الكتابة كأداة لرد الفعل
مهيب البرغوثي

كنت أجلس في البيت لا فكرة لدي ولا شيء يجول في رأسي
فقط العب في الجوال لعبة لا اتقنها جيدا وعلى المكتب رواية للكاتبة الفرنسية اني ارنو "شغف بسيط "التي فازت بجائزة نوبل في 2022 وقالت لجنة الجائزة عنها في حينها " إن «الكاتبة الفرنسية اني ارنو تميزت بشجاعة ودقة سريرية في اكتشاف الجذور والابتعاد عن القيود الجماعية للذاكرة الشخصية» اقرأ في روايتها "شغف بسيط بعد ان قرأت لها اكثر من رواية مثل "احتلال،الحدث ،مذكرات فتاة، البنت الأخرى، لم أخرج من ليلي،انظر إلى الأضواء يا حبيبي،المكان " ولحسن حظي أني قرات معظم هذه الروايات قبل أن تحوز على نوبل وكم أسعدت واستمتعت جدا في ترجمة الشاعر اللبناني اسكندر حبش لأكثر من رواية مثل هذه التي انهيتها مؤخرا "شغف بسيط حيث تدور الرواية على بساطة الكتابة، تنجح فعلا في طرح العديد من الأسئلة الوجودية التي تلفنا، تطرح السؤال الفلسفي حول علاقتنا بالآخر ، وحتى بكتابة هذه القضية الوجودية، التي تسيطر على غريزة الإنسان والتي هي المحرك الأكبر للكثير من دوافعه ، قصة علاقة غرامية عابرة،تخرج كل الشغف الذي كانت تعيشه الكاتبة تجاه الرجل التقته صدفة في احدى سفراتها إلا أنها كانت علاقة محكومة بنهاية حتمية. لكن رواية إرنو ومشاعرها يركزان على التغير الذي يعيشه الفرد خلال العلاقة بأكثر مما هو مصير الاستقرار أو التملك في العلاقة العاطفية. إن فكرة الحكاية هو التغني بالشغف الحاصل بين شخصين، حتى وإن كانا عابرين، بما يحمله من استكشاف معرفي ووعي الذات والجسد "حين كنت طفلة كان الترف بالنسبة إلي، معاطف الفرو، الأثواب الطويلة، والفيلات على شاطئ البحر. فيما بعد، اعتقد أنه يتمثل في عيش حياة ثقافية. يتراءى لي الآن أنه القدرة على عيش شغف لرجل أو لامرأة .
شقاء الكتابة كرد فعل مقاوم
ما معنى الشقاء في كتابة السيره الحتمية. أجبر نفسي على مقاومة رغبة التركيز على حدث ما بحيث تصبح المقاومة بالكتابة كرد فعل ما ستصل اليه حتى تستطيع ان تحافط على هذا الخط الواصل والمتقطع احياناً بكل الوسائل التي تجبرك على تلك الفكرة اللانهائية للزمن الذي ربما كان يتجمد مثل زمن الرومنسية المشحوبة بالحلم ، أن البحث عن التفاصيل وكتابتها، واستعمال الزمن لتحليل حدث ما لا يمكن لنا دون معرفة الاسلوب الأدبي بالتخييل الذاتي الذي يجعل من السيرة الذاتية مادة العمل الأدبي، والفعل الكتابي لحدث ما.
الكتابة كأدة للفعل نفسه
الكتابة ليست عملاً نستطييع أن نقول عنه اننا لا نستطيع أن نعيش حياتنا دونه بل هو عمل غير تكميلي في الحياة ، حين تتحول الكتابة كمهنة تفقد حالة الشغف شيئاً فشيئاً ويصبح حدوث أي تغير فجائي أو غير فجائي تتلقاة ببرودة العارف لا يعرف شيء الانسان الذي لم تقتله مهنة الكتابة.قد تسرقة القصص والأفكار والسرديات التي تحيط بحاضرنا وماضينا لانها من أكثر المؤثرات الغنية التي يُحول بها الكاتب كتاباته إلى فن قصصي يستوحي بها من تجاربه واقعية الحياة في تصويره للإنسان وطريقة مقاومته للفعل بالكتابة.
الفعل خارج حدث الكتابة
شيئًا واحدًاقد يكون من الصعب ان أنساه، سببٌ يشملُ جميع ما سبق، ما قالته الكاتبةالروائية المصرية الراحلة رضوى عاشور عن كتاباتها، "أنَّها تكتب كمحاولةٍ للتعامل مع الهزيمة! بناءً على هذا، فإنّ كتابتنا، حتّى في حال السعادة، هي محاولةٌ لمواجهة هزيمةٍ قديمة، والسخريةِ منها. أو مواجهة هزيمةٍ محتمَلةٍ قادمة، بأنْ نُثمّنَ اللحظة، بكتابة شيءٍ يعنيها. وربما تكون محاولة استرضاءٍ للهزيمة، كشكلٍ من أشكال اتخاذِ موقفٍ ما"
هناك دائرةٌ كبيرة، كبيرةٌ إلى حدٍّ لا يُطمْئن، تعني محاولةَ التعامل مع الهزيمة ككلّ، إنَّها ما يقوله ميلان كونديرا عن الكائن العجيب، الذي هو نحن: "الإنسان مسؤولٌ عن جهْلِه، الجهل خطيئة". الجهل، أكبرُ هزيمةٍ علينا التعاملُ معها. إنّه عدوّ الإنسان، وكما صورته لنا صاحبة نشيد سليمان والحائزة على نوبل توني مورسون تقول توني موريسون: "لم أكن أعلمُ برغبتي في أن أغدو كاتبة.. فقد ظننتُ حينها أن كلّ ما ينبغي أن يُكتَب قد كُتب بالفعل وانتهى الأمر". هذه فكرةٌ معقّدة، كثيرًا ما تمرُّ وتُطْرَح: هل كلّ شيء كُتبَ عنه وانتهى الأمر،
أعلمُ أنَّ أفكارًا كثيرة تداخلَتْ في بعضها، في جوفِ النصّ، وحملَتْ معانٍ أخرى، وقد تبدو غيرَ مترابطة، لكنّني أواسي نفسي بما تقوله رضوى عاشور: "الرباط قدٌ يُلجِّمُ المعنى ويدفع به في اتجاهٍ محكوم". أمَّا أخيرًا فلا يسعني إلّا أن أعيدَ ما يقوله إدوارد سعيد: "الإنسان الذي لم يعد له وطن، يتّخذ من الكتابة وطنًا يقيم فيه"..
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين