فلسفةُ الصبر.. الطريق إلى الدولة
الرئيس محمود عباس "أبو مازن"

الجزء السابع
يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"أنا ضد العمليات الخارجية، وخصوصاً خطف الطائرات التي كانت تؤلمني جدًّا، لأنها تقتل ناساً أبرياء وتحبسهم أو تفجر فيهم، ما القصة؟ ما هذا النضال؟ ومرّة فجِّروا أربع طائرات في الأردن!، فأنا ضد هذه العمليات الخارجية والداخلية ولست معها، أنا مع الكفاح المسلح، لكن عندما تسألني الآن أقول أنا لست مع الكفاح المسلح، أنا مع الكفاح السياسي".
عام 1970م، طرح "روجرز" مبادرته الشهيرة للزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وكان هدفها الأمريكي – الإسرائيلي إيقاف حرب الاستنزاف على جبهة القناة، وبالتالي على جبهة الجولان التي كانت تشهد حربها الاستنزافية. كان عبد الناصر يريد وقتاً لإدخال صواريخ "سام" إلى جبهة القناة، وكان "روجرز" يريد إنقاذ إسرائيل من هذه الحروب اليومية المرهقة، والتي كادت تؤدي إلى تآكل فورة النصر الإسرائيلي في حزيران عام 1967م.
لكنَّ المقاومة الفلسطينية رفضت المبادرة بصخبٍ مبالغ فيه، وشُتم عبد الناصر، وأهينت صوره في شوارع عمّان. ردّت الأهرام والإعلام المصري بعنف على "المقاومة" التي رأت أنّ المبادرة مدخلٌ لضربها. كانت الجبهتان الشعبية والديمقراطية على رأس تيار الغضب على عبد الناصر، فانكسر الزجاج المصقول بين الثورة وعبد الناصر/ لكن أبو مازن يؤكِّد:" أنا لست ناصرياً لكن عبد الناصر لم يفكِّر أبداً بالغدر بالثورة الفلسطينية".
يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"لا أعتقد أن عبد الناصر تآمر على القضية، ولكن ممًّا لا شك فيه –وأنا لست ناصريا بالمناسبة- أنه قبِلَ الحوار مع "روجرز"، ومشكلتنا نحن العرب أننا نرفض أيّ شيءٍ يُعرض علينا، ونقبله بعد 10 سنوات أو أقل، فقامت عليه الجماهير وشتمته، فحزن حزنا حقيقيّا، ولكن ليس بمستوى أن يرفع الغطاء، والدليل على ذلك التعاون مع ياسر عرفات في القاهرة مباشرة بعد أيلول، ولو رفع الغطاء لقال له (يلا الله معك مع السلامة)".
في أيلول عام 1970م، بدأ الصدام المؤلِم بين الجيش الأردني والمقاومة الذي سقط نتيجته آلاف الشهداء والجرحى من المقاتلين والمدنيين الفلسطينيين، وتم تهريب أبو عمار من عمّان إلى مؤتمر القمة في القاهرة، ثم خرجت المقاومة نهائياً من عمان إلى أحراش جرش وعجلون، إثر الاتِّفاق الذي جرى في قمة القاهرة التي شهدت نهايتها وفاة زعيم العرب في العصر الحديث جمال عبد الناصر. فشعرت الأمة وكأنها فقدت الأب الكبير الذي كان يأخذ بصدره همومها كلّها.
يقول طاهر العدوان- وزير الإعلام الأردني السابق:
"استوعبت إسرائيل الوضع الداخلي بشكل سريع مع تكرار العمليات الفدائية، أكثر من استيعاب الفلسطينيين والأردنيين، فقصفت داخل المدن مثل عمان والسلط، مما أدّى إلى نشوب حالة من التذمّر، إضافة إلى انتقال المقاومة من داخل الحدود إلى داخل المدن، وأدّى ذلك إلى محاولة المقاومة ممارسة السلطة، فكان –للأسف- لا بدَّ من الصدام، بالرغم من كل هذه الأسباب كان العامل الرئيسي للصدام هو أنه لا يمكن التعايش بين الثورة المسلحة والنظام القائم في الدولة".
يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"حدَثَت في (أيلول)جراحات كثيرة، ووجَّه العقلاء مثل أبو إياد وأبو اللطف نداءً عقلانيّاً، (نريد أن نوقف هذه الحرب)، واستلمنا الأمر حتى عقد المؤتمر الثالث في فتح، وانتُخِبْنا كلّنا كأعضاء في اللجنة المركزية، ومنهم أبو إياد وأبو اللطف، وأضيف لنا فيما بعد كمال عدوان وأبو صالح".
بعد خروج المقاومة من عمّان لم تستمرّ الهدنة الهشّة طويلاً، فقام الجيش الأردني بمهاجمة قوات المقاومة في أحراش جرش وعجلون، واستشهد قائد قواتها هناك عضو اللجنة المركزية في حركة "فتح" الشهيد الرمز "أبو علي إياد- وليد نمر حسين" الذي تخرَّج على يديه آلاف الكوادر والمقاتلين وخاصة في مركز تدريب "ميسلون " غرب دمشق.
كان مشهداً قاسياً حينما أخذ الغضب والخيبة بضع عشرات من الفدائيين إلى تجاوز نهر الأردن وتسليم أنفسهم للجنود الإسرائيليين. كانت لحظةً مؤلمةً لا تُنسى للشعب الفلسطيني ولكلّ العرب ولأحرار العالم الذين تضامنوا بقوة مع الثورة الفلسطينية الشجاعة والمحاطة بالأعداء من كل جانب. إن التاريخَ سوف يسجِّل ذلك الحدث الدامي ولن يغفل عمّا أحاط به. ربّما ارتكبت الثورة بعض الأخطاء، ولكن تصفيتها في الأردن كان خطأً جسيماً.
".. الثورة في لبنان"
كان مؤتمر "فتح" الذي عُقد في قرية حمورية بالغوطة الشرقية لدمشق صاخباً، أُلقيت فيه الاتهامات في كل الاتجاهات بسبب مآل الصراع الدامي بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية، لكنّ التسوية حصلت قبل أن يحصل الانفجار، وهذه إحدى التجارب التي استطاعت "فتح" تنميتها، بحيث تحصل التسوية قبل الانشقاق بلحظات.
بدأت قيادة فتح الانتقال إلى لبنان، ولم يكن وجودها فيه طارئاً، فقد كان "لفتح" وجودٌ في لبنان حتى قبل الانطلاقة، وكانت الحدود اللبنانية تشهد تسلّلات فدائية مبكرة.في بيروت صدرت صحيفة "فلسطيننا" التي كانت لسان حال حركة "فتح" قبل الانطلاقة بسنوات، وكان الشهيد "جلال كعوش" أحد الشهداء الأوائل الذي قضى تحت التعذيب في سجن المكتب الثاني اللبناني، أحد أولئك الفدائيين "المتسلّلين"، والذي لاقى استشهاده ضجةً عاليةً في لبنان وسوريا ولدى الأحزاب والقوى الوطنية في المنطقة.كان استشهاده إشارة إلى ما ينتظر المقاومة في لبنان، لكن العاطفة المتأجِّجة في الشارع اللبناني تجاه القضية والثورة الفلسطينية وظاهرة الفدائيين، شكَّلت في الواقع سوراً معنويا عالياً، بحيث بدت السلطة اللبنانية في كل صدام تخوضه مع المقاومة وكأنها تنفذ إرادة معادية أو تُكمل ما تمّ في الأردن.
كان الغضبُ يترسّخ في أعماق الشباب العربي المتطلِّع إلى العدالة والحرية وتحرير فلسطين، بل تحرير الأمة كلِّها من "كوابيسها". كان يتمثل على صورة ذلك "الفدائي"الذي انتشرت صوره ورسومه على جدران المخيمات وفي الأحياء الشعبية على هيئة فتى نحيلٍ أسمر قويّ البُنية، طويل القامة، يرتدي بدلةً مرقَّطةً ويلفُّ رأسه بكوفيه ولا تبدو إلا عيناه المتوقِّدتان كالجمر حماساً وثورة.
تسلَّم الجنرال "فؤاد شهاب" رئاسة لبنان عام 1958م، على إثْر "الثورة الناصرية"، ونزول المارينز في استعراضِ قوَّةٍ أمريكية على شواطئ بيروت، والتي انتهت بتسوية – ناصرية – لبنانية – برعاية عربيّة "مصر" ودولية – أمريكية – عُرِفت في لبنان " بالشهابية" – أيْ فترة رئاسة الجنرال شهاب وبعده الرئيس المثقّف "شارل حلو".
تلك التسويةُ أتاحت للمقاومة أن تتوصَّل إلى اتِّفاق بين منظمة التحرير والحكومة اللبنانية وقَّعه في القاهرة "رئيس منظمة التحرير الفلسطينية " ياسر عرفات " وقائد الجيش اللبناني العماد "إميل البستاني"، وكانت خلاصتهالاعتراف بحقّ المقاومة في مهاجمة إسرائيل عبر الحدود اللبنانية الجنوبية ومن منطقة العرقوب تحديداً، والتي عرفت في الصحافة العالمية باسم "فتح لاند"، وكذلك حق "الكفاح المسلح الفلسطيني" بضبط الأمن داخل المخيمات، على أن يتواجد الجيش اللبناني على مداخلها.هذا الاتِّفاق الذي نظَّم حضورَ المقاومة في لبنان أنهى عملياً عِدّة ثوابت لبنانية، أهمّها ما كان يُعرف في القاموس السياسي بـ"حياد لبنان"،باعتبار أنّ الجيش اللبناني ليس مهيَّأً لمجابهة إسرائيل التي تبحث عن ذريعة لاجتياحه حيث أنها منذ عام 1948م، لم تتوقّف عن مهاجمة قُراه،والاعتداء عليه بحجّة "المتسلّلين"، والحفاظ على تدفق "مياه الوزّاني والحاصباني" إلى "طبريا" وبألف حجةٍ وحجة، وهي في حقيقة الأمر وبوثائق لا تقبل الدحض تتلخَّص في:"إن إسرائيل تطمع بلبنان وبمد حدودها إلى ما بعد نهر الأوَّلي تبعاً لمفارق المياه حتى بيت جن السورية – حسب لودرميلك"، وبأنْ تكون الحدود الشمالية لإسرائيل هي الجبل الماروني – حسب بن غوريون، الذي كان يبحث منذ نشوء إسرائيل عن ضابط لبناني "ماروني" لاستخدامه معبراً لغزو لبنان، وهذا ما جرى عام 1978م، عبر الرائد العميلالذي شكَّلت له إسرائيل "جيشا" ودويلة تحت اسم "دولة لبنان الحر".
كان اتِّفاق الهدنة الموقّع بين إسرائيل ولبنان عام 1949م، على إثْر تلك الحرب التي شارك لبنان فيها مع بقية الدول العربيةيُنظم العلاقةَ بين الطرفين، وها هي تدَّعي "بأن لبنان" يخرق اتِّفاق "الهدنة" ويسمح للفدائيين بالتسلل عبر حدوده إلى "فلسطين المحتلة"، وفي الواقع لم تكن إسرائيل في قرارة نفسها منزعجة من هذه التسلّلات رغم ما توقعِه من خسائر في اقتصادها وجنودها، لأنّها كانت تُخطط منذ ماقبل قيامها لاغتصاب جنوب لبنان وتحويل "الكنز المائي – الليطاني والحاصباني والوزَّاني والدان وبانياس، إلى "فلسطين " الفقيرة بالمياه. ومن اطَّلَع على "الأدبيات الصهيونية" لكلّ الرعيل المؤسِّس " بن غوريون – جابوتنسكي – وايزمن.. إلخ، سوف يكتشف بلا مواربَةٍ الشرَه الصهيوني المسعور تجاه لبنان.
أدّى الحضور المسلح للمقاومة الفلسطينية في لبنان إلى صدامات مع الجيش اللبناني، وصَلت إلى حافة خطرة حينما وصلت إلى ما يشبه الحرب بين مقاتلي الفصائل في المخيمات والجيش اللبناني. لم يكن بإمكان الشارع العربي احتمال ضرب المقاومة مرّة أخرى، حتى أن سوريا أغلقت حدودها مع لبنان احتجاجاً على ذلك أكثر من مرة. لكن كل صِدام كان يؤدي عملياً إلى ترسيخ وجود المقاومة وتأكيد تبنيها من قبل "الشارع الوطني"، والذي أضيف إليه كلمة "والإسلامي" بعد اندلاع الحرب الأهلية عام 1975م.
لعلّ هذا كان ما يخشاه "أبو مازن" من تكرار التجربة الأردنية، وهذا ما اعترف به " محسن إبراهيم"، أكثر السياسيين اللبنانيين إخلاصاً للمقاومة ولفتح وقائدها أبو عمار شخصياً، الذي كان يؤكد دائماً "أنت يا أخ محسن منّا وفينا". يقول محسن إبراهيم: "لقد حمّلنا لبنان أكثر مما يحتمل".
تحت جناح المقاومة الفلسطينية تسرَّب المضطهدون في بلدانهموالهاربون من أنظمتهم، من العراق وسوريا ومصر والجزيرة العربية والأردن وحتى من المغرب العربي وإيران وتركيا.وإلى لبنان، بدأ يتوافد رموز الثورة العالمية من اليسار المتطرّف مثل كارلوس، مجموعة بادر – مايهنوف،الجيش الأحمر الياباني، الألوية الحمراء الإيطالية، وكذلك الجيش الجمهوري الإيرلندي، وحزب العمال الكردستاني، ومجاهدي خلق الإيرانية، والمجموعات الأخرى الناشطة ضد "شاه إيران".
لكن إلى جانب هؤلاء، نشطت دوائر الاستخبارات العالمية، الأمريكية والأطلسية والفرنسية والبريطانية وحتى "الموساد" تسرَّب إلى بيروت وحقَّق ضربات قاسية جداً، كان أبلغها اغتيال القادةِ الكبار الثلاثة في حركة "فتح" الشهداء كمال عدوان، كمال ناصر، ومحمد يوسف النجار.وكذلك كثَّفت المخابرات العربية العراقية والمصرية والسورية والأردنية والخليجية نشاطَها، فالملعبمفتوح، وحصلَت عمليات اختطاف وتصفية.
وانقسم الشارع اللبناني إلى شطرين: شطرٌ مؤيّد للمقاومة الفلسطينية يحتوي على طيفٍ واسع في الشارع والأحزاب القومية واليسارية والاسلامية التقليدية، ومنهم كثير من المسيحيين من المناضلين اليساريين والقوميين، ولمَعَت من بينهم أسماء ذات دلالة وخاصة في الفنون المسرحية والفنانين مثل مارسيل خليفه – زياد الرحباني – جان شمعون – روجيه عساف، وبينهم شعراء وصحفيون ومفكرون.
اختار أبو مازن البقاء في دمشق بعدما أوْكَلت إليه قيادة فتح مهمة الأمن لمدّة سنة، لكنه تخلّى عنها بمحض إرادته، فعادت إلى صديقه الحميم "أبي إياد"، قال:"فالأمن ليس اختصاصي ولا رغبتي".
لم يُفصح أبو مازن عن سبب بقائه في دمشق، بينما اندفع قادة الثورة الفلسطينية بحماسة إلى الساحة اللبنانية الجذّابة إعلامياً واجتماعياً.فبيروت عاصمة الصحافة والثقافة العربية، والقوى الوطنية اللبنانية استقبلت الفدائيين منذ الانطلاقة بترحاب منقطع النظير.شهدت شوارع بيروت تظاهرات عارمة تأييداً للثورة وحماية لها على إثر الاحتكاكات الأولى مع الجيش اللبناني.
كان أبو مازن يخشى من تكرار تجربة الأردن في لبنان، وربّما خاف من أن تؤدي الاستقطابات اللبنانية الطائفية والسياسية إلى إدخال الثورة في دهاليز خاسرة.
وفي حوارنا معه أعلن أنه فضّل البقاء في دمشق لأنه خشيَ من الغوص في الساحة اللبنانية، التي أدّت فيما بعد إلى الانجراف في الحرب الأهلية اللبنانية، وهذا ما توقَّعته.
تسلّم ماليّة "فتح"، ولأوّل مرّة صار لفتح ميزانيات واضحة. لقد أمسكَها بقوة وشفافية.أتاح له الهدوء الدمشقي والخروج من صخب عمّان ومأساتها فرصةَ استعادة رغبته الجامحة بالقراءة والتثقيف.ومن الواضح أنها كانت خصبة من كمّ الدراسات والمؤلفات التي نشرها بعد عام 1980م. ومن الواضح أنّها لم تكَن بنت ساعتها، بل نتاج جهدِ سنواتٍ سابقة، وهيفي ذات السياق الذي شَغله منذ سنوات طويلة والذي يصب في جملة واحدة، "اعرف عدوك".
