فلسفةُ الصبر.. الطريق إلى الدولة
الرئيس محمود عباس "أبو مازن"

الجزء 11
كان الرئيس التونسي بورقيبة قد اقترح على العرب قبول قرار التقسيم 49% من فلسطين للفلسطينيين، 50% لليهود، 1% للقدس تحت إشْرافٍ دوليّ، قامت الدنيا ولم تقعد، وأهين بورقيبة في الشوارع العربية من المحيط إلى الخليج، حتى أنّه لم يعد يستطيع حضور مؤتمرات القمة، وبالكاد يزور بلداً عربياً.
والمنطق يقول، إنَّ العرب لم يقبلوا بقرار التقسيم، وها هم يقبلون بعد ستين عاماً بما هو أقلّ منه بكثير: انسحابٌ من الأراضي العربية المحتلة، دولة فلسطين في الضفة وغزة مقابل اعتراف كامل بإسرائيل، ووعد ببحث قضية اللاجئين. يقول أبو مازن: "نرفض الاقتراحات بصخب ونُخَوِّنْ من يقبل بها، ثم نعود بعد عقود لنقبل بما هو أقل منها، هذه ليست سياسة".
لهذا أَطْلق الرئيسُ التونسي الباجي قائد السبسي على "أبو مازن" لقب "بورقيبة فلسطين". كان "الحبيب بورقيبة" قد قاد كفاح الشعب التونسي ضدّ الانتداب الفرنسي ورفع شعار "الخطوة خطوة" لتحقيق الاستقلال، خُذ وطالب.
مُنِحَت تونس حكماً ذاتيّاً، فقبل به لكنه تابع قيادة التظاهر، فتوسّعت صلاحيات "الحكم التونسي" وانسحبت الحاميات الفرنسية إثر هبّة شعبية عارمة ودامية إلى بنزرت، ثم خرجت نهائياً من تونس التي نالت استقلالها الكامل كدولة مستقلة عام 1956م.
في الواقع، لم يستطع الفلسطينيون توحيدَ رؤاهم وأساليبهم للوصول إلى هدف التحرير، وخاضوا عقوداً من الجدال والصراع العنيف أحياناً، وانخرطوا في جبهات متصارعة ومتقابلة: رفض، قبول، وممانعة. ولعبت النزاعات الفرديّة والفصائلية، والتحالفات العربية والإقليمية والدولية دوراً في إحداث الشروخ المتواصلة في قيادة العمل الوطني الفلسطيني، وهو بلاءٌ ما يزال مستمراً بقمصان مختلفة. وكان الشعب الفلسطيني هو الذي يدفع الثمن.
لكنّ التجربةَ الفلسطينية الصعبة والمعقّدة أدّت في النهاية إلى بروز تيّارٍ واقعيٍّ قاده في الواقع أبو عمار وأبو مازن، وإن يكن "أبو مازن" هو أول من "تجرأ" على طرحه وتبنيه في الساحة الفلسطينية. كان هدفه إقامة دولة فلسطينية تحت سقف الشرعية الدولية. إنّ تلك الواقعية أوصلت إلى قناعة بالتحاور مع الغرب الأوروبي، ومع الولايات المتحدة، ولم يكن الحليف الدولي الاتحاد السوفيتي -روسيا الاتحادية بعد 1990م-ضد ذلك، لا بل شجّعت الفلسطينيين والعرب على الانخراط الجدّي فيما أُطلق عليه "مسيرة السلام"، والتي وصلت في النهاية إلى توقيع اتفاقيتين مع مصر والأردن، واتِّفاق المبادئ الذي عرف باتِّفاق "أوسلو" بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ليست مهمة هذا "المؤلَّف" الانتصار لوجهة نظرٍ على أخرى، بل عرضُ وجهات النظر تلك بحيادية. لكن الوضع الآن "خريف 2015"، يختلف كليةً عمّا كانت عليه الأمور بعد حرب الخليج وسقوط الاتحاد السوفيتي، أيْ بعد ما أُطلق عليه "تداعيات الربيع العربي"، الذي يرفض "أبو مازن" إطلاق اسم "الربيع " عليه، ويرى أنه خطةٌ لتدمير الدول العربية وتفتيتها، وذلك في سياق حديثه ومؤلَّفاته الستة التي أنجزها خلال هذا "الربيع". يقول:
"ولا مرّة أطلقتُ عليه اسم – الربيع العربي – وإذا ذكرتُه أضَعه بين قوسين. انظروا ماذا حدث في ليبيا، في اليمن، في العراق.
