الجزء العاشر
"التغريبة الفلسطينية"
أما آنَ لهذا الترحال من آخر...!
كان أبو عمار حريصاً على مشهد الكبرياء الفلسطيني فخرَج إلى أثينا.
يقول د: محمود عباس -رئيس دولة فلسطين:
"لقد عرَفتُ بطريقتي أنهّ (سيصير كمّاشة) على لبنان ويدخلوا إلى بيروت، ويعملوا (كماشة) على الفلسطينيين هناك، فبعثت الرسالة لأبي عمار وقلت له: سيُفرَض عليكم حصارٌ صعبٌ وقاسٍ، وفعلاً صار الحصار وبدَأْنا نبحث عن حلول، فخطر ببالنا تونس، فبعثتُ رسالةً لسفيرنا بتونس: هل يمكن أن يقبلنا التونسيون على أراضيهم؟ فقالو أهلاً وسهلاً. وهل تقبلون قيادة فتح فقط؟ قالوا: نقبل كلَّ من يأتي معكم".
كان أبو مازن ينتظره، فتعانقا طويلاً، وأبْلَغَه أنَّ الرئيس بورقيبة قرَّر استقبال كلّ من يرغب من المقاومة الفلسطينية بالقدوم إلى تونس بدون قيد أو شرط، ولهم كامل الحرية السياسية.
صعد أبو مازن وأبو عمار إلى الطائرة معاً وهبَطا في مطار قرطاج، ليتفاجأ باستقبالٍ جماهيريٍّ لم تشهده تونس، وبغابةٍ من الأعلام الفلسطينية، وبصور أبو عمار تملأ العاصمة، ثم نزلا معاً في مجمع "سلوى" السياحي في حمّام الشط. من تونس بدأت الثورة الفلسطينية رحلةَ العودة إلى فلسطين.
يقول د: محمود عباس (رئيس دولة فلسطين):
"لقد كان ياسر عرفات شخصيةً فريدةً من نوعها، كرَّس حياتَه كلّها للعمل الوطني الفلسطيني، عندما ذهبنا إلى تونس يعني (المنفى)، قال الجميع إنَّ الثورة انتهت، ولكن ومنذ اللحظة الأولى بدأ أبو عمار الاتصالات والمحادثات هنا وهناك، بل وذهب سرّاً من قبرص إلى طرابلس عن طريق البحر".
تقول د. حنان عشراوي (عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية):
"كان أبو عمار يُعَرَّف دائماً على أنّه الوالد، لأنَّه هو أب القضية الفلسطينية، ولأَنّه رمز، فكان يتعامل مع القضية باعتبارها قضيةً شخصية".
بعد أسبوعين، ارتكبت الميليشيات اللبنانية بغطاءٍ إسرائيليٍّ كامل جريمة العصر في صبرا وشاتيلا، فصُدم العالم بأسره، وخرجت التظاهرات حتى في تل أبيب تندِّد بالجريمة المروِّعة، فسقط شارون على إثْرِ انكشاف دوره المُجْرم في المجزرة.
عُقد المجلس الوطني الفلسطيني في قصر الصنوبر في الجزائر خريف 1982م، ويومها، ألقى الشاعر الكبير محمود درويش قصيدته الرائعة "مديح الظل العالي"، وصاحَ وسط تصفيقٍ مدويٍّ: "ما أضيق الدولة.... ما أوسع الفكرة". صدق محمود درويش، فالثورة لا حدود لها، وقد حطَّ بساطُها الممزَّقُ في المنافي البعيدة، ولكن لا بد من "دولة" ولو على شبرٍ من فلسطين لتحط فيها الثورة، وتستأنف رحلة الإلياذة الفلسطينية من جديد.
ماذا نريد؟ نريد دولةً فوق أيّ شبر من فلسطين. نريد تطبيق أيّ بندٍ في البرنامج المرحلي. كان السوفييت يوضِّحون لنا دائماً أن القرار "242" شيكٌ بيدكم بإمكانكم استخدامه، ولكن انتبهوا، قد يأتي يومٌ ويُصبح "شيك بلا رصيد". قال أبو مازن:"إذن ليبدأ هجوم السلام".، وجَمَ الجميع، ثم وافقوا.
تقول د. حنان عشراوي -عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية:
"إنَّ التزامَ المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988م بقبول حلِّ الدولتين والقانون الدولي أساساً لهذا الحل، وقبول المفاوضات كأسلوبٍ سلميٍّ للوصول إلى هذا الحل، كان تحوَّلاً جذرياً في طريقة التعاطي مع حركة التحرّر. إن التحرّر انطلق من فكرة وممارسة العمل، الكفاح المسلح، والثورة المسلحة، نحو الثورة السياسية، أو لنقل نحو الاشتباك السياسي، واللجوء إلى القانون الدولي والمجتمع الدولي والتي أصبحت هي العنوان الآن".
ولكن هجوم السلام الفلسطيني كان يحتاج إلى جهة مقابلة تلاقيه. قال رونالد ريغان رئيس الولايات المتحدة وهو يشاهد خروج ياسر عرفات من بيروت: "إنّها أسعد لحظة في حياتي". ثم أعلن أن السلام في الشرق الأوسط، لا بُدَّ أنْ يلحظ حلَّ المشكلة الفلسطينية. لكن الدبلوماسية الأمريكية كانت لا تزال أسيرةَ تعهّد "كيسنجر" بعدم إقامة أيِّ اتصالٍ مع منظمة التحرير، مع أن الاتصالات الأمريكية كانت معروفةً أثناء الحرب الأهلية مع ضباط الـ "سي أي أيه "، والتي أدّت إلى حماية الدبلوماسيين الأمريكان في بيروت ومساعدة أُسَرِهم على الخروج بأمان.
يقول د. محمد اشتية (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح):
"منذ عام 1988م في المؤتمر الوطني الخامس عشر الذي عقد في الجزائر، قدَّمت القيادة الفلسطيني التنازل الكبير وهو قبول القرار رقم 242 وحلِّ الدولتين، ومنذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا لم يتنازل أبو عمار أو أبو مازن عن (سم) واحد من أرض فلسطين، والتمسّك بالثوابت الوطنية المتمثلة بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وحق اللاجئين بالعودة".
يقول كريم بقرادوني -وزير ورئيس سابق لحزب الكتائب اللبناني:
"إنّ مسار أبو مازن من البدايات ولغاية الآن يقوم على فكرةِ بناء الدولة والدولة الديمقراطية، حيث لديه تصوّرٌ واضحٌ عن الدولة الفلسطينية، حيث كان من الصعب في وقت الثورة في الثمانينيات أن تقول إن الحل بالدولة الفلسطينية، في الوقت الذي كانت تتصارع الدول باسم القضية الفلسطينية، فكان من الصعب وقتها أن يقف إنسانٌ ويقول: الحل أنْ نذهب إلى دولة فلسطينية كما تصوّر أبو مازن".
يقول ميخائيل بوغدانوف -نائب وزير الخارجية الروسي:
"بعد دورة المؤتمر الوطني في الجزائر في العام 1988م، اتّخذ القرار بإعلان الاستقلال بقيادة القائد الفلسطيني ياسر عرفات، واعترفنا بالدولة الفلسطينية، وكان لهذا الاعتراف نتائج سياسية، مثل تحويل مقر منظمة التحرير الفلسطينية في موسكو إلى سفارة واعتماد سفير، والاعتراف بالرئيس الفلسطيني رئيساً شرعياً".
كان الثمن هو الاعتراف بالقرار "242"، والتفاوض على أساسه، أيْ على الضفة وغزة، لإقامة دولة فلسطينية، وكان لهذا الثمن تداعيات لا يمكن تجنبها، وهو أن يقول أبو عمار أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إنَّ منظمة التحرير ضد الإرهاب.
كان ذلك بعد أخذٍ ورد، وأحداث كثيرة، كان أولها انشقاق العقيد أبو موسى وأبو خالد العملة وتحالفهما مع أبو نضال، والحرب التي دارت بين قوات فتح والمنشقين عنها، والثاني خروج أبو عمار مع قوات فتح من طرابلس، وثالثها القطيعة مع سورية، والتقارب مع الأردن وفك ارتباطه مع الضفة الغربية باعتبارها مسؤولية منظمة التحرير، وهي أحداث يحتاج كلّ منها إلى مؤلَّف خاص به لما سببته من آلام وخسائر لجميع الأطراف.
يقول فيتستسلاف ماتوزوف رئيس جمعية الصداقة الروسية مع البلدان العربية:
"عندما كان المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في العام 1988م، كان هناك خطرٌ جِدّيٌّ على القضية الفلسطينية، فإما أن تبقى منظمة التحرير أو لا، لقد كان الصراع كبيراً، والانقسام واردٌ في ظلِّ وجود قوىً دوليةٍ تشجِّع هذا الانقسام، وتسعى إلى عدم السماح للفلسطينيين بالتوحّد والمحافظة على قوتِّهم، بغض النظر عن التيارات الأيديولوجية".
ثم كانت المفاجأة، اندلاع الثورة الشعبية الفلسطينية "الانتفاضة" في الضفة وغزة في كانون الثاني عام 1987م، التي بَهَرت العالم بشجاعة أطفالها ونسائها وشبّانها. ثورةُ الأَكُفِّ المفتوحةِ والمقاليع والرايات الملوِّحة بمواجهة الدبابات والرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز والاغتيالات والاعتقالات العشوائية.
يقول د: محمود عباس رئيس دولة فلسطين:
"اندلعت الانتفاضة الأولى بعد أن قامت قوات الاحتلال بالاعتداء على بعض الشباب في قطاع غزة وقتلت بعضاً منهم، وانتشرت بعد ذلك وأصبحت تُسمَّى انتفاضة الأطفال أو انتفاضة الحجارة. لقد كانت محرجةً جدّاً لإسرائيل، لأنَّها قامت بقتل الأطفال الأبرياء، لقد ابتدعت هذه الانتفاضة أفكاراً سياسيّةً أخذناها في عام 1988م، كالاعتراف بالقرار رقم 242 والدولة الفلسطينية، ولولا أنْ كان هناك انقطاع لهذه الانتفاضة لكانت من أفضل الأفكار التي تُحرج إسرائيل، ومع ذلك فقد كانت انتفاضة الحجارة منارةً لنا".
تقول د. حنان عشراوي -عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية:
"كانت الانتفاضة الأولى تُعبّر عن إرادة وعنفوان الشعب الفلسطيني، لقد فضحت منطقَ القوةِ والهيمنة والعَسْكرة التي استخدمتها إسرائيل، وأظهرت الوجْهَ الإنسانيّ المشرق للشعب الفلسطيني، وأدَّت إلى تفعيل الحل السياسي للقضية الفلسطينية".
كانت إسرائيل تتوقّع أسبوعاً أو شهراً على الأكثر، لكن"الانتفاضة" استمرّت وتصاعدت، ومن ثم أعلن الإسلام السياسي الفلسطيني عن حضوره عبر "حركة حماس"، وقبلها "الجهاد الإسلامي"على نطاق أضيق. أعيَتْ شجاعة الشبان الفلسطينيين جبروت العدو، فها هو يواجه الثورة التي شرَّدها في أصقاع الأرض، في القدس ورام الله ونابلس والخليل وغزة، لا بل إنّها امتدّت إلى الناصرة وشفا عمرو ومعظم أراضي 1948 في وقفات تضامنية شجاعة.
كانت "القيادة الموحدّة للانتفاضة" تدير معاركها الشعبية السلمية بكفاءة، من المظاهرة إلى الإضراب إلى الاعتصام إلى رمي الحجارة والمقاليع.
