عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »

جدار العزل بين سنجل وترمسعيا.. أداة خنق وضم زاحف

 

رام الله- الحياة الجديدة- حنين خالد- في خطوة تصعيدية جديدة ضمن سياسة الاحتلال لعزل القرى الفلسطينية وفرض واقع استيطاني بالقوة، تواصل سلطات الاحتلال بناء جدار شائك يمتد على طول الطريق الرئيسي رقم 60 الواصل بين مدينتي رام الله ونابلس، ليفصل بلدتي سنجل وترمسعيا شمال رام الله عن محيطهما الحيوي، في مشهد يعيد إلى الأذهان صور الجدران الإسمنتية العازلة التي فتّتت الضفة الغربية منذ بداية الألفية.

 

رئيس بلدية سنجل: نخسر أرضنا ومستقبلنا

رئيس بلدية سنجل، معتز طوافشة، يرى في بناء الجدار تهديدًا وجوديًا. "نحو 8000 دونم من أفضل أراضينا الزراعية باتت مهددة بالمصادرة"، يقول طوافشة، محذرًا من تدمير البنية الاقتصادية لبلدة تعتمد أساساً على الزراعة والعمل في المدن المجاورة، و"الجدار سيعزلنا عن شارع 60، شريان الحياة، ويحولنا إلى كانتون محاصر".

ويتابع: أن أكثر من 47 منزلًا سيتم عزلها على جانبي الجدار، فيما يُمنع أصحابها من التواصل مع بقية المجتمع في سنجل، كما ستزداد معدلات البطالة والفقر نتيجة تقييد حركة المواطنين والعمال.

 

التعليم في سنجل على حافة الانهيار

داخل مدرسة ذكور سنجل الأساسية، لا يُخفي مديرها قاسم غفري قلقه من آثار هذه الإجراءات على مستقبل طلابه. "الاحتلال لا يقتصر على جدار من إسمنت أو أسلاك شائكة، بل هو جدار في عقول أطفالنا... اقتحامات، تهديدات مستمرة، وهجمات من المستوطنين جعلت بيئة التعليم ميدانا للقلق والرعب"، يقول غفري.

ويضيف أن بناء الجدار قرب الشارع الرئيس أدى إلى تراجع كبير في التحصيل الدراسي، خاصة مع اضطرار الطلاب إلى عبور مناطق خطرة للوصول إلى المدرسة. استهداف الأطفال على خط 60، ومشاهد العنف اليومية، حولت المدرسة إلى نقطة توتر دائم. ليس هذا فحسب، بل إن المعلمين القادمين من مناطق مجاورة باتوا يواجهون عراقيل أمنية يومية، ما يؤخر بدء الحصص الدراسية ويقلل من جودة التعليم المقدم.

 

نضال قانوني... ومقاومة سلمية

على الأرض، لم تقف بلدية سنجل مكتوفة الأيدي، حيث تقدمت باعتراضات قانونية بالتعاون مع هيئة مقاومة الجدار، لكنها قوبلت بالرفض بحجة ما تسميه سلطات الاحتلال "الأمن". في المقابل، يعمل الأهالي على تنظيم فعاليات مقاومة شعبية، وتنسيق الجهود مع المغتربين في الولايات المتحدة للضغط من خلال القنوات القانونية والدبلوماسية.

 

ترمسعيا.. بلدة محاصرة من كل الجهات

أما في ترمسعيا، فلا تبدو الصورة أقل قتامة. الناشط عوض أبو سمرة يصف البلدة بـ"السجن المفتوح"، ويكشف أن الاحتلال أغلق 3 من مداخل البلدة الأربعة، وأقام بوابة حديدية على المدخل الأخير. "نحو 8000 من سكان ترمسعيا، 85% منهم يحملون الجنسية الأميركية، يواجهون اليوم عزلاً تامًّا عن محيطهم"، يقول أبو سمرة، مشيرًا إلى استشهاد الطفل الأميركي-الفلسطيني عامر سعادة، وإصابة آخرين، في حادثة هزت الرأي العام المحلي والدولي.

كما أن بناء الجدار سيمنع سكان ترمسعيا من الوصول إلى أكثر من 8000 دونم من الأراضي الزراعية، ما يعني حرمان مئات العائلات من مصادر رزقها الأساسية، وتعليق رخص البناء الجديدة، وتهديد منازل قائمة بالهدم أو الإخلاء.

 

الجدار... أداة خنق وضم زاحف

صلاح الخواجا، مدير عام مديرية الوسط في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يضع هذا الجدار في سياق أوسع: "ما يحدث اليوم في سنجل وترمسعيا هو تنفيذ فعلي لمخطط الضم، عبر تقطيع أوصال القرى وتحويلها إلى معازل منفصلة تحت رحمة الاحتلال". يؤكد الخواجا. ويوضح أن مشروع الجدار الحالي، الذي يبلغ طوله 1500 متر، ما هو إلا امتداد لسياسة بدأت منذ عام 1967، وبلغت ذروتها ببناء جدار الفصل في 2002.

ويشير الخواجا إلى أن هذه السياسات تهدف إلى عزل الفلسطينيين عن أراضيهم الزراعية في مناطق "ج"، وهي سلة الغذاء الرئيسية للضفة الغربية. ومع تقييد الحركة عبر بوابات يتحكم بها جنود الاحتلال، تتحول القرى إلى سجون مفتوحة، تمامًا كما حصل في شمال غرب القدس.

 

جدار يفصل الجغرافيا... ويعمق الجراح

بين التعليم المعطل، والزراعة المحاصرة، والعائلات المهددة، يشكل الجدار الشائك بين سنجل وترمسعيا فصلًا جديدًا في رواية التهجير الصامت التي يمارسها الاحتلال. ومع ذلك، يُظهر سكان البلدتين عزيمة لا تلين، مدفوعين بإيمانهم بحقهم في الأرض والتعليم والكرامة.

"ربما يحاصروننا بجدرانهم، لكنهم لن يحاصروا إرادتنا"، يقول طوافشة، مختصرًا روح الصمود التي لا تزال تنبض في قلب الضفة.