فلسفةُ الصبر.. الطريق إلى الدولة
الرئيس محمود عباس "أبومازن"

الجزء السادس
يقول الرئيس محمود عباس:
"جِئْتُ من الدوحة إلى دمشق لمناقشة تداعيات حزيران، فالتقيت أبو عمار في سيارة فولكس فاغن، الوحيدة التي كانت عندنا، قلتُ له:"ما الذي حصل"، "الهزيمة حصلت؟"، فقال:"هم انهزَموا، إحنا ما انهزمنا"، الجيوش تنهزم إذا لَم تستطِع أن تصمد أو تتقّدم، أمّا الثورات فما دامت ترفع بندقيةً واحدةً فإنّها لم تنهزم".
كانت هزيمة حزيران ضربةً مُرّوِّعة ملأت قلوب العرب بالقنوط.لكن المقاومة بعد تسعة أشهر أَشْعلت تلك القلوب بالأمَل في معركة "الكرامة الخالدة".
في عام 1969م، عاد "أبو مازن" متفرِّغاً في اللجنة المركزية لحركة "فتح". ترك قطر وسكن مع عائلته في عمّان، وكان التفرغ الكامل في "الثورة" قد تمّ بالتدريج لأعضاء القيادة براتب خمسين ديناراً في الشهر. حين كان في قطر، كانت لديه مهمات في الخليج ودول المغرب العربي، لكن قيادة "فتح" اتَّخذت قراراً نهائياً بتفريغه. في عمّان أُسندت إليه مهمة " التعبئة والتنظيم في فتح".كانت المهمةُ شاقةً إلى درجة كبيرة. كان الأردن هو الساحة الرئيسية للعمل الفدائي وفيه الثقل العسكري الأساسي لفتح وجميع التنظيمات.
في الأردن كان الفلسطينيون مواطنين أردنيين يستطيعون التنقل والحركة والعمل كمواطنين، في الوقت الذي كان فيه اللاجئ الفلسطيني في دول الشتات الأخرى يعاني الأمرَّين في أموره الحياتية في السفر والعمل والإقامة.
في لبنان عُومل كأجنبي، أما في سورية فعومل كالمواطن السوري في قضايا العمل والوظيفة والجندية. "عوملنا في سورية كالمواطن السوري تماماً في كلّ شؤون الحياة ماعدا الجنسية".
يقول أبو مازن:
"هناك قرارٌ سوريٌّ كريمٌ جِدّاً منذ عام 1948م، يتلخص بكلمتين: "يتمتع الفلسطينيون بنفس الحقوق التي يتمتع بها السوريون"، فقلنا لهم ما هي واجباتنا؟، قالوا: ليس عليكم واجبات، لكم حقوق، حاولت أن أدخل العسكرية، قالوا إنّ القرار ينصّ فقط على الحقوق، ماذا تريد؟ تتعلم؟ تتملك؟ تعمل؟، كلُّ شيءٍ أمامك مثل السوري. ومن الأمور التي أذكرها بسورية أننا كنّا نقدِّم مسابقات، "فلان أخذ ثالث، فلان أخذ رابع، عمرُه ما حد قال هذا فلسطيني، هذا سوري".
يقول د. فيصل مقداد- نائب وزير الخارجية السوري:
"كان من واجب الجمهورية السورية احتضان أشقائنا اللاجئين الفلسطينيين واعتبارهم مواطنين سوريين، وحقيقة لا يوجد نهائِّيا أيّ فرق ما بين المواطن السوري والمواطن الفلسطيني، وبكل تأكيد فإنَّ الوزارات وحركة التعليم السورية والحكومات والإدارات السورية لم تكن تخلومن الفلسطينيين، بمعنى أن الفلسطيني له حقوق كالسوري بعكس الدول الأخرى".
في تلك الفترة كانت سورية مركز الثورة. اتَّخذت "فتح" قرار الانطلاقة الثانية، فدخل "أبو عمار" سِرًاً إلى الضفة الغربية للإعداد لثورةٍمسلّحة على غرار ثورة 1936م.لم تكن سورية مستعدة عسكرياً ولوجستياً، وقيل يومها إنّ هدف إسرائيل كان إسقاط الأنظمة التقدميَّة، وقد فشلت في تحقيق هذا الهدف، ولا نريد أن نوّفِّر ذريعة لإسرائيل أن تقوم بعدوان جديد تستكمل فيه أهداف عدوانها.
التقى أبو مازن اللواء أحمد سويداني رئيس أركان القوات السورية وقال له:"لا تفعلوا ذلك، إن دمشق مكشوفة". كذلك فشل أبو إياد وأبو اللطف وأبو جهاد بإقناع بقية القيادة بوجهة نظر "فتح".
أُعلِم أبو عمار المتخفي في الضفة الغربية لتنظيم كوادر الثورة المنتظَرَة، فعاد إلى دمشق وقابل الرئيس الراحل "حافظ الأسد"، الذي كان حينها وزيراً للدفاع، وأَقْنعه بوجهة نظر "فتح"، فتبنّاها ودافع عنها.
حصلت سلسلة من العمليات وواجهتها إسرائيل بمطاردةٍ محمومة، وكادت أن تُلقي القبض على أبي عمار في نابلس، وحينما دخلوا إلى الغرفة التي كان فيها، كان الفراش مايزال دافئاً وإبريق الشاي يَغلي، لقد فرَّ قبل لحظات، وعبر الأردن عائداً إلى دمشق، وظلَّت إسرائيل تلاحقه حتى اغتالته بالسّم عام 2004م في مقره بالمقاطعة في رام الله.
أمّا مصر فقد أزالت تحفظاتها عن "فتح" والعمل الفدائي.
يقول أبو مازن:
"مَدّتنا مصر بالأسلحة والذخائر، وحتى بالصواريخ، وقال لنا عبد الناصر اعملوا أيَّشيء كَيْ يُقال هناك عملٌ مسلحٌ ضد إسرائيل".
كان الخامس من حزيران عام 1967م هزيمة، ولكن "فتح" حولّته إلى فرصة حينما بادرت إلى ملء الفراغ العسكري والمعنوي. لقد سطع نجم العربي المقاتل من جديد، وتألق في معركة الكرامة في آذار عام 1968م، التي وَقَعَ عِبئها الرئيسي على قوات "العاصفة"، وقادها " أبو عمار"، وإلى جانبه أبو اللطف والشهيد أبو إياد.
يقولد. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"انطلقت الثورة الجديدة مرّة أخرى بعد عام 1967م، وباعتبار أنّ الدول العربية كّلْها-ما شاء الله عليها-كنا النوَّارة الوحيدة لأنّنا نقاوِم، فَسُمِح لنا وانتشرنا وحدثت معركة الكرامة، وأقول معركة الكرامة نصر بيننا وبين الأردن، فهَجموا على الكرامة وتصدّى لهم الجيش الأردني ونحن معهم، أو نحن تصدّينا والجيش الأردني معنا، فهي معركة للطرفين، شارك الأردنيّون وقدّموا شهداء، وانتشرت بعد ذلك الثورة الفلسطينية وجاءت المنظمات الفلسطينية الأخرى، كل دولة لها حصان، كل دولة بِدْها تحكي بِدْنا حصان، ومنهم أحْصِنة (عُرُجْ) ومنهم أحصنة (عمياء)".
يقول طاهر العدوان- وزير الإعلام الأردني السابق:
"كانت معركةُ الكرامة مُهِمّة، لأنها جاءت ردّاً على هزيمة حزيران، وكانت بمثابة عملية تعميم لحركة فتح ونشر فكرة الكفاح المسلّح، لأنّه عندما وقف الجيش الأردني مع المقاومة الفلسطينية، وخاضا معركةً وانتصرنا فيها لأول مرة بعد هزيمة شنيعة للجيوش العربية، تدفَّق الناس خاصّة الفلسطينيين للالتحاق في صفوف المقاومة".
واجهت "فتح" ببسالةٍ هجوماً صهيونياً كاسِحاً بِفِرْقة مدرّعة قُوامها 15000 جندي، وطيرانٍ حربيٍّ لا يتوقف عن القصف، ومدفعيّة تهدر بلا انقطاع. لكن قوات العاصفة صمدت ببسالة، وكان إلى جانب "العاصفة" بضع عشرات من قوات التحرير الشعبية، الذراع العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي شكّلَها رئيسُها أحمد الشقيري قبل أن يُجْبر على الاستقالة بعد مؤتمر قمة الخرطوم عام 1967م،الذي أطلق لاءاته الثلاث الشهيرة، لا صلح، لا مفاوضات، لا اعتراف.
كما تدخَّلت مدفعية الجيش الأردني بقيادة اللواء مشهور حديثة، وأوْقعت خسائرَ فادحةً في صفوف القوات الإسرائيلية المهاجمة. صمدت فتح، قاتلت بشجاعة، رفضت أن تُطلِقَ ساقيها للريح، قالت للجميع، إننا هنا باقون. اندحر الإسرائيليون يحملون عشرات القتلى والجرحى والأعتدة المدمّرة التي بقي بعضُها في أرض المعركة. لقد رفعت "الكرامة" رأسَ العرب وكان لسان الحال يقول، مازلنــــا نقاوِم، وكانت اليد التي قاتلت يدٌ فلسطينية، يدُ فتح التي سقط لها في المعركة واحدٌ وتسعون شهيداً، كما سقط عشرات الشهداء من الجيش الأردني وبقية الفصائل المقاتلة.
صارت فتح بعد معركة الكرامة رمزَ المقاومةِ والكبرياء العربي، وباتتْ في وجدان العرب الأمل بفلسطين المحرَّرة.كان يحِقُّ لأبناء فتح أن يُنشدوا في المهرجانات:"أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها... ولجيشها المقدامصانع عودتي".
يقول فاروق قدومي- عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية:
"بادر عبد الناصر بعد معركة الكرامة، وأرْسل من يتِّصل بنا، وقابلني أنا والأخ أبو إياد، وكان الحديث شيِّقاً، وقال سوف نقسم الرغيف بيننا وبينكم".
بعد الكرامة، التقى عبد الناصر قيادة "فتح"، وأخذ معه أبو عمار إلى موسكو، وقدَّمه للسوفييت كقائدٍ لحركة التحرير الوطني الفلسطيني، ومن يومِها بدأت علاقة فتح بالسوفييت.
حينما تسلَّم أبو مازن مهامَّه في "التعبئة والتنظيم"، كانت أفواج الشبيبة الفلسطينية والعربية تتقاطر للتطوِّع في حركة فتح.يقول أبو مازن:"لم يكن لدينا ما نثَقِّف به الكوادِر إلّا ما حفظناه من تجارب ثورات الشعوب في الجزائر وفيتنام وسواها".
يقول كريم بقرادوني- وزير ورئيس سابق لحزب الكتائب اللبناني:
"أعطى أبو مازن دوراً لنفسِه منذ البداية، فعندما تكون هناك صراعاتٌ ونزاعاتٌ على السلطةِ والقضيّة يقول اتركوني جانِباً، وعندما يُصبِح الحلُّ سياسيّاً ويؤدّي إلى دولة وليس من أجل ثورةفقط يبرز دورُه، فالثورة يجب أن تنتهي بدولة، وليس هناك ثورة لا تنتهي، فالثورات يجب أن تُتَرجم وتتجَّسد بدولة كالثورة الفيتنامية والجزائرية".
أدرَك أبو مازن أنَّ هناك نقصاً عميقاً في إدراك ماهيّة العدو الذي نحاربه، حتى بعض القيادات السياسية لم تكن تعرفه لذلك قال:"البندقيةُ يجب أن تكون مسيّسَة، يعني أنت تقاتل من؟، من هو الذي يجلس خلف الجدار وتقاتله؟ هل هو أسد؟، هل هو نمر؟، هل هو ضبع؟،هل هو ثعبان؟. إذاً حتى إذا لم تَكن تعرفه يجب أن تتعرف عليه".
من هذه الأسئلة، بدأ أبو مازن يقرأُ تاريخ الحركة الصهيونية والمجتمع الإسرائيلي والادعاءات الصهيونية التي أتت باليهود من كل أصقاع العالم ووطَّنتهم في فلسطين، واكتشف أن نصفهم جاؤوا من البلدان العربية، ومن أجلهم أُقتلع الشعب الفلسطيني العريق، الضارب في الحضارة إلى ما قبل الكنعانيين، والمساهِم بأصالة في أوّل مدنيِّةٍ عرَفها التاريخ، والذي قام مع مماليك فينيقيا بتصديرها إلى كلّ حوضِ المتوسط وعلى جانبيه، وكان حاضراً بقوةٍ في كل منعرجات التاريخ وإلى الآن. حيث يُثْبت للعالم في كلِّ منعطفٍ أنّهحفيد "العماليق"، و"شعب الجبارين"كما أَطلق عليه أبو عمار.
يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"عندما كنتُ أقرأ في الصحافة الإسرائيلية، قرأت خبرا مفاده أن 50% من سكّان إسرائيل اليهود حضروا من بلادٍ عربية، فًصُعِقْت من هذا الخبر، بِمعنى أنّ الدول العربية بطريقة أو بأخرى زوَّدَت إسرائيل بسكانها، فإذا قلنا أن عددهم في ذلك الوقت كان (3 مليون)، فبما معناه أن (مليونا ونصف المليون) جاؤوا من البلاد العربية، فمهما كانت الأسباب التي دعتهم للهجرة سنكتشف بعد ذلك أنهم هُجِّروا ولم يهاجروا، ثم تتبعت الخبر فتبيَّن لي أن النسبة أكثر، حيث بلغت 70%، فقلتكيف يمكن أن يحصل هذا، هذه جريمة ارتكبتها الأنظمة العربية، ثم تعمَّقت أكثر وكتبت أول كتاب بعنوان "الصهيونية بداية ونهاية"، وتحدّثْتُ فيه بشكلٍ متعمِّق عن أسباب هجرة هؤلاء،وتبيّن لي أنّه من اليمن إلى العراق، إلى المغرب، إلى تونس، إلى الجزائر كلّهم هجِّروا تهجيراً ودُفِعوا دَفعاً إلى التهجير".
يقول د. نبيل شعث- عضو اللجنة المركزية لحركة فتح:
"من جهةٍ هو الشخص في اللجنة المركزية لحركة فتح الذي أطلق مع أبو عمار الكفاحّ المسلَّح بتصويته بداية، لكنه في نفس الوقت شخصٌ يدعو دائما إلى الحوار مع الشخصيات اليهودية والإسرائيلية في العالم، ثم سمعت عنه أنه صاحبُ مشروعِ ابتكاري، فهو الشخص الذي اقترح فكرة تسهيل عودة الشرقيين الإسرائيليين اليهود إلى البلاد العربية، ونجح مع الملك محمد الخامس بالمغرب وأحدَث تغييرا في القانون في تونس والسودان من أجل أنْ يَسْهُلَ على الإسرائيليين اليهود من أصولٍ عربيةٍ العودة إلى بلادهم، فوجَدْتُها فكرةً مبتكرة وفيها قدرٌ من الإبداع".
كان واضحاً أنّ دور منظمة التحرير الفلسطينية قد انتهى كواجهةٍ للأنظمة العربية.دار نقاشٌ مطوَّل حول المنظمة في قيادة "فتح"، هل ننشئ منظمة جديدة؟، هل ندخل إلى المنظمة ونسيطر عليها من داخلها؟. كان السيد يحيى حمودة قد حلّ مؤقتاً بعد استقالة السيد أحمد الشقيري أو إقالته، التي جاءت على شكلِ خبرٍ صغير في الأهرام.