ذات يوم على كورنيش المزرعة، كانت الطائرات الصهيونية تصبُّ حممها على "جمهورية الفاكهاني" في اجتياح عام 1982م، بدا الأمْرُ وكأنّها تريد إبادة الحيّ بمن فيه. كانت حشودٌ تقف على كورنيش المزرعة وتنظر إلى الطائرات بقلق، ثم وقفت امرأة فلسطينية بتحدٍ وصرخت وهي تنظر إلى الطائرات المغيرة وتربُتُ على بطنها، اقصفوا ما شئتم، اقتلوا ما شئتم، أنتم تقتلون ونحن ننجب، فكم ستقتلون؟، كم ستقتلون؟
تلك هي المسألة، لقد اكتشفت إسرائيل أنّ الحالة الديمغرافية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني تُهدِّدها بمصير مظلم، وها هي الملايين تنفجر في الضفة وغزة وأراضي 1948م، فإلى متى؟ لعلَّ هذه العبارة تردَّدت كثيراً على ألسنة المفاوضين الفلسطينيين الذين كان يُشْرِف عليهم "أبو مازن" منذ اللقاءات الأولى مع السفير الأمريكي بللتيروفي تونس. كانت القيادة الفلسطينية قد اتَّخذت قراراً نهائياً بالاعتراف بالقرار "242" والتفاوض مع إسرائيل على أساسه، فيما عُرِف بهجوم السلام في المجلس الوطني عام 1988م.
ولكنَّ الإدارة الأمريكية كانت تصرُّ على تصريح واضحٍ بنبذ الإرهاب في الجمعية العامّة للأمم المتحدة. رفضت أمريكا إعطاء أبو عمار "فيزا" للدخول إلى الولايات المتحدة بِحُجّة أنّه "إرهابي"، لكنَّ هذا النفاق الأمريكي لم ينطلِ على أحد، فقد أعطته فيزا عام 1974م، ووقف أمام الجمعية العامّة حيث أَطْلق جملته المشهورة: "إنني أحمل البندقيةَ بيد... وغصنَ الزيتون بيد. فلا تُسْقِطوا غصنَ الزيتون من يدي".
يقول د. محمود عباس رئيس دولة فلسطين:
"في عام 1989م، عندما تبيّنت أمريكا أننا نريد السلام بعد قبولنا بالقرارين 242 و338، رفض الأمريكان أن يعطوا أبو عمار فيزا لدخول الولايات المتحدة، وخاصَّة بعد أن رَفَضَ الطلبَ الأمريكي أن ينبذ الإرهاب، وعندما انتقلت الجمعية العامّة إلى جنيف، ذهب وألقى خطابَه هناك، وفي المؤتمر الصحفي في جنيف قال نحن ننبذ الإرهاب؛ واكتفوا بهذا".
ويضيف د. محمود عباس - رئيس دولة فلسطين:
"كانت فترةُ استلامٍ وتسليم ما بين ريجن وما بين بوش، فكان الأربعة (ريجن وبوش ووزراء خارجيتهم) جالسين في البيت الأبيض، وقالوا نحن نبدأ حواراً مع منظمة التحرير الفلسطينية، وبدأ الحوار من خلال سفيرهم في تونس، وكان من طرفنا الأخ أبو جعفر مدير الدائرة السياسية في المنظمة، وحكم بلعاوي وياسر عبد ربه، واستمرَّ الحوار فترةً من الزمن، وأحياناً كنت أشارك في هذا الحوار معهم، ولكن بشكلٍ غير رسمي، إلى أن حصلت عملية في تل أبيب، وطُلب مِنَّا أن ندين هذه العملية أو أن نقول إننا سنحقق في هذه العملية. في الحقيقة ونتيجة المعادلة العربية لم نُدِن ولم نحقِّق، فانقطع الحوار بيننا وبين أمريكا".
بعد ذلك بربع قرنٍ وقف الرئيس محمود عباس أمام الجمعية ذاتها وردَّد عبارة أبو عمار: "لا تُسقطوا غصن الزيتون من يدي".
كان مؤتمر الجزائر قد اتّخذ القرار، فانتقلت الجمعية العامّة من نيويورك إلى جنيف للاستماع إلى خطاب أبي عمار، فأعلن قبوله التفاوض مع إسرائيل على أساس القرار "242" وقرارات الشرعية الدولية، ولكنّه لم يستطع لفظ كلمة "نبذ الإرهاب"، فرفضت الإدارة الأمريكية الاعتراف بالمنظمة حيث رَهَنَتْ اعترافها بتلك العبارة.
تَمَّ تدارك الأمر في مؤتمر صحفي، وحين سُئِل أبو عمار عن ذلك تردّد، فقال أحد الأخوة: "منظمة التحرير تنبذ الإرهاب"، فقال أبو عمار:"زي ما قال الأخ "نبيل أبو ردينة". قَبِل الأمريكان بذلك، واعترفوا بمنظمة التحرير، وبدأت المفاوضات الأمريكية الفلسطينية مع السفير "بللتيرو" وقد التقاه أبو مازن في بيت السفير الفلسطيني في تونس "حكم بلعاوي".
لا شك أن أبو مازن يتمنَّى من سويداء قلبه أن يستعيد كلَّ حبّةِ رملٍ من فلسطين، ويرغب أن يعود إلى "صفد" وكلُّ أهله معه، لكنّ التجربة الفلسطينية في صعودها وهبوطها علَّمَتْه الكثير، فأدرك ببصيرة نافذة، أنّ ميزان القوى الدولي لا يسمح في أحسن الأحوال إلّا بدولةٍ في الضفة والقطاع.
يقول د. محمود عباس -رئيس دولة فلسطين:
"في عام 1988م، فكَّرْنا بعد العمل الطويل السياسي والعسكري والثوري أنّه لا بدَّ أن نتواءَم مع الشرعية الدولية، كيف نتواءَمْ؟ بأن نعترف أو نخترق الخطوط الحمراء بِما يتعلَّق بالاعتراف بالقرارين 242 و338؟؟، (هذا نوعٌ من الكفر)، لكنْ لم يكن هناك طريقةٌ أمامَك لتدخل الشرعية الدولية غير أن تعترف بالشرعية الدولية، فبدأنا نفكِّر كيف "نِعْملها"، فعملنا بنفس الوقت نوعاً من التزاوج بين هذا الكلام وبين إعلان الاستقلال، أو إعلان الدولةِ المستقلة في المنفى، وكتب محمود درويش، رحمه الله الخطابَ بطريقة (إنّو شو ما كان فيها رح توافق عليها وتصفِّقْ له)، فقُبل الاقتراح بالاستقلال ومرَّ معه القبول بالقرارين242 و338، وهنا دخلنا محطةً جديدةً وهي محطة الشرعية الدولية".
" معركة العقـل "
يحتارُ المرءُ أحياناً في مآلاتِ الصراع الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية، وقِلّةٌ هم مَنْ نجوا من تلك الثنائية الغريبة والتي يمكن طرحها كما يلي:ألا يحق للفلسطينيين البحثَ عن دولة؟ لم تُخفِ "فتح" يوماً أنّها في قلب معركتها منذ رصاصتها الأولى عام 1965م طرح السؤال كيف يصل الفلسطينيون إلى هذه الدولة ؟،والإجابة: بالكفاح المسلّح، هكذا كانت الإجابة حتى خروج المقاومة من بيروت عام 1982م. هل يَسْمح توازن القوى الغربي والعالمي والدولي لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر؟، وإذا لم يكن يسمح، فماذا نفعل؟، هل نبقى صامتين يتآكلنا اليأس.
في لقاء له مع صحيفة الشرق الأوسط عام 1994م،نَشَره في كُرّاس بعنوان "الاتِّفاق في عيون المعارضة" قال أبو مازن:"إنّ مُحَصِّلةَ الصراع الفلسطيني العربي – الإسرائيلي، طوال مائة عام، أدَّت إلى وصول الشعب الفلسطيني إلى وضعٍ باتت فيه مسألةُ الحفاظ على وجوده الوطني القومي فوقَ جزء من أرضه التاريخية، مَسألة يتوقَّفُ على إنجازها مُجمل وجود ومستقبل الشعب الفلسطيني".
إنّ المسؤوليةَ السياسيّةَ والتاريخية تِجاه شعبنا فرضت علينا أن نتعلَّم قراءة الواقع بشجاعة وطنية، لا أن نستمر في تجاهل واقع الشعب ومصلحته والبحث عن العدالة المطلقة. إنّ الذين لا يفهمون المعنى العميق لغياب الوطن والهوية عند الفلسطينيين، لن يفهموا أبداً لماذا أقدمنا على هذه المساومة التاريخية مع الإسرائيليين.
ويُعدِّد أبو مازن خمسة أسباب للقبول "بأوسلو" وهي: طبيعةُ الاستيطان اليهودي في فلسطين وخصوصيته النادرة، فهو استيطان إحلاليٌّ، يعمل علىاقتلاع شعبٍ بكامله وإحْلال آخر محلّه. وامتلاك إسرائيل لأسلحة الدمار الشامل، وارتباط هذه الدولة الإستراتيجي بمصالح الغرب، والفشلُ العربيّ في مواجهة المشروع الصهيوني تاريخياً، والأوضاع التي تُهدِّد الشعبَالفلسطيني واستمرار مأساته.
لكلِّ هذه الأسباب، ونتيجة لترابطها مع بعضها البعض، أَقْدمنا على تطوير فهمنا السياسي، وأصبحنا نُدرك الآن أنّ الصراع يأخذُ أشكالاً جديدةً ثقافيةً وفكريةً وسياسيةً بأساليب سلمية للوصول إلى حقوقنا، وأنّ الفكرَ السابق الذي كان ينطلق من حتمية إزالة إسرائيل بالسلاح، لا بُدّ من مراجعته، ونحن الآن ندخل مرحلةً جديدة.
لهذه الأسباب، قرَّرت منظمة التحرير الدخول في مفاوضات مع العدو التاريخي وجهاً لوجه، وكان الحاجز أمام هذا الدخول "أمريكياً" هو الاعتراف بالقرارات الدولية، وخاصة "242"، الذي يضمن أمن إسرائيل وحقّها بالوجود. أيْ أنَّ القيادة الفلسطينية اقتنعت أنّ المسار التاريخي وتوازن القوى لا يوصل إلّا إلى احتمال إقامة دولةٍ فلسطينية على الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967م، أيْ الضفة وغزة، دون أن يعني ذلك التخلّي عن بقية الحقوق،وعلى رأسها "حق العودة" المؤكّد بالشرعية الدولية بالقرار "194"، والذي لم تطالب الولاياتالمتحدة بشطبه، بل تُوافق على تأكيده في جلسات الجمعية العامّة كل عام.
كان للمعارضة الفلسطينية التي توزَّعَت في أكثر من اتّجاه رأيٌ آخر، فهي ترى أن الكفاح المسلح لا يزال صالحاً كرأس حربة لاسترداد "ما يمكن" من الأرض المغتصبة، وأن البعد القوميّلا يزال "عاملاً" يُمكن الاعتماد عليه لتحصيل الحقوق، وكذلك البعد "الإسلامي"، مع عدم إغفال بقية الوسائل الأخرى "الكفاح السياسي والانتفاض السلمي". لا يمكن لكاتب محايد أن يرفضَ موقفَ الطرفين بالكامل.
يقول د. طلال ناجي:
"نحن لا نختلف على تحرير فلسطين "الهدف"، بل نختلف على الوسائل للوصول إلى "الهدف".
كانت قيادة منظمة التحرير قد أجرت حوارات الوحدة الوطنية مع الديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني والجبهة الشعبية، وتوصَّلوا إلى اتِّفاق مكتوبٍ بالعودة إلى مؤسسات الشرعية الفلسطينية باعتبارها المرجع للجميع.
