فلسفةُ الصبر.. الطريق إلى الدولة
الرئيس محمود عباس "أبو مازن"

الجزء الرابع
"من الهزيمة إلى الكرامة".. صعود الثورة الفلسطينية
كان المشهد العربي متناقِضاً عشيّةَ رصاصات الانطلاقة، عملية نفق عيلبون 1/1/1965م.
فمن جهة، كانت مقولات تيّار القومية العربية بزعامة جمال عبد الناصر تصبُّ غضبها على الرجعية العربية دُولاً وتنظيمات، وكانت مصر عبد الناصر رأس التيار المناهِض، وعلى الجانب الآخر كانت تقف السعودية ومعها الممالك والإمارات ومنها المملكة الأردنية الهاشمية، لكنّ تيار القومية العربية كان يعيش صراعات حادّة بين الجناحين الكبيرين الناصري والبعثي.
في هذه الأجواء وَجدت "فتح" في دمشق مكاناً لتحركها العسكري، فجبهة غزة كانت مَمْسوكةً بقوة بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، وفي الأردن كان النظام يخشى من ردود الفعل الصهيونية والاعتداءات اليومية على القرى والبلدات والمخافر في الضفة الغربية، ومع ذلك فقد شهدت الجبهة الأردنية الإسرائيلية صدامات شبهَ يومية بين الجيش الأردني والقوات الصهيونية. أمّا في لبنان فقد كان المكتب الثاني يُلاحق "المتسلّلين الفلسطينيين" حفاظاً على اتِّفاقية الهدنةاللبنانية-الإسرائيلية الموقّعة بعد حرب 1948م.
أدْرك قادة "فتح" أنَّ أهم ما يميِّز حركتهم ألّا تكون تابعةً لأيِّ نظام عربي، دون أن يعني ذلك إغفال البعد العربي في الصراع، ولم تُخفِ "فتح" إرادتها بتوريط دول الطوق في حربٍ كبرى مع إسرائيل، وفي الواقع لم تكن مقولة "الوطنية الفلسطينية" قد نضجت تماماً بعد، لأنَ الجماهير الفلسطينية والعربية عموماً كانت مقتنعة إلى حدٍّ كبير بإمكانية الجيوش العربية على تحرير فلسطين.
كان المشهد الفلسطيني بعد الانطلاقة يتوزّع بين تيارين كبيرين، تيارٌ ناصريٌّ تُعبِّر عنه حركة القوميين العرب، ترى التريّث والاعتماد على جيوش الدول العربية القومية وعلى رأسها مصر، وتيّارٌ وطني فلسطيني يرى دفع الدول العربية وخاصة مصر للبدء بحربٍ شاملةٍ لتحرير فلسطين من العصابات الصهيونية المغتصِبةوإقامة الدولة الفلسطينيةفوق التراب الفلسطيني من البحر إلى النهر، ومن ثم يقرِّر الفلسطينيون الانضمام طوعاً إلى دولة الوحدة العربية.
وفي الواقع لم تكن الرؤى متطابقةً تماماً حتى في داخل فتح نفسها، فالبعض كان لايُعوِّل على الأنظمة العربية، ويرى ضرورةالاعتماد التام على الذات، وكان هناك من يرى أن"فتح" رأس الحربة لإثارة الجماهير العربية للضغط على حكوماتها للبدء بحرب التحرير، وكان تيار "العقلاء" يرى ضرورة التريّث لاستكمال عِدّة الثورة المسلّحة، لكن قادة "فتح" كانوا متفقين كلُّهم على نقطة جوهرية، وهي ضرورة إحياء "الشخصية الوطنية الفلسطينية" واستعادة "الكيانية الفلسطينية" التي مُنِعت من القيام في فلسطين قبل عام 1948م وفي الضفة وغزة بعد النكبة.
لم تكن "منظمة التحرير"بقيادة الراحل الشقيري لتلبي تطلّعات قادة " فتح"، لا بل إن المنظمة رأت في "فتح" منافساً لها ولذراعها العسكري "جيش التحرير الفلسطيني" الموزّع بين دول الطوق، والذي كان عملياً تابعاً لجيوش الدول المتواجد بها، وكان هامش استقلاليته ضئيلاً جداً.
لقد وجَدت "م.ت.ف" نفسها عالقة في مفارَقة، فقد عزّز اعتراف الدول العربية بها دبلوماسيّاً مكانَتَها بين الفلسطينيين، لكن ذلك أوجد بالمعيار ذاته، توقّعات لم تكن قادرةً على تلبيتها، كما أنّ مقارنتها بفتح التي استمرَّت في إعلان هجماتٍ فدائيةٍ ضد إسرائيل، أضعفت صدقيتها السياسية أكثر فأكثر.