وهذا الذي يحصل في سورية – أهذا هو الربيع"
.. لم يتردّد في معارضته علناً رغم المخاطر "الأمريكية وحتى التهديدات" فهو يعرف "إنه ربيع الإخوان المسلمين" وهو نتاجُ اتِّفاق بين الطرفين على تسليمهم المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. وكانت الأمور "ماشية"، لكنّه تعثَّر في سوريا نتيجة مقاومة الدولة السورية ثم حصلت "ثورة 30 يونيو – حزيران في مصر ضد حكم الإخوان. وتبعتها مظاهرات "3" يوليو تموز"
سقط حكم الإخوان المسلمين في مصر بتحالف الجيش والشعب حيث خرج "30" ثلاثون مليون مصري، يهتفون في شوارع القاهرة:
يسقط يسقط حكم المرشد "مرشد الإخوان المسلمين"
أطلق أبو مازن على تلك الثورة العارمة اسم "المعجزة"
"لأنني أعرف أنًّ الأمريكان اتّفقوا مع الإخوان المسلمين على حُكم العالم العربي لعدة عقود.. فجأة هكذا وبعد سنة واحدة يسقطون وكأنهم لم يكونوا..نعم إنّها معجزة".
كان آخر تصريح للرئيس أبو مازن يُعْلَن على الملأ:
"لن نحافظ على اتِّفاق – تخرِقُه إسرائيل كلَّ يوم"
وقد قال قبل ذلك:
"هذه السلطة التي لا سلطة لها".
ويهدِّد:
"قد نُعلن حلَّ السلطة في أية لحظة" لأنَّ إسرائيل عملياً لم تحترم الاتِّفاق ولم تُنفِّذ إلا المرحلة "الصغيرة" الأولى منه حتى هذه "المرحلة الأولى لم تحترمها "وقد اخترقتها عشرات المرات".
.. إن "الصراع العربي الفلسطيني.. مفتوح.. ولن يغلق.. وإن من حماقة الخصوم التاريخية.. إنهم – أحياناً – يرتكبون أخطاءً كبرى بمحاولتهم سجن "النهر في أنبوب صغير" أو "قصر التاريخ ليكتب في سطر واحد"، أو إكراه الرياح لتهبَّ حسب مشيئتهم أو قهر الشعوب إلى حد وضعها أمام احتمالين لا ثالث لهما:
"الانتحار أو الانتصار"
ولأنّ الشعوب "لا تنتحر فهي ستنتصر لا محالة"
تلك حتميةُ التاريخ وحِكمةُ الخالق ومنطق الأشياء.
.. إنّ أيَّ "مراقب" تابع "الملحمة" الفلسطينية في محطاتها المختلفة، "من النكبة، إلى الضياع، إلى البحث والثورة وصعودها وخيباتها وصراعاتها إلى الانتفاضة"ومآلاتها في الضفة وغزة وفلسطين المحتلة منذ عام 1948م. بل وفِعْلها في الضمير العربي والعالمي، يُدرك أنّ فلسطين سوف تتحرّر ذات يوم، وسينال الشعب الفلسطيني حقوقَه العادلةَ ويعود إلى أرضه. تلك حتمية. وقد تحصل "المعجزة" وتكون قريبةً أكثر مما نتصوّر.
وذلك يتوقف على الشعب الفلسطيني وحده الذي أثبت في كلِّ محطات صراعه "الملحمي" مع المشروع الصهيوني– جدارتَه في الانتقال من معركةٍ إلى أخرى دون أن يتراجع أو يهون، وحتى النصر"... لكنّ ذلك لا يعني – إغفال التفاصيل. وأنَّ في الطريق محطات.. وتوقّفات. وأساليب متنوعة.. ولكن أخطر ما يحيط بهذه القضية – " الاستسلام للتخوين والتخوين المضاد. هذا خطيئةٌ كبرى".
هذا في المُجْمل أمّا في التفاصيل:
فقد كان استقلال الدولة الفلسطينية قد أُعلن في مؤتمر الجزائر بصياغةٍ رائعةٍ لشاعر فلسطين الراحل الكبير محمود درويش. وبعد أن كان من الصعب على هذه الدولة أن تجد مكاناً تتمظهر فيه، وجدت طريقاً إلى فلسطين، طريقاً إلى مبنىً في فلسطين ترفع عليه علمها، وتستقبل ضيوفها وتوقّع اتِّفاقاتها ويَقْبل رئيسها أوراق اعتماد السفراء فيها.
يقول محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"نحن بدأنا عملَنا، الاستمرار فيه والوصول إلى (نهاية سعيدة) هذا ممكن، لكنْ يمكن أن يوصل إلى كارثة. هذا يعتمد على تصرفاتك وعلى كيفية تعاملك مع هذه القضية، وبمقدار ما تكون صاحي. الآن بذرة الدولة موجودة عندك-يعني بنِرْجع للوطن-وبالمناسبة منذ عام 1993 لغاية عام 2000 رِجع للوطن نصف مليون فلسطيني-لا أحد يعرف هذا، نصف مليون ليسوا من غزة ولا من أهل الضفة فقط، وإنّما من كلِّ فلسطين، بل هناك عربٌ كثيرون شاركوا بالمنظمة الفلسطينية وأخذوا هويّة وأصبحوا نوّاباً وحكّاماً...الخ، عرب مش فلسطينيين، لكن كان لهم الحق بالعودة لأرض الوطن، سوريين، أردنيين، مصريين، عراقيين وتونسيين".
يقول د. عبد السلام المجالي (رئيس وزراء الأردن السابق):
"أعتقد أنّهم بنوا مؤسسات للدولة وكذلك الخدمات الحياتية للناس (أمِن ومدارس وتربية وتعليم وصحة)، وطبعاً سياسيا لا تزال المستوطنات ولا تزال إسرائيل تتحكم بالحدود، لقد بُنيَ شيءٌ في الداخل، والناقص الآن هو انسحاب الإسرائيليين من الحدود ومن داخل المستوطنات والمستعمرات وتعود الدولة إلى أصلها".
ويقول باسل عقل (عضو المجلس الوطني الفلسطيني):
"قدّم لنا أبو مازن تجربةً غنيّةَ تُثبت كمْ هو صعبٌ بَلْ ومستحيل التوصّل إلى تسوية وإقامة دولة فلسطينية في ظل موازين القوة القائمة حالياً في العالم، ما لم تتّغيّر موازين القوة – وهذه خلاصة التجربة التي خاضها أبو مازن حتى الأمس-لا يمكن لنا أن نتقدم خطوةً واحدةً نحو إقامة الدولة الفلسطينية. وأنا أعتقد أنّ هذا أعظم إنجاز لأبي مازن يُقدِّمه للشعب الفلسطيني وللأجيال القادمة حتى تعلم تماماً موقع قدمها للتعامل مع العالم الخارجي حين تفكِّر في إقامة دولة فلسطينية مستقلة".
يقول الباجي قائد السبسي (الرئيس التونسي):
"نَعتبر أنّ فلسطين والاتِّجاه الذي ذهبت به بقيادة محمود عباس هو الاتِّجاه الذي قد نصل به إلى الخلاص على مراحل، ونحن معروفون في تونس بسياسة المراحل، وسياسة المراحل هذه لمدة، فكل مرحلة تهيئ للمرحلة التي بعدها وتُسَهِّلُها، ولكنّ هذه المرحلية يجب ألا يكون فيها التسامح في الأمور الأساسية الجوهرية، مثل التسامح بالقدس أو بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره. نحن نعتبر الآن أنّ فلسطين بقيادة محمود عباس خَطَت خطوات لا يُستهان بها، وأخيراً وليس آخراً رُفِع العلم الفلسطيني في الأمم المتحدة".
.. صراع القرن العشرين الأدهى والأمرّ بدأ يأخذ طريقه إلى التفاوض، كان المفاوضون الأمريكيون يسألون محاوريهم الفلسطينيين:
هل تريدون فعلاً دولة فلسطينية؟
هل يمكن أن ترتبط الدولة باتّحاد كونفدرالي مع الأردن؟
هل ستكون لها علاقة مع السوفييت؟
هل سيكون لها جيش، وما نوعية هذا الجيش؟
كيف ترون التعايش مع إسرائيل في حالة السلام؟
ما هو نوع الحدود التي ستربط فلسطين مع إسرائيل؟
ما هي رؤيتكم لحل مشكلة اللاجئين؟
كيف ترون مستقبل القدس؟
هذه الأسئلة الأساسية التي ردّدها كل المفاوضين الأمريكيين كانت أسئلة إسرائيلية.
يقول محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"بلا شك إنّ القضية الفلسطينية هي أساسا في يد الأمريكان، وهم يحاولون أنْ لا يسمحوا لأحد أن يتدخل أو يقترب منها، هذه هي المهمّة الأساس التي يحاول الأمريكان أن يلعبوها، ولكن وللأسف الشديد منذ ما بعد الرئيس بوش، أي منذ كلينتون إلى أوباما لم يحصل أيّ نوعٍ من التقدّم بيننا وبين الإسرائيليين برعاية أمريكية، وحصل نموذج أُعطيه الآن وهو أوسلو، أوسلو لم تكن أمريكا تعلم بها ولذلك نجحت".
يقول نبيل شعث (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح):
"كيف يمكن العودة؟ كان أبو عمار يقول (إنتو بس دخلونا لجوَّا) نزرع جذورنا في هذا الوطن ونبني أشجارنا أي مؤسساتنا، عندئذٍ نبني على ذلك ما يمكن أن نواصل به النضال".
وُلدت إسرائيل برعايةٍ غربيّة وحماية بريطانية وقرار أممي وباتت تدرك أن لا مناص من سلوك هذا الدرب.
يكاد عدد الفلسطينيين يوازي عدد اليهود في "الأراضي المحتلة" ويَعرف ساستهم أنّهم سيتجاوزونهم بعد بضعة عقود.
وقد أدركوا أنّ "دياسبورا" فلسطينيةً جديدةً صارت فوق طاقة العالم على احتمالها.
كان أبو مازن يجيب على الأسئلة:
"إننا نريد دولةً مستقلةً كباقي شعوب الأرض التي تبحث عن الاستقلال"
كانت الاتصالات غير الرسمية مع اليهود والإسرائيليين قد بدأت منذ سنين، وقد التقى أبو مازن وأبو إياد وأبو عمار شخصيات وأكاديميين ووفودا إسرائيلية، فمثلاً وأثناء الاجتياح حضر إلى بيروت "يوري أفنيري" رئيس صحيفة "هاعولام هازيه" الذي كان محارباً في "إتسل" عام 1948م، ثم اقتنع أنْ لا بديل عن السلام مع الفلسطينيين فأسّس حركة السلام الآن، وحينما سأل أبو عمار عن السلام قال: "إننا مستعدون للسلام على أساس قرارات الشرعية الدولية كلها".
أصدرت المنظمة الدولية عدّة قرارات حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كان أولها عام 1947، وهو قرار التقسيم رقم 181 الذي قامت إسرائيل على أساسه، وحتى الآن لم تقم الدولة الفلسطينية التي أقرَّتها المنظمة الدولية والتي أعطت للفلسطينيين نصف فلسطين تقريباً.
القرار الثاني هو القرار رقم 194 القاضي بعودة اللاجئين إلى أرضهم لمن يرغب منهم والتعويض لمن لا يرغب.
لهذا فإن إسرائيل تصاب بالسعار كلّما تحدّث المحاورون الفلسطينيون عن القرارات الدولية.
نصف فلسطين وعودة أربعة ملايين لاجئ، فيصبح عدد الفلسطينيين أكثر من ثمانية ملايين فلسطيني. إنها الكارثة.
يقول أحمد مجدلاني (الأمين العام لجبهة النضال الوطني):
"الرئيس محمود عباس لديه حساسية عالية اتِّجاه قضايا اللاجئين وقضايا أبناء شعبنا الفلسطيني في الشتات، وربّما يعود ذلك ليس لحسّه السياسي المفرط اتجاه قضايا شعبنا في كلّ مكان، وإنّما أيضاً لكونه من جيل النكبة، ومن الجيل الذي عايش نكبة الشعب الفلسطيني عندما خرج من صفد إلى سوريا عام 1948م، وعاش التداعيات والآثار التي تنعكس نفسياً، اجتماعياً، اقتصادياً، وسياسيا على الفلسطينيين وعلى أبناء شعبنا في الشتات".
يقول كريم بقرادوني (وزير ورئيس سابق لحزب الكتائب اللبناني):
"نحن نعرف تماماً أنّ هذا الرجل يحمل السلام وليس البندقية، ولكن شروط السلام التي يحملها قاسيةٌ جداً على الإسرائيليين، وأنا أعتقد أن الإسرائيليين يُفضّلون محاورةَ شخصٍ آخر غير أبو مازن، ويفضِّلون التعاون مع المتطرفين الفلسطينيين إذا شئت أو المتشددين، وذلك أسهل عليهم من مفاوضة أبو مازن، لأنّه صورة وجه سلام، يحمل شروطاً مقبولةً من الرأي العام الدولي ولكنها شروط قاسية جداً على إسرائيل".
يؤكِّد محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"هناك أشياء لا أستطيع التنازل عنها، القدسُ الشرقيّةُ عاصمةٌ لفلسطين، موضوع اللاجئين على الطاولة، فهناك 6 ملايين لاجئ يبحثون عن مصيرهم حسب مبادرة السلام العربية، الحدود مع الأردن هي حدودي، الاستيطان غير شرعي من أوله لآخره، وهذا ميثاق جينيف الأول والثاني والثالث والرابع الذي ينص على أن دولة الاحتلال يجب أنْ لا تنقل سُكّانَها للأرض المُحتلة وأنْ لا تُخرِجَ سكان الأرض المحتلة من أرضهم، لكن إسرائيل عملت العكس وأتت بسكّانها وطردت سكَّانَنا.
قالوا لن نعترف، فقلنا نعم!، ولن نتفاوض فقلنا نعم!، وأنَا لمن أشكي؟ فقلنا للأمريكان أنتم لم توقفوا الاستيطان ولم تجدوا حلّاً، فذهبتُ إلى مجلس الأمن، وأغلقتم أمامي الطريق، وحصلنا على 8 أصوات، فأنا الآن ذاهبٌ إلى محكمة الجنايات الدولية، وهدّدوني (قالوا بِدْهم يوخدوك ما انت كمان رئيس دولة... قلتلهم أنا أول واحد بروح بس راح آخدكم واحد واحد)، طبعاً الأمور الآن مِتْلَخْبِطة وأصيب الأمريكان بالجنون، ولكن أنا من حقّي أن أستعمل كل الطرق القانونية للوصول إلى حقّي وبالطرق السلمية".
كانت الانتفاضة تدخل عامها الثاني بثبات، والحرب العراقية الإيرانية تضع أوزارها... وفجأة، تصاعد العداء بين بغداد ودول الخليج. اتهم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الملكَ الراحل فهد بن عبد العزيز بأنّه يريد إفلاس العراق لأنَّه أسْقَط سعر برميل النفط إلى ستة دولارات، والعراق ينوءُ تحت عبء ديون تصل إلى مليارات الدولارات.
في تلك الفترة كانت العلاقة بين أبي عمار وصدام في أوج توافقها... فجأة اندفع الجيش العراقي وغزا الكويت في 2 آب 1990م، فتوقّف كل شيء.
يقول أبو مازن:
"لسببٍ أو لآخر، صُنّفنا على أننا مع صدّام حسين، وهذا اللُّبسُ الذي حصل في موقفنا وضعنا في مأزق، وأقول إنّ الحق مع إخوتنا الخليجيين والكويتيين، لماذا لم تقفوا مع المظلوم والمعتدى عليه، فخسرنا كل علاقتنا مع دول الخليج ومصر، ولا أخفي سرَّاً إذا قلت إنّ موقفي كان ضد الاحتلال، وكان موقفي معلناً وقتها، ولكن أنا واحد من القيادة، هذه القضية ساعدت أن نُعيد العلاقة مع أشقائنا في الكويت، والحمد لله أعيدت تماماً".
