رحيل صاحب "حفلة التيس والبيت الأخضر" وآخر كتاب أميركا اللاتينية
مهيب البرغوثي

رحل الاسبوع الماضي عن عالمنا آخر أدباء أميركا اللاتينية فارغاس يوسا الحائز على جائزة نوبل 2010 صاحب حفلة التيس وامتداح الخالة والبيت الاخضر ولة مواقف تعتبر من المواقف الشجاعة التي تصدر عن كاتب بحجم يوسا تجاه القضية الفلسطينية حيث ذهب بنفسه الى فلسطين عام 2016 ليتعرف على واقع الحياة الفلسطينية، مما جعل رأيه يتغير من القضية الفلسطينية وفي حوار له مع بورخيس- في صحيفة إلباييس الإسبانية انتقد فيه ممارسات قوات الاحتلال الإسرائيلي التي قال إنها "تثير الذعر والاستقرار النفسي للأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاما لتمنع الإرهاب"، وأضاف أن هذه الطريقة تختلف عندما يتعلق الأمر بالبالغين والمشتبه بهم، إذ تشمل "القتل الانتقائي والتعذيب وعقوبات السجن الطويلة والهدم ومصادرة الممتلكات"، وأبدى الأديب البيروفي الحائز على جائزة نوبل للآداب تعاطفه مع شبان فلسطينيين حضر بنفسه جلسة لمحاكمتهم، وقال "كان الصباح الذي قضيته معهم في القدس من أكثر ساعات حياتي تنورا".
قرار الأكاديمية السويدية منح جائزتها لبارغاس يوسا، خيار جاء يحتفي بأعماله التي "ترسم خريطة لهيكليات السلطة"، ويتوج "تصويره المرهف لمقاومة الفرد وتمرده وفشله". فوزه بالجائزة لم يكن متوقعا، لكنه لم يأت مفاجئا، خصوصا أنه بقي لسنوات عضوا ثابتا في نادي المرشحين الدائمين لـ"نوبل"، بوصفه واحدا من أبرز الأسماء التي نهضت بالرواية اللاتينية. كأن توصيف اللجنة المقتضب لبارغاس يوسا، يلخص مجمل حياة هذا الروائي البيروفي وأعماله. فقد كرس مسيرته للحفر في شتى أنواع السلطات، حد انغماسه بها، حين رشح نفسه للانتخابات الرئاسية في البيرو عام 1990، وخرج منها مهزوما.
رؤيته في كتبه
في "الفردوس على الناصية الأخرى" يكتب بارغاس يوسا عن التشكيلي الفرنسي بول غوغان: "كان يريد من الفن أن يكون فاعلا، ويحافظ على الحلم الامبراطوري". هو نفسه أراد أن يكون فاعلا في أكثر من مجال. لكن عملية الخلق الأدبي صهرت كل طموحاته، فجعلها حلما أمبراطوريا مصوغا بالاتكاء على شخصياته. رصد "تحول الإنسان إلى وحش" في "حفلة التيس"، فكتب عن ذاك الديكتاتور الذي يرغب في مضاجعة ابنة رئيس وزرائه ذات الأربعة عشر عاما. بنى كل ذلك على شخصية رافائيل لونيداس تروخيليو حاكم جمهورية الدومينيكان سابقا. بالنسبة إلى بارغاس يوسا فإن "الفكرة عن المجتمع المثالي، ولدت لدى وحوش من أمثال طالبان"، على حد تعبيره. "عندما تريد جنة، فإنك تنتج في البداية مثالية استثنائية، لكن في الوقت نفسه، تنتج جحيما".
تبقى ناقصة كل محاولات القبض على خيط ناظم لأعمال هذا الكاتب الذي تأثر بفوكنر وفلوبير، صورة الديكتاتورية في "حفلة التيس" جاءت كما لو أنها استكمال لباكورته الروائية "مدينة الكلاب" (1963). في هذا العمل الذي أطلق شهرته، رصد المؤسسة العسكرية، من خلال تجربته الخاصة في "أكاديمية لينشيو برادو". أثار الكتاب سخط كثيرين في بلاده، فاتهم بالعمالة للأكوادور، وأحرقت نسخ كثيرة منه في إحدى الساحات العامة. لكن ذلك لم يثنه عن تعقب ملامح السلطات القمعية الأخرى. كتب عن استعمار الجسد وانتهاكه، كما في أشهر أعماله "البيت الأخضر" (1966) حيث يتشابك السرد بين الماضي والحاضر على هدى فوكنر، المؤثر الأكبر في بارغاس يوسا. وفي "حوار في الكاتدرائية" (1969) سيقارب الديكتاتور البيروفي مانويل أودريا من خلال شخصيتي ابن وزير من وزرائه وسائقه.
وقد كان فارغاس يوسا الذي نالت أعماله إعجابا كبيرا حول العالم بفضل طريقة تجسيده للحقائق الاجتماعية، أحد أبرز الكتاب في فترة الطفرة الأدبية في أميركا اللاتينية، إلى جانب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز والأرجنتيني خوليو كورتازار والمكسيكيين كارلوس فوينتس وخوان رولفو.
علاقته بماركيز
كان فارغاس يوسا صديقا مقربا من الكاتب الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز، قبل أن تنتهي علاقتهما بسبب جدال غامض. وتعهد فارغاس يوسا بالتكتم إلى الأبد عن الأسباب التي أدت إلى خلافهما.
ترجمت روايات فارغاس يوسا إلى حوالي 30 لغة، وكان أول كاتب أجنبي يدخل مجموعة "بلياد" المرموقة خلال حياته في عام 2016، وهو العام الذي بلغ فيه الثمانين من عمره.
ولد فارغاس يوسا في أريكيبا في جنوب بيرو في 28 /آذار 1936 لعائلة من الطبقة المتوسطة، ونشأ على يد والدته وعائلتها في بوليفيا ثم في بيرو. بعد دراسته في الأكاديمية العسكرية في ليما، حصل على شهادة في الأدب واتخذ خطواته الأولى في الصحافة.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين