فلسفةُ الصبر.. الطريق إلى الدولة
الرئيس محمود عباس "أبو مازن"

الجزء الثالث
في بداية الخمسينات بدأت تتخلَّقُ في مواقع الشتات الفلسطيني البذور الأولى، فانْدفع الشباب الفلسطينيُّ إلى الأحزاب القومية والإسلامية لأنّها ترفع شعار "تحرير فلسطين".
كثيرون انضمّوا إلى البعث، وإلى حركة القوميين العرب التي بدأت تتجمع حول الدكتور جورج حبش في الجامعة الأمريكية في بيروت، بينما اندفع آخرون إلى تنظيم الإخوان المسلمين ومنهم الشهداء خليل الوزير وكمال عدوان وصلاح خلف وذُكر محمد عبد الرؤوف القدوة "ياسر عرفات"، وساهم خالد الحسن مع تقي الدين النبهاني في تأسيس حزب التحرير الإسلامي الذي نادى بعودة الخلافة الإسلامية. وقِلّة انتسبت إلى الأحزاب الشيوعية.
كانت أوّل مجموعة تتأسّس على رؤيةٍ وطنيّةٍ فلسطينية هي تنظيم "أبناء فلسطين"، الذي أسّسهُ محمود عباس سِرّاً مع ثُلَةٍ من رفاقه، كمحمود المغربي ونامق أبو عابد ومنير سويد وعبد الله الدنان وآخرين.
يقول د. محمود عباس – الرئيس الفلسطيني:
"حسب ما أذكره، كان معنا الأخ عبد الله الدنان وهو موجود في الشام، والأخ عادل عبد الكريم، وهم طلّاب في كلية الآداب، أحدهم في كلية العلوم، وكنت أنا في كلية الحقوق، وكان معنا شخصٌ اسمه "منير السويد" فهؤلاء الإخوان أغلبهم "طلاب جامعة"، لذلك كان اسمها "جماعة أبناء فلسطين في الجامعة".
كان يومها في السادسة عشرة، حيث التقى بشاب من جيله هو الشهيد هايل عبد الحميد "أبو الهول"، الذي أسّس تجمعاً ضمّ العشرات من شباب مخيم اليرموك، بينما كان هاني الحسن الشقيق الأصغر لخالد الحسن يُشكل تجمُّعاً آخر باسم " شباب الأقصى".
يقول أبو مازن:
"كانت الدول العربية تتعاطى إعلامياً وصحفياً ولفظياً مع القضية الفلسطينية دون أيّ عملٍ فعلي. أما نحن فكانت لدينا نظرية بسيطة: "إذا كان العرب يريدون تحرير فلسطين فمن الأولوية لهم ولنا أن نكون رأس الحربة، فليست قضيتنا مُهِمَّة الجيوش العربية وَحدَها وأن نكون متفرجين، يعيدون لنا بلادنا ونحن ننتظر ونتفرج". كان ذلك لسان حال الكثير من شباب فلسطين.
عرفت سنوات النكبة الأولى ظاهرةً نادرةً هي ظاهرةُ المتسلِّلين، إنهم اللاجئون الفلسطينيون الذين بدأوا يعودون سِرّاً عبر الحدود إلى ديارهم وقراهم، ولم تكن الحدود قد أحْكمت بعد، بعضهم يعود بعدما أضناه الحنين، وآخرون عادوا لجني محاصيلهم أو لجلب بعض الأغراض المخبأة، وثمة من عاد ليثأر. وقد بلغ عدد المتسلِّلين عام 1950م ستة عشر ألف متسلِّل من سوريا والضفة ولبنان وغزة، استشهد منهم حوالي خمسة آلاف متسلِّل. نادراً ما كانت إسرائيل تعتقلهم، بل ما إن تلقي القبض على أحدهم حتى تصلبه على شجرة وتطلق النار عليه.