يقول "أبو مازن":
"الحقيقة أنا أُجِّلُّ المرحوم الشقيري واحترمه وأقدِّره، هو مَعْلم من معالم تاريخ هذا الشعب. هو أحد أربعة أو خمسة من الذين ثبَّتوا الشخصية الفلسطينية. انتهى الشقيري، وفي ذلك الوقت كنّا أحوج ما نكون لمثل هذا الرجل".
وقف أبو مازن والأغلبية إلى جانب الحفاظ على المنظمة، ثم اتّخذ القرار بدخولها.في المؤتمر الوطني الفلسطيني عام 1969م،انتخب أبو عمار رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيساً للجنتها التنفيذية، وكان من الواضح أن القرار الوطني الفلسطيني المستقل قد انتصر في المنظمة منذ ذلك المؤتمر، وستدافع فتح بضراوةٍ طيلةَ سنين عن كلّ ما يتعلق باستقلالية ذلك القرار.
يقول طاهر العدوان- وزير الإعلام الأردني السابق:
"ما حدث بعد معركة الكرامة، أنَّ آلاف الشباب تدفّقوا للالتحاق بحركة فتح، وأرادت الدول العربية أن تضمن حصة من الانتصار بعد معركة الكرامة، فبدأت بإنشاء منظماتٍ فلسطينية في الأردن وسورية والعراق ومصر، إضافة إلى إنشاء الجبهة الشعبية والديمقراطية، لكن للأسف كانت هذه المنظمات مبعثرةً ولا تجمعها قيادةٌ واحدة ولم تدخل في إطار منظمة التحرير الفلسطينية".
بعض الدول العربية لم تكن مرتاحةً لسيطرة "الثورة الفلسطينية" على المنظمة، فكان الأردن على سبيل المثال يرى أنه يُمَثِّل فلسطينيي الضفة الغربية ما تسبب بإشكالات عديدة. أخذت العلاقات الأردنية الفلسطينية في صعودٍ ونزولٍ حتى اتِّفاق "أوسلو". في الواقع إن الصدام الذي حصل بين المقاومة والسلطة الأردنية منذ تشرين الثاني 1969م، أدّى إلى خروج المقاومة نهائياً من الأردن بعد القتال الدموي عامي 70 – 71، الذي كانت خلفيته تكمن في أن المقاومة غدت فعلاً لا قولاً، التعبير العسكريّ المحض عن الرغبة الوطنية الفلسطينية ضد إسرائيل، وأنّها غدت بعد سيطرتها على منظمة التحرير التجسيد السياسي للشخصية الوطنية الفلسطينية.
لن تعثر في أوراق "أبي مازن" ومؤلّفاته على وجهةِ نظر تضيء على موقفه من أحداث عام 1970م، لجهة تحميل المسؤوليات والأسباب المباشرة التي أدّت إلى تلك المأساة، غير أنه لم يُخفِ امتعاضه الشديد من انتشار المقاومة في عمان والمدن الأردنية، وأطلق ما يشبه التحذير:"ايش بتعملوا في عمان، المقاتلون مكانهم الأغوار، ماذا يفعلون في عمان، من يقاتلون في عمان؟.
أورد أبو مازن انتقاداته في مذكراته وأعلن عنها في اجتماعات قيادة فتح والثورة الفلسطينية، ولم يتردّد في تحميل "المقاومة" جزءاً من المسؤولية. إذا كان ثمة نوايا فلماذا تُقدمون الذرائع. كان يطرح آراءه في مؤسسات "فتح" الرسمية، ثم يتبنى القرار الذي تتخذه القيادة. كانرجل مؤسسات ثورية في تلك الآونة الصعبة، ورجل دولة بعدما صار رئيس دولة فلسطين.
يقول أبو مازن:
"وأنت في مؤسسات فتح ومنظمة التحرير قُل ما تشاء، ولكن لا تطعن الحركة في ظهرها، لا تنشق عنها، فهي تحتمل كل الآراء، وهي التي اتَّخذت قرار احتواء عشرات الفصائل التي نبتت في الساحة الأردنية كالفطر. وكان بإمكانها تصفيتها، لكنها اختارت العكس تماماً حرصاً على الوحدة الوطنية. فأدخلتها في مؤسسات منظمة التحرير، وكان لكبار المنظمات تمثيلها الدائم في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كالجبهة الشعبية والصاعقة وجبهة التحرير والديمقراطية والقيادة العامة وجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة النضال الشعبي، رغم الخلافات العميقة في وجهات النظر، ورغم أن بعض المنظمات كانت تمثل امتداداً للأنظمة العربية في منظمة التحرير".
يوضِّح د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"توسّع العمل بعد معركة الكرامة، وحضرَت تنظيماتٌ لم تكن معروفة ودخلت في اللعبة، هذا بخمسة، هذا بعشرة، ثم كبرُت وانتقلت من الأغوار إلى عمان، وأنا هنا أتحدّث بما هو لنا وما هو علينا، وحدثت ثورة في عمان".
كانت معركة الكرامة لحظة فاصلة في تاريخ الثورة الفلسطينية، فاتسعت "فتح" عسكرياً وجماهيرياً وكثرت الجبهات، وكانت الشعارات اليسارية تستهوي الكثير من الشباب، فتبنتها بعض المنظمات الفلسطينية، كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية التي انشقّت عنها وتسربَّت النزعات اليسارية إلى كافة الجبهات تقريباُ. ولم تكن فتح بمنأى عن هذا الصعود في الخطاب اليساري، بل إن أدبياتها في تلك الفترة صُبِغَت بنزعة يسارية واضحة، وكان للتيار اليساريّ في "فتح" رموزُه المعروفة كالشهيد ماجد أبو شرار وأبو صالح وناجي علوش.
أدّى تضخُّم الجناح العسكري في الثورة الفلسطينية إلى ازدواجِ سلطة في الأردن، وحصلت احتكاكات عديدة، وبدأ الترويج من قبل الأجهزة الأردنية أن منظمة التحرير تريد الأردن وطناً بديلاً، وطرَحَت المنظمات اليسارية إسقاط النظام الأردني، وتحويل الأردن إلى ساحةٍ للثورة كفيتنام الشمالية، ولاقت تلك الدعوات آذاناً صاغيةً في قواعد فتح وكوادرها وحتى قيادتها.
حصل الصدام الكبير والأول في خريف 1969م، لكنّ الوهج العاطفي للثورة في الوجدان العربي والحاجة الماسّة للمقاومة دفعت إلى مصالحة مؤقتة لدرجة أن الملك حسين طرح على ياسر عرفات تشكيل حكومة في عمان، فرفض. كان أبو مازن يميلُ إلى المصالحة، وألّا تنجرَّ المقاومة للصدام مع الجيش الأردني..
من الواضح تفهّم "أبو مازن" لمأزق المقاومة وهي تقاتل على غير أرضها، لهذا كان يسمي الثورة الفلسطينية " ثورة المستحيل"، وثورة "بساط الريح الممزّق"، ويطلق عليها وصفَ "حركة الوجود الوطني"، لأنّ حركات التحرير الوطنية كانت تقاتل على أرضِها، أما الثورة الفلسطينية فإنها تقاتل على أرضٍ أخرى لتعود إلى أية بقعة من فلسطين، لتكون منطلقاً لها للكفاح في سبيل استرداد الوطن المغتصب.
تصاعد حضور الثورة، وبدأت تُشَكّل قلقاً حقيقياً لإسرائيل وللولايات المتحدة، خاصةً بعد موجة خطف الطائرات التي نفَّذَتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي وصلت إلى حدِّ استقدامها إلى مطار قديم في الأردن أُطلق عليه مجازاً "مطار الثورة ".
يتبع...
مواضيع ذات صلة
ضجة وشائعات "تنهش" لحوم جنين
صرخات أمهات الأسرى.. شاهدة على مأساة إنسانية متفاقمة خلف جدران السجون
الرئيس يصل النرويج في زيارة رسمية
تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال الشهر الماضي
غزة: آلاف يشاركون في وقفة لدعم الأونروا ورفض المساس بموظفيها
فرنسا: القرارات الإسرائيلية بشأن الضفة انتهاك جسيم لحل الدولتين