نابلس.. مدينة تجمل نفسها صباحا في رسالة إصرار على الحياة رغم الألم

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- وسط الدخان الذي يخلفه الاحتلال بعد انسحابه من أزقة نابلس، تبدأ المدينة نهارها بإصرار على الحياة كما لو أنها لم تذق للتو طعم القسوة، تفتح أبوابها بهدوء، وتعيد ترتيب الأرصفة التي اجتاحها العبث قبل ساعات، هي نابلس، المدينة التي تقتحم كل ليلة، لكنها ترفض أن تعيش كضحية.
مع ساعات الصباح الأولى وعندما تستيقظ نابلس لتبدأ يوما جديدا مجهول التفاصيل، يلحظ أهالي المدنية العميد عيسى أبو علان، مدير شرطة محافظة نابلس، مرتديا بزته العسكرية، لا ليوجه الأوامر فقط، بل ليرافق رجال الشرطة في الميدان، في قلب المدينة، وفي شوارعها المكتظة بالأسى، يقف إلى جانب عناصر المرور، يشاركهم تنظيم حركة السير، ويراقب بأم عينه كيف تعود الحياة إلى الشوارع التي تنفست الغاز المسيل للدموع قبل ساعات فقط.
العميد أبو علان الذي يصر أن يحيى أهالي نابلس بأمان رغم كل محاولات الاحتلال وضع العراقيل أمام عمل الأجهزة الأمنية، يراهن على مواصلة العمل حتى يستطيع المواطن في نابلس النوم بأمان في بيته حتى لو كان بابه مفتوحا، هو شعور وإرادة يرافقه فيها بقية مدراء الأجهزة الأمنية المختلفة التي تعمل بشكل مكثف في نابلس لتبقى مدينة الحياة رغم كل ما يحيكه الاحتلال ضدها.
أبو علان الذي كان يتحدث أمام عدد من الصحفيين الأحد الماضي خلال لقاء لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، يفخر بما تم إنجازه في نابلس على الصعيد الأمني، ويؤكد على أن الأجهزة الأمنية ستظل الحصن الحامي لأبناء شعبنا مهما بلغ حجم التحديات.
في المشهد الآخر، يتحرك موظفو قسم الحراسة والتفتيش في بلدية نابلس ضمن حملة متواصلة بدأت منذ أكثر من شهر، يزيلون التعديات عن الأرصفة، ينظمون الأسواق، يعيدون لكل زاوية من زوايا المدينة انضباطها وأناقتها، مشهد قد يبدو اعتياديا في مدينة أخرى في العالم، لكنه هنا مقاومة من نوع آخر.
نابلس لا ترفع الراية البيضاء، أمام محاولات الاحتلال جعلها مدينة الفوضى، بل ترفع جدولا يوميا مزدحما بالعمل.
ما تشهده نابلس من تنظيم مشترك تشارك فيه مؤسسات المدينة المختلفة والأجهزة الأمنية بعث الارتياح في صفوف المواطنين، فلم تعد مشاهد فوضى البسطات التي كانت تملأ ميدان الشهداء حاضرة، وبات في الأرصفة ممر لعابري الطريق بعد أن كانت مثقلة بالبضائع والعربات.
يقول الحاج أبو خليل، أحد أصحاب المحال التجارية في ميدان الشهداء: "كنا نعاني يوميا من فوضى لا تحتمل، لم نعد نرى الرصيف، ولا نستطيع الوصول إلى محالنا إلا بشق الأنفس، لكن اليوم، الأمور تغيرت بشكل كبير، الأرصفة باتت سالكة، والمكان منظم، وكأن المدينة تنفست أخيرا".
ويشيد أبو خليل بقدرة بلدية نابلس ومختلف المؤسسات وكذلك الأجهزة الأمنية على العمل رغم كل الظروف الصعبة التي تعيشها نابلس والمتمثلة في علميات الاقتحام اليومية من قبل الاحتلال الإسرائيلي والتي باتت في بعض الأحيان تتكرر أكثر من مرة في اليوم الواحد.
أما المواطنة أم أحمد، التي اعتادت المرور من منطقة الدور يوميا، فتقول: "كنت أتجنب المرور من هنا بسبب الازدحام والعربات، أما الآن، فأشعر بالأمان والراحة، وهذا كله بفضل الجهود الواضحة من البلدية والشرطة ومؤسسات المدينة".
تبدو مؤسسات المدينة وكأنها خلية نحل، البلدية، الأجهزة الأمنية، الباعة، والمواطنون، كل يؤدي دوره ضمن لوحة متكاملة، لا ينسقها أحد، لكنها تنساب بانسجام غريب، مدينة تستباح من الاحتلال ليلا، وتجمل نفسها صباحا في رسالة إصرار على الحياة رغم كل الألم.
في نهاية اليوم، حين تغرب الشمس، وتبدأ المدينة استعدادها لمواجهة ليل آخر قد يكون أصعب، تكون قد أثبتت مجددا أن الإصرار على الحياة هو رسالة وليس مجرد عمل يومي.
مواضيع ذات صلة
ضجة وشائعات "تنهش" لحوم جنين
صرخات أمهات الأسرى.. شاهدة على مأساة إنسانية متفاقمة خلف جدران السجون
الرئيس يصل النرويج في زيارة رسمية
تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال الشهر الماضي
غزة: آلاف يشاركون في وقفة لدعم الأونروا ورفض المساس بموظفيها
فرنسا: القرارات الإسرائيلية بشأن الضفة انتهاك جسيم لحل الدولتين