في اليوم العالمي لحرية الصحافة: الكاميرا تُستهدف والحقيقة تُدفن تحت الركام في فلسطين

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي -في اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف الثالث من أيار، تتجدد الدعوات العالمية لحماية الصحفيين وتعزيز حرية التعبير، لكن في فلسطين، لا يُحتفل بهذه المناسبة بقدر ما تُستصرخ فيها الضمائر. فقد تحوّل هذا اليوم إلى محطة مؤلمة لتذكير العالم بأن حرية الصحافة هنا تُسفك دماؤها، وتُقمع عدساتها، ويُطارد صوتها، ويُكسر قلمها.
الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قال بهذه المناسبة: من المأساوي أن امتلاك هذه القدرة تعترضه صعوبات متزايدة عامًا عن عام، وينطوي على مخاطر أشد. الصحفيون يتعرضون للاعتداءات والاحتجاز والرقابة والترهيب والعنف، بل يتعرضون للموت أيضًا، لمجرد قيامهم بعملهم".
وأضاف منبّهًا إلى الوضع في فلسطين: "نشهد ارتفاعًا كبيرًا في عدد القتلى من الصحفيين في مناطق النزاع، ولا سيما في غزة."
هذا التصريح يعكس واقعًا مريرًا يعيشه الصحفي الفلسطيني، الذي يعمل اليوم في بيئة تُعد من أخطر البيئات الإعلامية في العالم، حيث تشير بيانات نقابة الصحفيين الفلسطينيين إلى استشهاد أكثر من 200 صحفي وصحفية منذ بداية العدوان الإسرائيلي الأخير، وارتكاب الاحتلال سلسلة من الانتهاكات الممنهجة التي تشمل القتل والاستهداف والاعتقال والتنكيل، النقابة كشفت عن بيانات مرعبة بحق الحالة الإعلامية الفلسطينية وثقتها في الربع الأول من العام الجاري 2025، عبر سلسلة من الجرائم والاعتداءات والانتهاكات المرتكبة من قبل منظومة الاحتلال الإسرائيلي التي أسفرت عن استشهاد 15 صحفيا، فيما سجلت مؤسسات الأسرى نحو (180) حالة اعتقال واحتجاز بين صفوف الصحفيين منذ الإبادة، ويواصل الاحتلال حتى اليوم اعتقال (49) منهم وهم فقط ممن جرى اعتقالهم بعد الإبادة، إضافة إلى (6) آخرين يواصل الاحتلال اعتقالهم قبل الإبادة.
"الحياة الجديدة" التقت عددًا من المراسلين الميدانيين والمصورين الصحفيين الفلسطينيين للتعرف على تجربتهم في تغطية أحداث الحرب، وحجم التحديات التي واجهتهم، فماذا يقولون؟ وماذا يطلبون؟ وما هي رسالتهم في هذا اليوم؟
صحافة تحت النار.. شهادات من قلب الخطر
الصحفي أنس حوشية من قناة عودة، يختصر شعور الكثير من زملائه بقوله: "في اليوم العالمي لحرية الصحافة، يمكن أن نقول كل شيء إلا كلمة حرية، لأننا ببساطة مسلوبوها، الصحفي الفلسطيني مستهدف أكثر عندما يرتدي زي الصحافة والخوذة الواقية".
حوشية، الذي نجا من محاولة دهس بجرافة عسكرية إسرائيلية خلال تغطيته لأحداث مخيم جنين في اقتحام استمر حينها عشرة أيام، تحدث عن الشعور بالفخر المهني مقابل مشهد رعبٍ عاشه أطفاله عند رؤيتهم لوالدهم يُلاحق بالمركبة العسكرية. وقال: "أنا في الميدان لأكون صوت الفلسطينيين، وأطالب العالم بحماية نفسية ومهنية لنا."
أما المصور والمراسل ناصر اشتية من وكالة "SIPA USA"، الذي فقد ابنته الرضيعة عند حاجز احتلالي، فقد قال: "في فلسطين، لا عدالة لصوت الحقيقة. أُصبت 14 مرة، واستشهد زملائي، لكني ما زلت أوثق وأقاوم بالكاميرا، لم أتخلّ عنها لأنها أصبحت امتدادًا لنبض هذه الشعب وصوته الذي لا يُكسر".
ويطالب اشتية بتوفير حماية دولية عاجلة وفتح تحقيقات نزيهة ومحاسبة الاحتلال، مؤكدًا أن الاحتلال لا يفرق بين صحفي ومدني، بل يرى في الإعلامي خصمًا يجب قمعه، ويتعمد استهدافنا لإسكات الصوت وطمس الحقيقة لقد فقدنا العشرات من زملائنا وعلى رأسهم الزميلة شيرين أبو عاقلة، واليوم يقبع أكثر من 40 صحفيا فلسطينيا في سجون الاحتلال الكثير منهم دون تهم تحت سيف الاعتقال الإداري.
ويضيف اشتية: "لا أكتب من منبر آمن، بل من قلب الميدان، من أرض تُستهدف فيها الكاميرا كما يُستهدف الجسد، فمنذ السابع من أكتوبر تحولت الضفة الغربية الى منطقة شبه مغلقة بفعل إجراءات الإحتلال، وتم نصب أكثر من 90 بوابة حديدية، وإغلاق الطرق بالسواتر التربية، الأمر الذي يعيق عملنا كصحفيين ويقيد قدرتنا على تغطية الأحداث، المدن الفلسطينية تتعرض للاقتحام اليومي وآلاف الفلسطينيين يواجهون التهجير ونحن في الميدان نحاول توثيق كل ذلك، تحت خطر مستمر".
"كاميرا تحت القصف"... تجارب نساء الميدان
الصحفية ريما العملة، مديرة مكتب هيئة الإذاعة والتلفزيون في نابلس ورئيسة لجنة النوع الاجتماعي في نقابة الصحفيين، تحدثت عن الصحفيات الفلسطينيات قائلة: "كل صحفية دفعت ثمن الحقيقة من جسدها، من بيتها، من روحها. نحن نعمل من تحت الخيام وتحت القصف، ونواجه استهدافًا مزدوجًا للجسد والهوية والرسالة."
"والصحفيات اليوم سواء في الضفة أو غزة يعملن من تحت الخيام أو داخل المستشفيات لا لأنهن مجبرات، بل لأنهن ملتزمات بقضية شعبهن، ملتزمات أيضًا بنقل معاناة شعبهن الى العالم أجمع"، تؤكد العملة.
العملة تطالب باعتراف دولي صريح بالانتهاكات ضد الصحفيات، وبتوفير حماية حقيقية لهن، لأن "قضية الصحافة الفلسطينية اليوم ليست مهنية فقط، بل إنسانية وأخلاقية بامتياز".
وتؤكد: "لن نصمت ولن نقبل أن تظل معاناة الصحفيات الفلسطينيات مجرد فقرة عابرة في تقارير المنظمات، هذه قضية عدالة وقضية إنسانية وقضية كرامة مهنة".
غزة... حيث تدفن العدسة تحت الركام
ومن قلب غزة، ينقل مراسل "الحياة الجديدة" الصحفي عبد الهادي عوكل صورة قاتمة للواقع الإعلامي، قائلاً: "هذه ذكرى أليمة، تأتي والصحفي الفلسطيني يغرق في الدم الذي سفكته طائرات الاحتلال ودباباته حيث لا احترام المواثيق والقوانين الدولية أمام مرأى ومسمع من العالم، وعلى الهواء مباشرة".
ويضيف عوكل: "نطالب بموقف عالمي جاد، لأن الاستهداف ممنهج، والسكوت الدولي يفاقم الجريمة."
"السلامة المهنية" في ظل حرب غير مسبوقة
رئيس لجنة السلامة المهنية في نقابة الصحفيين، منتصر حمدان، يوضح أن الحرب الحالية فرضت تحديثًا جذريًا على إجراءات السلامة، قائلاً: "الصحفي الفلسطيني لم يعد في بيئة خطرة فقط، بل في بيئة تُعامله كهدف عسكري. استُهدفت الخيام والمنازل، وأصبح استخدام المسيرات يُقابل بالقصف المباشر. نحن بحاجة لتدريبات جديدة تضمن الحد الأدنى من الحماية."
ويضيف حمدان، شكّل اندلاع الحرب صدمة لكل الصحفيين والعاملين في مجال الاعلام كونها حربا غير مسبوقة من حيث الطريقة التي اندلعت فيها ومن حيث طبيعة ونوعية الأسلحة المستخدمة ومن حيث اتساع نطاق الاستهداف لكل مكونات المجتمع الفلسطيني سواء كانوا صحفيين أو مدنيين، تداعيات هذه الحرب الكارثية فرضت احتياجات جديدة لتطوير وتحديث كل برنامج سلامة الصحفيين والمواد التدريبية المرتبطة به حتى يكون الصحفيين قادرين على التعامل مع المخاطر الناجمة عن مواصلة تغطيتهم الاعلامية".
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يحتفل الصحفي الفلسطيني بالكلمة، بل يدافع عنها. لا يكتب من مكاتب آمنة، بل من قلب الميدان حيث الكاميرا مستهدفة، والصوت ملاحَق، والحقيقة يُراد لها أن تُدفن.
إنها دعوة للعالم ألا يجعل من هذا اليوم مجرد شعار، بل صرخة لحماية الصحافة من الموت، ودعوة لمحاسبة من يرتكب جرائم حرب بحق الكلمة.
مواضيع ذات صلة
بيان صادر عن الرئاسة الفلسطينية
"المجس الوطني" ورؤساء اللجان الدائمة يبحثون دعم الصمود ومواجهة اعتداءات الاحتلال
قوى الأمن: اعتقال عمر عساف على خلفية بيان مسيء لدول عربية
الرئيس يستقبل لجنة متابعة الانتخابات المحلية
"فتح" تنعى الفنان العربي اللبناني أحمد قعبور
الموت يغيب الفنان اللبناني الكبير أحمد قعبور
لجنة الانتخابات تبحث تعزيز التوعية والتغطية الإعلامية في لقاءات مع كُتّاب ومحللين وإعلاميين