزعج ويفيد في آن، مشهد الطلاب والطالبات السائرون نحو مدارسهم بزيهم الموحد الجميل، صدى الإذاعة المدرسية والنشيد الوطني المتسلل  من المدرسة القريبة، حركة الناس وجلبة المارة وشخير السيارات، انتظار الزوجة بباب البيت لترسل زوجها الذاهب إلى العمل بكامل أناقته، وتمام حيويته، وتذكيره ببعض لوازم  البيت... كل ذلك وأشياء أخرى جميلة، توقف ذات صباح تشريني قاتم مريب.

إنها الحرب، تلك التي علمناها من ذي قبل، وذقنا ويلاتها،ولم يحدثنا عنها أحد... إنها الحرب ولكنها الحرب التي لا تشاكل أية حرب، إنها حمم مستعارة من جهنم، لتحرق وتدمر وتبيد وتذيب كل حي وجماد، تنقذف من السماء والبحر والبر. ...

تعطلت لغة الكلام وانشلت آلة اللسان وعميت العيون عن القراءة، والأصابع عن الكتابة. لا لغة فاعلة إلا لغة القذائف المنهمرة، ولا آلة صالحة غير آلة القتل،ولا عيون مبصرة إلا عيون القناصة، أما القراءة فللأخبار الفائتة والعاجلة أسفل شاشة التلفزيون، أما الأصابع فبالكاد تستطيع أن تكتب نعيـًا لصديق أو لقريب أو لجار  قضوا جراء قصف، وكثر منهم كانت أنقاض البيوت مقابر لهم.

لم تكن جداتنا يبدأن حكاياتهن بـ .."كان يا ما كان في قديم العصر والأوان..." وهن يحكين لنا عن التهجير والنزوح،بل كن يبدأنها بكنا في البلاد (امبارح أو قبل يومين) كانت حكاياتهن طازجة، طزاجة ماء بئر القرية وقمح البيدر وخبز الطابون ومناقيش الزعتر و... ولكنا ونحن في عين هذه المحرقة قد دخلت علينا ألفاظ لم نسمعها من جداتنا، من قبيل: المنطقة الآمنة، الحزام الناري، البراميل المتفجرة، الميناء العائم، التجويع والتعطيش، الكوبونات، طابور الماء، التكية،الوسطاء، الصفقة،المعايير المزدوجة مذبحة الطحين، المقابر الجماعية، نبش القبور، مجازر المشافي، إعدام الخدج... غدا ستدخل هذه الألفاظ في حكايات جدات اليوم وسيحكينها لصغار اليوم حين يكبرون... بالتأكيد حينها سوف يكون الزمن قد تغير، أما المكان فسيبقى هو هو،ورواية صاحب المكان  ستزداد ثقة ورسوخا وسطوعاً، أمام كذب وضلال رواية سارق الأرض الطارئ على المكان والزمان معاً

كان أكثر ما نخافه أن نضطر إلى النزوح، ونغادر بيوتنا، بيوتنا التي لم نكن نعدها يوما مجرد جدران وأثاث وزينة، بل صناديق ذهبية لذكرياتنا ولكل ما مر علينا سواء كان حلوا أو مرا. بات الخطر يتهددنا من كل جانب، وصارت المسافة بيننا وبين الموت كالمسافة بين إصبعين. خافت النساء. والرجال أيضا، وارتعد الشيوخ، وروع الأطفال، وكان لا مهرب مما كنا نخشاه؛ مغادرة البيت أو ما اصطلح عليه في زمن الحرب بالنزوح

وكان النزوح تلك التجربة القاسية المقيتة المهينة، تلك التجربة التي جعلتنا نشعر بأننا أشياء مهملة لا قيمة لنا، وليس لنا  أي قدر من الكرامة

في النزوح سواء كنت في خيمة أو ضيفاً عند الآخرين، عليك أن تتخلى عن أشياء كثيرة كنت تعدها مهمة وضرورية لك ولمن حولك، وعليك أن تعلي من قدر كل شيء تافه وتحط من قدر كل شيء كنت تنظر إليه بسمو

في النزوح عليك أن تضع أعصابك في مبرد، وتضحك في موضع البكاء، وتبكي في موضع الضحك. عليك أن تتخلى عن عاداتك المحببة، وعن خصوصيتك المقدسة. باختصار: أنت في النزوح غيرك

مرت هذه التجربة  التي تعلمنا منها رغم مرها ومرارتها بعض الدروس التي سنفيد منها إذا قدر لنا أن نعود إلى مدينتنا /إلى بيتنا... نعم عدنا إلى المدينة التي تأنف الأشباح أن تسكنها، وإلى البيت الذي وجدناه واقفاً، ولكن على عكازتين؛ لا جدران، لا أبواب، لا نوافذ، لا أثاث لا ... لا ... عدنا إلى بيت بنصف سقف، وبمأساة كاملة، وبذاكرة مثقوبةلقد دمر الأوغاد المدينة وطمسوا معالمها، وسطوا على البيت، وسرقوا صناديق ذكرياتنا

لقد أكمل الأوغاد مهمتهم، أما نحن طلاب الحياة والسلام والحب، فقد بدأنا الآن مهمتنا:  البحث عن ثمالة ضوء وأمل