يقول د. زياد أبو عمرو- نائب رئيس الوزراء/ وزير الثقافة الفلسطيني:
"لا يعرف الكثيرون أنّ لديه أكثرَ من مئة كتابٍ ودراسةٍ وأوراق سياسية تُغطَّي مواضيعَ متعدّدة، نشر بعضَها، ولكن الكثير منها لم ينشر، وأريد أن أقول- َبحكم أنّه أُتيحت لي الفرصة للاطّلاع على بعضها، إنَّه لا يستطيع نشرَها الآن وهو رئيس، ولكن سيكون لها صدىً كبير عندما تُنشر، لأنّه عالَج ككاتبٍ ومفكّر ومؤرّخٍ ومثقّف العديد من القضايا، ووضَع آراءَه وخبرتَه في الكتابة والتحليل لمُجْمل القضايا الموجودة في المنطقة، فهذه الكتابات ستشكل إرْثاً مهماً في حياة "أبو مازن" وأيْضاً في حياة الشعب الفلسطيني.يهتم "أبو مازن" في الثقافة، وهو –كما قلت- مثقَّفٌ متعدُّد الجوانب يقرأ ويتابع يوميا، وتجدُ دائما أوراقاً في جيبه ليسجِّل عليها "الفكرة" حينما تخطُر في باله، ويضع الأوراقَ إلى جانبه –كما يقول لي- عند سرير نومه أحياناً، ويستيقظ في منتصف الليل ليكتب أفكارَه، وهذا يعني أن الكتابة تستحوِذُ على تفكيره بحكم خلفيته الأكاديمية والبحثية واهتمامه بالتاريخ".
راح يقرأ بنهمٍ وتعطّش كلّ ما يقع تحت يده عن هذا العدو: ممّ يتشكل؟، من أيّ البلدان جاء؟، من الذي دعمه؟، ما هي المؤسّسات التي أنشأها؟، ما هي علاقاته بالقوى العالمية المؤثرة؟، ثمّ ماهو دور "قنطرة الشر الإسرائيلية" في هذا التحالف الصهيوني الغربي الذي كانت نتيجته اقتلاع شعب فلسطين من أرضه؟.
ثم طوّر قراءاته لاكتشاف نقاط ضعف العدو، واكتشف في السياق أنّ نصف سكاّن إسرائيل جاؤوا من الدول العربية وهم يهود "السفارديم"، فذهب في جولة عربية لإقناع حكوماتها بسنِّ قوانين تسمح بعودة يهود تلك الدول إلى موطنهم الأصلي.
وقد نجحَ إلى حدٍّ كبير في إقناع المغرب وتونس والجزائر واليمن بتبني رؤيته التي شَكَّلت بُعداً رمزياً ذا قيمة قانونيةٍ وسياسية لا تَخْفى على عينٍ ذكية.
قلَّةٌ في العالم العربي سمِعت بـ "كيرن هايسود"، حتى أصدر "محمود عباس" كرّاسّاً حمل عنواناً بدا غريباً، "مطلوب كيرن هايسود عربي". شرَح بلغته الأنيقة والواضحة أنّ " الكيرن هايسود" هو الصندوق الصهيوني الذي أنشأه المؤتمر الصهيوني في لندن عام 1920م، تحت اسم "صندوق إعمار فلسطين أو الصندوق التأسيسي". وفي عام 1920م سُجِّل في لندن باعتباره شركةً بريطانيةً محدودةً مُهمته جمع الأموال من الصهاينة وغير الصهاينة لتمويل مشاريع تتعلق بإيجاد قاعدة للاستيطان في فلسطين، ولوضع حجر الأساس المتين لتأسيس الوطن القومي اليهودي.
يشرح أبو مازن في الكرُّاس، هذا الكيرن هايسود " اللعنة المكبرتة "، فإذا له قرينٌ يُدْعى" الكيرن كيمت"، وهو صندوقٌ صهيوني آخر تأسس عام 1901م، لشراء وتطوير الأراضي في فلسطين، بقرار صادر عن المؤتمر الصهيوني في " بال " والذي ينصُّ على أن يكون الصندوق القومي – اليهودي مُلْكاً دائماً للشعب اليهودي.
بات مفهوماً بعد مطالعة الكراس الأنيق أنّ أبو مازن" يريد تشجيعَ المال العربيِّ الوفير لإنشاء صندوقٍ عربيٍّ لتقديم فائدة مزدوجة للعرب واليهود حقاً، لليهود بقصد إعادتهم برضاهم للبلدان التي أتوا منها، وواضح فائدته للعرب.ويختمه بهذه العبارة: "نحن بحاجة إلى كيرن هايسود عربي، فهل نحن قادرون على ذلك".
يقول أبو مازن:
"كنت أقول لكلِّالدول العربية التي تكلّمتُ معها دون استثناء، "يا أخي هدول انتو هجَّرْتوهم، رجعوهم! قالوا: كيف نرجعهم، قلت لهم: قولوا لهم ارجعوا، والذي يرجع (أهلا وسهلا)، والذي لا يرجع (حر)".ولم أسمع جوابا سلبيّا من هذه الدول، ومنهم صدام حسين والأسد والرئيس السادات والملك الحسن الثاني واليمن، وناقشت كل الدول التي هاجر منها اليهود بهذا الموضوع، وقالوا حسنا ليس لدينا مانع لإرجاعهم، بكلمة غير جادة ومن الممكن أن تكون مجاملة، لكن على الأقل جن جنون اليهود، كيف يرجعون؟، ومنهم من قال "يا ريت نقدر نرجع"، لكن الدنيا تغيَّرت والظروف تغيّرت. أنا هنا كنت أريد أن أُلقي حجراً في هذه المياه الراكدة، كيْ أُفهم الناس ما هي "إسرائيل" وكيف نشأت وتكوَّنت".
في وقتٍ مبكر أصدرَ كتاباً على درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة، حمل عنواناً مثيراً هو" الصهيونية: بداية ونهاية". ومن العنوان نلحظ البشارة والتفاؤل، وهو يجيب على أسئلةٍ بالغةٍ الدلالة، بل مصيرية للقضية الفلسطينية، التي أَضْحت بعد هزيمة 1967م قضيةً يوميةً لدول الطوق العربي ولكل العرب والمنطقة والعالم.والكتاب مجموعة أبحاثٍ أكاديميةٍ منتقاة بعناية، يحرص أبو مازن أن تكون موثَّقة، فهو يمقتُ الإنشاء، كما نكتشف ونحن نطالع مؤلفاتِه وخطاباته، إنّه واضحٌ، دقيق، يضع الأمور في نصابها وبمنتهى المسؤولية الأكاديمية والسياسية أيضاً. من تلك العناوين:
الصهيونية والتمييز العنصري
من يحتاج إلى دولة يهودية في فلسطين
ظهور الحركة الصهيونية
هجرة اليهود السوفيت
الهجرة اليهودية من أوروبا وأمريكا
الهجرة المعاكِسة من إسرائيل
ما فعله اليهود أنفسهم ضد الصهاينة
الصهيونية واللاسامية وجهان لعملة واحدة
ماذا عملنا، وماذا يجب أن نعمل
وفي الخاتمة، سنكتشف أنَ كتاب "الصهيونية: بداية ونهاية"، كتابٌ لا غنى عنه لكلّ من يريد معرفة عدوّه الصهيوني عن طريق إدراك نقاط ضعفه.
كان أبو مازن يقاتل في سنواته الدمشقية في السبعينيات بقلمه، وقد أصاب الكثير من الأهداف.تحقَّقت هواجس أبو مازن، وابتدأت الصدامات بين الجيش اللبناني والمقاومة الفلسطينية. وبدأ الانقسام العمودي في لبنان يتّضح، الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية تحالَفَت مع المقاومة.
يتبع...
مواضيع ذات صلة
ضجة وشائعات "تنهش" لحوم جنين
صرخات أمهات الأسرى.. شاهدة على مأساة إنسانية متفاقمة خلف جدران السجون
الرئيس يصل النرويج في زيارة رسمية
تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال الشهر الماضي
غزة: آلاف يشاركون في وقفة لدعم الأونروا ورفض المساس بموظفيها
فرنسا: القرارات الإسرائيلية بشأن الضفة انتهاك جسيم لحل الدولتين