كانت فتح تواجه صعوباتٍ جمَّة في تلبية وعدها بالكفاح المسلح، وكانت قد توقَّعت في وثائقها التأسيسية بأنه عندبدء عملها العسكري، ستنطلق جحافل الثوّار لتوجيه الضربات المذهلة ضد إسرائيل، لكنّ الحصيلة لم تكن متناسبة مع هذه التوقعات،مع أن الانطلاقةألهبت الشارع العربي والفلسطيني،وأَذْكت روح الثورة والتمرّد حتى داخل الجيوش العربية لتحرير فلسطينمن "عصابات" هَزمت جيوش سبعِ دولٍ عربية ولم تنجح تلك الدول في تقديم أيّ تبريرٍ مقنعٍ لهزيمتها وضياع فلسطين، وهكذا نجحت "فتح" في إلهاب روح الثورة في الشارع العربي وخاصة في دول الطوق.إضافة إلى ذلك فإن "فتح" أرادت دفع جيش التحرير الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير، نحو ممارسةِ قدرٍ أكبرَ من الاستقلالية عن الدول العربية.
وقد عبّر هذا الاتجاه عن نفسه داخل "فتح"،حيث قدّمعبد الله الدنّان وسليم الزعنون (أبو الأديب) وصلاح خلف (أبو إياد) اقتراحاً إلى (قصي العبادلة) رئيس الدائرة العسكرية في "م. ت. ف" بأنْ يَعتبر فتح الجناح الفدائي السرّي لجيش التحرير الفلسطيني، كما تم تقديم اقتراحٍ آخر (للشقيري) في الفترة نفسها بأن يكون "ج. ت.ف" التشكيل العسكري الفلسطيني الوحيد، على أن يضمَّ الوحدات الفدائية المقاتلة والنظامية، ويتولّى مسؤولية التدريب للجميع، وتأسيس قوات احتياط دائمة إذا أتيح لفتح أن تكون الجناح السياسي الرسمي لـ "م. ت. ف".
كان المرحوم خالد الحسن الداعيةَ الرئيسيَّ لهذا الخيار، إذْ سعى لإقناع قادة " فتح " بأن مهاجمة أهدافٍ مختارة بعناية من قبل مجموعة من 200 فدائي مدرّبين جيداً قادرة على تفجير الطاقات العسكرية الفلسطينية والعربية، وقد فهم الشقيري – وربما كان على صواب – أنّ فتح تريد السيطرة على (م.ت. ف)، فرفض اقتراح الاندماج فيما بينهما، ما عرّضه لنقدِ عنيفِ على ولعه بالخطابة وأسلوبه الطنان بتأكيده أنّ رفع شعار الكفاح المسلّح والنضال الجماهيري لا يكفيان لتصفية الاستعمار، بل لا بدَّ من إعطاء نموذجٍ عينيّ لهذه الشعارات في الواقع العملي. وكذلك وجَّهَت "فتح" نقداً ضِمْنياً لحركة القوميين العرب بعد فشل اجتماع الدكتور جورج حبش مع خالد الحسن والزعنون في الكويت أوائل سنة 1964م، فقد كانت "فتح" مستاءَةً من احتكار القوميين العرب للعلاقة مع مصر، ومنع ممثليها من الوصول إلى "عبد الناصر"أمل العرب بالتحرير والوحدة والاشتراكية.كانت فتح ترى أنّ إصرار القوميين العرب على إحداث تحوّلات سياسية ملائمة في دول الطوق قبل تفجير الكفاح المسلح، هو اعتقاد خاطئ، والواقع هو العكس، لأنّ الثورة الفلسطينية هي الكفيلة بتطوير الأوضاع العربية، أو الانتقال بطرقٍ سلميةٍ أو عنيفة إلى المستوى المطلوب من الثورة العربية الكبرى.
لقد قلبت "فتح" شعار القوميين العرب "الوحدة طريق التحرير"، إلى "التحرير طريق الوحدة". كانت حركة القوميين العرب في هذه الأثناء تتحّوَل إلى منظمة فلسطينية مستقلة، لكن "فتح" اعتبرت ذلك نوعاً من الانتهازية السياسية ورأت أن هذا التحوّل المستمر، وعدم القدرة على تحقيق ما تَرفع من شعارات، يدل على عدم وضوح الرؤية عند طليعتها. وقد ردَّت "فتح" على اتهامات (م.ت.ف) بأن عملها العسكري سيتسبب في النهاية بحرب مع إسرائيل في غير وقتها وتُنبِّه العدو وتستفزه هو ادعاء مغلوط ، لأنّ إسرائيل تعيش في حالة استعدادٍ كامل ولا تحتاج إلى إثارة واستفزاز، وفي هذه النقطة كانت " فتح" على حق، فلم توقف إسرائيل اعتداءاتها بعد حرب 1948م، فخلال تلك الفترة سرَقَت الأرض المحايِدة في الجولان، وحوّلت الكثير من الينابيع، وارتكبت آلاف الاعتداءات المسلّحة على العسكريين والمدنيين، ومنها مجزرة كفر قاسم عام 1956م، ومجازر غزة والسموع وعرب اللهيب في الجولان.
كانت إسرائيل تعمل على خطين: تعزيز قواتها العسكرية،والاستعداد للنقلةِ الثانية في المشروع الصهيوني، وهي طرد ما تبقى من أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة، ومدّ حدودها لاحتلال موانع طبيعية، والسيطرة على منابع المياه في الشمال والشرق،وخاصةً مياه الجولان وجنوب لبنان ونهر الأردن وطبريا، وغرباً للوصول إلى قناة السويس كمانع طبيعي.
كما أنّ الغرب كان يعتبر إسرائيل قاعدته العسكرية في خطته الشرق أوسطيةلتحطيم وحدة العرب، وإمكانية نهوضِهم وتقّدمهم، لأنّ في ذلك ضمان استمرارية الإمبراطوريات الأوروبية حسب قول كامبل بنرمان، رئيس وزراء بريطانيا عام 1904م.
لقد ساهم التوتّر بين دمشق والقاهرة باقتراب "فتح" من دمشق. كان حزب البعث حريصاً على مواجهة نفوذ عبد الناصر بين الفلسطينيين، فأصدر بياناً تضمَّن نقداً عنيفاً ضد (م .ت.ف) في منتصف أيّار مايو قبل اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني بقليل. كما أنّ فشل مؤتمر القمة العربية في أيلول سبتمبر، كشف أنّ عبد الناصر يفقد سيطرته على العلاقات العربية العربية.
قامت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي بحثّ الفرع الفلسطيني للحزب على أن يتخلّى عن الانغلاق على نفسه، وأن يتَّجه نحو الفلسطينيين في أماكن سكنهم وعملهم لينشط بينهم، وينظِّمهم في منظمات ثورية ويدعمها ما أمكن ذلك. وبالرغم من تباين الآراء في القيادة السورية حول العلاقة مع فتح، إلا أن تيار التعاون تغلَّب في النهاية، خاصةً بعدما اتّفق الطرفان على انضمام ضباطٍ بعثيين إلى "فتح"، وكان على رأسهم "النقيب يوسف عرابي" من الكتيبة "68"، والمعروف بشجاعته وعناده.
كان "يوسف عرابي" قد أسّس تنظيماً حمل اسم "الجبهة الثورية لتحرير فلسطين"، وكان على علاقةٍ بعادل عبد الكريم، أحد مؤسسي "فتح"، فاندمجت الجبهة مع "فتح"، ما أتاح لها الحصول على مصدرٍ للسلاح والتدريب وخبرةٍ عسكرية محترفة. ورغم معارضة أبو عمار وبعض أعضاء مركزيه "فتح" في تلك الفترة،انْدمجت مع فتح جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة أحمد جبريل وعلي بشناق والتي تأسست عام 1959م، وكان جبريل قد سُرِّح من الجيش السوري زمن الوحدة عام 1959م بإيعاز مصري.
نجم عن هذا الأمر تفاهمٌ وثَّق العلاقات بين "فتح" وقيادة البعث في سورية، فتوفَّر لها ملاذٌآمِنٌ ومراكز تدريب وانطلاق وكميات من الأسلحة السورية والشحنات القادمة من الأشقاء الجزائريين والأصدقاء الصينيين.
لقد شكّلت "فتح" صُداعاً مفاجئا للكثيرين، فعمِلوا على تجاهلها ومنع نشر أخبارها كما حدث في مصر، أو على التضييق عليها كما جرى في لبنان والأردن، وعلى التحالف معها أو احتوائها كما حصل في سوريا. لكن كل ذلك كان مؤقتاً، لأن أرض الثورة يجب أن تكون فلسطين، الضفة وغزة وداخل فلسطين 1948م، والامتداد الشعبي والتاريخي لها في دول الطوق. الأردنفي المقام الأول.
لقد انطلقت الثورة، وبدأ القتال، تغيّر المشهد الفلسطيني، وبدأ المشهد العربي يستعِدّ هوذاته للتغيير، ثمة صوتٌ جديدٌ لا يمكن تجاهله، إنّها الثورة الفلسطينية رافعةً شعاراً سَرى كالسحر: ثورة حتى النصر. جاءت مقولات "فتح" بسيطة ومباشرة تتلَّخص في أنّ الكفاح المسلح هو الطريق الأساسي لاستمرار النضال السياسي ضد الإمبريالية الأمريكية وعميلتها، القاعدة الصهيونية، إسرائيل، الكفاح المسلح يزْرع، والكفاح السياسي يحصُد، ومن لا يزرع لا يحصد. لا وصاية، لا تبعية، لا احتواء، لا حزبية داخل فتح، ولا حجرٌ على الآراء.
لم يكن لقادة فتح علاقاتُ سياسية تذكر قبل الانطلاقة سوى مع بعض أمراء الخليج، وبعض قادة ثورة الجزائر المنتصرة، وبعض الاتصالات بقيادات ثورة البعث في سورية آذار 1963م، مثلصلاح جديد، وأحمد سويداني، وحافظ الأسد.
وكان وفدٌ من "فتح" قد زار الصين بمبادرة من الشهيد خليل الوزير وافتتح مكتباً هناك، ومنذ ذلك الوقت ظلَّت الصين على علاقةٍ طيبةٍ مع المقاومة الفلسطينية، فأمدَّتهم بالأسلحة، وكان للصين بعثةٌ صحفيةٌ دائمة لدى فتح وهي بمثابةبعثة دبلوماسية.
في إحدى الزيارات إلى الصين التقى الوفد الفلسطيني الفتحاوي مع الزعيم الثوري الصيني "ماوتس تونغ"، فبادَرَ ضيوفَه وبينهم أبو عمار وأبو جهاد: "أنتم لستم فقط مليوني فلسطيني في مواجهة إسرائيل بل مائة مليون عربي، عليكم أن تتصرفوا وتفكِّروا بهذه الطريقة، عندما تُناقشون موضوع إسرائيل لتكن خارطة الوطن العربي أمام أعينكم".
وتابع "ماو" حديثه لوفد فتح: "لا تقولوا لي إنّكم قرأتم هذا الرأي أو ذاك في كتبي، لكم حربكم ولنا حربنا، عليكم أن تضعوا المبادئ والإيديولوجية التي تريدون. إنَّ الكتب تحجُب النظر إذا ما تراكم بعضُها فوق بعض، المهم أن تبدأوا النشاط بإيمان، الإيمان بالنصر هو العنصر الأول في النصر، في الحقيقة إنه قد يعني النصر نفسه".
كان على قادة فتح أن يُدرِكوا حِكمةَ الثورات الأثيرة: أنتم الأدرى بشؤونكم، لا تُقلِّدوا أحداً. كانت رؤى قادة "فتح" شِبْهَ متطابقة في مآلات الصراع على فلسطين.
لقد طرَحت فتح التساؤلات الخمس: ماذا نريد؟، وكيف؟، وبمن؟، ومن أين؟، ومتى؟. توصَّلت طليعة "فتح" وكوادرها المتقدِّمة "المؤسسون" إلى ضرورة البدء بالكفاح المسلّح، دون إثارة أيِّ نظامٍ عربيٍّ إن أمكن، وكانت البداية من سوريه 1965م.
كان نشاط "فتح" قد امتدَّ منذ سنوات إلى لبنان، حيث أصدرت جريدة "فلسطيننا" الناطقة باسمها، والتي شكّلت منبر تحريضٍ وتعبئةٍ مبكِّرة لاستقطاب الكوادر ومهاجمة الخصم وحشد الجماهير.
كان قادة "فتح" يشتركون في الرؤية التي طرحها الشهيد كمال عدوان حولاستقلالية القرار الفلسطيني، وترك الأحزاب على الباب قبل الدخول إلى عالم فتح، ورفْض الوصاية والتبعية والاحتواء، ولكنّ الوقائع على الأرض كانت تتطلب أحياناً مرونةً لا يمكن تخطّيها، فأن تطلق رصاصة شيء عظيم، لكن الكفاح المسلّح يحتاج لما هو أكثر من ذلك، إلى المال والرجال والعلاقات السياسية والحشد الجماهيري والحدود العربية للانطلاق إلى الوطن المحتلفي الضفة وغزة والجولانوجنوب لبنان. لكن مرونة "فتح" لم تكن تعني التخلي عن ثوابتها، إنّما بما يؤهلها لتقيم تحالفاتٍ مرنة مع جهاتٍ متناقضةٍ دون أن تخسرهم، وهي مهمة بدت شبه مستحيلة.
من يتجرَّأْ على إطلاق النار في هذا المشهد المعقّد، سوف يتسلم الراية، وهذا ما حصل بالضبط ولا يزال مستمراً إلى الآن، وبالرغم من منازعات حركة حماس الدامية لفتح منذ عام 2007م، لا تزال "فتح" حتى الآن التعبير الأوسع عن الطّيْف الوطني الفلسطيني حتى بعد اتِّفاقية "أوسلو".
يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"أمسك الفلسطينيون بالقضية عام 1964م، ويعود الفضل في ذلك لأحمد الشقيري الذي أنشا الكيانية الفلسطينية، ونحن في تلك الأثناء كنّا نُحضِّر للثورة الفلسطينية، وبالمناسبة لم يكن هناك تناقض بيننا وبينه، ولم يكن هناك تعارض، بل بالعكس كنا متفاهمين وإيّاه تماماً، ولكن لسوء الحظ أنه أُبْعد عن منظمة التحرير بعد (سنتين أو ثلاث)، ولكنّ المهم أننا جئنا إلى منظمة التحرير بعد أن كنّا ثورة، وأصبحنا فيها وبَدأنا المسيرة منذ ذلك الوقت إلى الآن، وهي مسيرة عسكرية ومسيرة سياسية، وأظنُّ الآن أن المسيرةَ السياسيةَ مُتَوَّجةٌ بالكثير من القضايا المرتبطة بالمسيرة النضالية الفلسطينية، العسكرية والسياسية ومنها الاعتراف الدولي، والمَحْكمة الدولية، والمؤسّسات الدولية".
يقول طاهر العدوان- وزير الإعلام الأردني السابق:
"أبو عمار-في الحقيقة- هو قائد السفينة، أخطأ أم أصاب، لكنّه تميَّز بأنه بَلْوَر الشخصية الفلسطينية، وبَلْور أهداف الشعب الفلسطيني، وكان سياسّيا مولعاً بالكفاح المسلّح والمواجهة العسكرية، فكان يطرق كلّ الأبواب السياسية من جهة، ومستعدٌّ للمساومات من جهة أخرى، لكنّه لا يحيدُ عن هدفه وهو إقامة الدولة الفلسطينية".
حينما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة في 1/1/1965، انتزعت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" المبادرة، وصارت تلقائياً الممثل الشرعي للقضية الفلسطينية، في حين كانت منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة "أحمد الشقيري" الممثل الرسميّ المعتمَد من قبل الأنظمة العربية.
يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"لم يكن هناك حساسية ولم يكن هناك تنافس، والتقيتُ شخصيّاً مع أحمد الشقيري أكثر من مرة، وانطلاقاً من وجهة النظر بأنّنا نكمل بعضنا البعض، كان يقول أنا الآن رئيس المنظمة وأعمل من أجل تأسيس جيش التحرير الفلسطيني، والصندوق القومي، والمجلس الوطني، واللجنة التنفيذية، وأنتم تُكملون واجبكم. وفعلاً كنّا متناغمين وكان يساعدنا ماليّاً".
أدركت المنظمة أن "فتح" وجناحها المقاتل "العاصفة" أخذت تسحب البساط من تحت أقدامها، فراحت تبحث عن ذراعٍ فدائيٍّ مسلّح لتمثيلها في المعركة التي أطلقتها فتح.
يقول جان عبيد- وزير خارجية لبنان الأسبق:
"المؤسف في هذا الموضوع أن تكون هذه القضية الواحدة المُحقّة ليست الموحَّدة في عمل الذين سعوا إلى انتصارات".
اتّصَلت المنظمة بحركة القوميين العرب التي كانت مقرّبة من الزعيم جمال عبد الناصر، وكانت بدورها تتعرض لضغوط قويّة من قواعدها، وخاصة الفلسطينية للالتحاق بركب الثورة وتأسيس جناحٍ مسلّح.لكن كان هناك رأيٌ آخر هو ضرورة عدم الضغط على عبد الناصر وتوريطه في معركة لم يستعد لها.لقد راهن جناح "المجانين" في فتح على الانطلاقة، تارِكاً الصدى الهائل الذي تركته عمليتها الأولى والعمليات التي تلتها تفعل فعلها في الواقع العربي على صعيد الشعوب والأحزاب والأنظمة.
يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"عندما تعمّمت الثورة، رفعت معنويات ورأس الشعب الفلسطيني، كنّا لاجئين نسير مطأطئي الرؤوس، لكن هذه الثورة رفعت رأسنا وجعلتنا نقول للعالم نحن أصحاب حق ونحن ثوار، ونريد أن نحصل على حقِّنا بكل الطرق الشرعية المتاحة، ولذلك خُضْنا كفاحين، هما الكفاح العسكري والكفاح السياسي، ولا يُمكن تصوّر أن الكفاح السياسي أقلُّ تكلفةٍ من الكفاح العسكري، فالكفاح السياسي أصعب لأنّه يسير في "زواريب السياسة" دون أن تخسر ودون أن تُخطئ ودون أن تتراجع إلى الوراء".
يقول جان عبيد- وزير خارجية لبنان الأسبق:
"تطلّع الناس خلال مرحلةٍ طويلةٍ إلى الثورة الفلسطينية على أنّها الجواب البديل عن تخلّف الجيوش النظامية، في الواقع أنا أعتقد أنّ المسألة ليست أن يكون يوماً ما الجيش أو الثورة هما الحل، بل المسألة أن يكون لدى شعبٍ من الشعوب القدرة على امتلاك واستعمال كافة السبل لقضيته".
لقد أدركت المنظومة العربية أنّ ظاهرة "فتح" و"العاصفة" و"الفدائيين" سَطَعت كشمسٍ في ليل التجاهل والخيبة.لقد استطاعت "فتح" بين عشيةٍ وضحاها أن تنقل الفلسطيني من صورته كلاجئٍ مشرّد يستحق العطف والشفقة، إلى صورة الثائرالذي يمتشق البندقية ويُشهرها، طريقاً وحيداً للتحرير والعودة، طريقا وحيداً للنصر، طريقاً وحيداً لانتزاع الكرامة والكبرياء، ليس للفلسطيني فقط بل للأمة العربية كلّها.
يقول د. فيصل مقداد- نائب وزير الخارجية السوري:
"بدأت الثورة الفلسطينية عام 1965م من سوريا عندما تجمّعت القيادات الفلسطينية وأعلنت بدء الكفاح الثوري المسلح. كانت البداية من سوريا التي تحمّلت نتائج هذا الموقف المتمثلة في الكثير من الاعتداءات الإسرائيلية، لكن نحن –بالمناسبة- لا نُحمِّل الأشقاء الفلسطينيين مثل هذه المسؤولية، لأنّ هذا هو الثمن الذي يجب أن ندفعه كسوريين وأردنيين ومصريين وتوانسة وخليجيين وجميع العرب في كلّ مكان ضد السياسات والاعتداءات الإسرائيلية".
ووجهت "فتح" منذ انطلاقها باتهامات عدّة كان أقلها "أنهم حفنة من المغامرين".
يقول د. عبد السلام المجالي- رئيس وزراء الأردن الأسبق:
"الهمّ السياسي الآن هو الكينونة الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية، ثم نَختلف فيما بعد "أنت شرقي، أنت يساري، أنت ديني"، لكن الآن يجب أن تتوجّه الأمور إلى أمرٍ واحد وهو "التحرير".
ثم جاءت اعترافات من داخل الحركة بل من لجنتها المركزية، وذلك من قبيل: أطلقنا الرصاصة، فكيف نستمر؟، ومن أين نأتي بالأسلحة. وكذلك اعترض بعضُهم على أسلوب "أبو عمار" بالعمل.
يتبع...
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يعتقل خمسة مواطنين من نابلس
الأغوار الشمالية: إصابة مواطنين من خربة سمرة جراء رشهما بغاز الفلفل من قبل مستعمرين
الطقس: انخفاض آخر على الحرارة وأمطار متفرقة على بعض المناطق الشمالية
ضجة وشائعات "تنهش" لحوم جنين
صرخات أمهات الأسرى.. شاهدة على مأساة إنسانية متفاقمة خلف جدران السجون
الرئيس يصل النرويج في زيارة رسمية
تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين خلال الشهر الماضي