يقول أبو مازن:
"لا نستطيع أنْ نُنكِر أبداً أنّ قضية فلسطين تخصُّ العرب والمسلمين والمسيحيين أيضاً، وذلك لأسبابٍ دينيةٍ وتاريخيةٍ وقوميةٍ وحضارية، وإنّالاهتمام الذي يُبديه هؤلاء يُعَبِّر عن هذه العلاقة، وكذلك فإنّ التضحيات التي قُدِّمت من أجلِها لا يستطيع أحدٌ أن يتجاهلها، فالمعارك العربية الإسرائيلية كافّة لعبت دوراً هامّاً في تحقيق مسألتين: ساهمت بهزيمة فكرة إسرائيل الكبرى،وأكَّدت استحالة السلام مع العرب بدون حل القضية الفلسطينية".
في عام 1994م، عام اتِّفاق "اوسلو"، كان قد مرَّ "على اتِّفاق كامب ديفيد"المصري -الإسرائيلي أكثر من خمسة عشر عاماً، وكان الأردن يتفاوض معها لإنجاز اتِّفاق "وادي عربة"، وكانت سوريا تتفاوض معها في "واشنطن" لاستعادة الجولان.إذن، وبوضوحٍ تام، لقد سقط تحريم التفاوض المباشر حسب لاءات قمة الخرطوم، لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف. وبات واضحاً أن التفاوض، فالاعتراف، رهنٌ باستعادة بعض الحقوق المغتصبة.
كان لسانُ حالِ الفلسطينيين يقول:"لماذا يُنْكَرُ علينا ما يفعله غيرُنا".ونحن لا أرض ولا هويّة ولا دولة، أما أنتم ففي كل الحالات تستطيعون العودة إلى بيوتكم ودولكم وتنتظرون طويلاً، أمّا نحن فليس لنا مكان ننتظر فيه. لهذا لم يواجَهْ توقيع اتفاق "أوسلو" في البيت الأبيض بين الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي بذات الانفعالات الهائلة التي ووجِه بها "كامب ديفيد -المصري". ومع ذلك لم تكن القيادة الفلسطينية غافلةً عن مثالب "أوسلو". يقول أبو عمار لقيادي في حماس: "أنا أكثرُ الناس معرفةً بمساوئ أوسلو". ويقول أبو مازن: "هذاالاتفاق قد يوصل إلى الاستقلال، أو تكريس الاحتلال، وهذا يتوقّف علينا وعلى سلوكنا وأدائنا".
إذن، ثمّةَ إجماعٌ أن "أوسلو" محطة،ولعلّ من أهم تبريراتها أنّها تتيح العودة إلى جزءٍ من الوطن المغتصب، وتضع العالم أمام مسؤولياته للضغط على إسرائيل، لتحويل الاتِّفاق المؤقَّت بعد خمس سنوات إلى دائم، أيْ إلى دولة فلسطينية كما ينص الاتِّفاق. يرتفع صوتٌ معارِضٌ للاتِّفاق بغضب: هل هذا ما ناضلنا من أجله وقدَّمْنا على طريقه آلاف الشهداء؟ مرّةً أخرى نعود إلى "الحيرة" التي يقع فيها أيُّ مراقب نزيه للحدث الفلسطيني الملحمي. المنطق يقول، إنّ ما اغتصب يجب أن يعود لأهله كاملاً غير منقوص، والوقائع تقول إنّ تحقيق هذا الهدف في ظلِّ توازن القوى القائم هو مستحيل، وثمَّةَ من يقول، إذا كنّا لا نستطيع لأسباب كثيرة تحقيق ذلك، فلنترك الأمرَ للأجيال المقبلة، لكن الواقعيين وعلى رأسهم "أبو مازن" يَرَوْنَ أنَّ هذا المنطق هو عدميةٌ سياسية.
يتبع...