اجتمع العرب وقرّروا إدانة الغزو العراقي للكويت. تردّد أبو عمار ورفضت اليمن والأردن وتونس إدانة بغداد، وانقسم العالم العربي بين مؤيّد للعراق ومعارض له.
كانت إسرائيل قد اغتالت بطل الثورة الفلسطينية وأحد أبرز قادتها "الشهيد القائد أبو جهاد خليل الوزير" في منزله بتونس بعد تحميله مسؤولية الهجوم على مفاعل ديمونة عام 1988م.
وأمام هول المشهد العراقي في الكويت تراجع الاهتمام العالمي بالانتفاضة فخفَّ وهجُها.
شكَّل َالرئيس الأمريكي جورج بوش ائتلافا دوليّاً لإخراج القوات العراقية من الكويت التي شُرّد سكانها منها. القيادة والشعب.
عشيّة "عاصفة الصحراء الأمريكية"، أقدم أحد عملاء "أبو نضال" على اغتيال القائدين الشهيدين أبو إياد وأبو الهول في تونس. كان غدراً مزدوجاً ومروّعاً.
حمّل حكّام الخليج الفلسطينيين المقيمين في دولهم مسؤوليةً جسيمةً، واتَّهموا الجالية الكبيرة في الكويت بالتواطؤ مع صدام.
رفض أبو عمار ضرب العراق، فاتُّهم بالموافقة على غزو الكويت. لا يعرف أحد بالضبط المداولات التي دارت في القيادة الفلسطينية حول تلك الأزمة... لكن تصريحات بعض القادة الفلسطينيين ومنهم أبو عمار وجورج حبش توحي بالرهان على العراق الذي أعلن أنه "سيمطر إسرائيل بالصواريخ ".
.. في بداية العام 1991، كان الائتلاف الدولي وعموده الفقري الولايات المتحدة قد أنهى استعداداته العسكرية وبدأت الطائرات والصواريخ تدك العراق والقوات العراقية في الكويت... كان المشهد مخيفاً، آلاف الدبابات والعربات والمدافع المحترقة في صحراء الكويتعشرات آلاف الشهداء، عشرات آلاف الأسرى العراقيين، لقد سُحق الجيش العراقي.
دُفعت القضية الفلسطينية إلى الخلف وبدا وكأنّها خرجت من اللعبة. قرّر الرئيس الأمريكي جورج بوش باعتباره صار زعيم العالم عقد مؤتمرٍ "في مدريد" لحل قضية الشرق الأوسط، فدعا ومعه الاتحاد السوفييتي -الذي كان يحتضر-والأمم المتحدة إلى مؤتمرٍ دوليِّ في مدريد للسلام في الشرق الأوسط.
يقول د. محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"في تلك الفترة بدأ الحديث عن مؤتمر مدريد الذي سموه المؤتمر الدولي، وعن دخول الفلسطينيين بشكل أو بآخر، بمعنى، ألا يجوز أنْ يكون في الوفد أحدٌ من القدس أو أحدٌ من منظمة التحرير، وأنْ نكون جزءاً من الوفد الأردني الفلسطيني وقبلنا. قيل لنا: طيّب كيف تقبلون؟ فقلنا أنْ نكون بالداخل أفضل من أن نكون بالخارج، عندما تكون بالداخل تستطيع أنْ تعمل، أمّا إذا كنت بالخارج فلن تستطيع عمل شيء، فكانت النتيجة خلال المفاوضات اشتراك "فيصل الحسيني" من القدس، ومنظمة التحرير كانت مرجعيتهم علناً".
يتبع...
مواضيع ذات صلة
قوات الاحتلال تهدم مزرعة دواجن في قرية شوفة جنوب شرق طولكرم
انطلاق أعمال الاجتماع الطارئ للجامعة العربية لإصدار موقف عربي من قرار "الكابينت" الإسرائيلي الأخير
رام الله: مؤتمر يوصي بتعزيز خدمات رعاية كبار السن
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,045 والإصابات إلى 171,686 منذ بدء العدوان
الاحتلال يحتجز شقيقين وعددا من المتضامنين الأجانب في ترقوميا غرب الخليل
الاحتلال يعتقل شابا من بلدة الطور شرق القدس المحتلة
كندا تندد قرار سلطات الاحتلال توسيع سيطرتها على الضفة الغربية