كانت الحدود هشَّة، وكانت الاشتباكات شبه يومية على جبهات دول الطوق، فإسرائيل حقّقت النقلة الكبرى الأولى لكن أطماعها أكثر من ذلك بكثير، من أولئك المتسلّلين كان الشهيد خليل الوزير "أبو جهاد"، الذي شكَّل مع أصدقاء له مجموعات في قطاع غزة، وراحوا يتسلّلون إلى داخل الأرض المحتلة، ويقومون بعمليات تفجيرٍ بسيطة وزرع ألغام وعبوات صنعوها يدوياً.
يقول د. محمود عباس – الرئيس الفلسطيني:
"الأخ أبو جهاد هو مؤسّس من مؤسسي حركة فتح الكبار، حيث بدأ العمل الفدائي في غزة وحده وبشكل شخصي".
كان جمال عبد الناصر قد تسلّم الدفّة في مصر، وراح يتحدث عن تحرير فلسطين، فتعلّقت به قلوب العرب، وحينما اصطدم مع الإخوان المسلمين بعد محاولة اغتياله عام 1954م، انسحب خليل الوزير ومعظم الشباب الفلسطيني من الجماعة، فعبد الناصر هو أمل الجماهير بالوحدة والتحرير.
وفي القاهرة كان محمد عبد الرؤوف القدوة، المقاتِل في جيش الجهاد المقدس تحت إمرة القائد الشهيد عبد القادر الحسيني، وطالب الهندسة في جامعة القاهرة، يُشكِّل اتحاد طلبة فلسطين، بعدما انضمَّ إليه عددٌ من الشباب الجامعي الفلسطيني، كصلاح خلف وفاروق القدومي العضو في حزب البعث، فتحوَّل الاتحاد إلى خليّة نشاط من أجل القضية الفلسطينية، ومن ثم تعرّفوا على خليل الوزير وصدرت نشرة "فلسطيننا" في بيروت فيما بعد، تعبِّر في مقالاتها عن رغبة جيل النكبة الفلسطيني الشاب بالثأر والثورة والتحرير والعودة.
تلك الخلايا في دمشق والقاهرة وغزة وبيروت وعمّان والضفة تلاقت بعد سنين لتشكِّل حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح " والتي شكَّلت جناحها العسكري باسم "العاصفة".
يقول د. محمود عباس – الرئيس الفلسطيني:
"توجّهْنا إلى قطر للبحث عن وجهتنا، فقالوا لنا يوجد جماعة يشكِّلون تنظيماً في الكويت اسمه (تنظيم فتح)، فركبنا الطائرات وتوجَّهنا إلى الكويت، وانضممنا فورا وقلنا نحن معكم، وكان ذلك عام 1959م فبدأنا نجمع أنفسنا".
يقول طاهر العدوان – وزير الإعلام الأردني السابق:
"كان هناك تكوين لمنظماتٍ فدائية، لكنه كان عملاً سرِّيّاً ومحصوراً بين فلسطينيين كانوا يعملون في الخليج، فمثلا (أبو عمار) كان يعمل في الكويت، (أبو مازن) كان يعمل في قطر، ماجد أبو شرار في السعودية، معظم القيادات كانوا يعملون في الخليج، وكان الخليج في الماضي قبلة لمن يريد أن يعمل من الخريجين العرب الجامعيين وغيرهم، وهناك نشأت فكرة الكفاح المسلح".
وفي تلك الفترة أيضاً كان الحاج أمين الحسيني يعمل بدأب من موقع زعامته التي لا يقبل أن يتخلى عنها، ومن مسؤوليته التي تُحتم عليه التحرك، يحاول استعادة الشرعية الفلسطينية الضائعة، وقد دفع بالكثير من الشباب للقيام بعمليات فدائية في الأرض المحتلة.
كان محمود عباس قد خاض تجربةً قصيرةً في الكلية العسكرية، ثم انتسب إلى جامعة دمشق، وكان تنظيم أبناء فلسطين قد اتَّسع في الجامعة. وفي سنة 1957م سافر إلى قطر ليعمل في سلك إدارة التعليم معلّماً، ثم مديراً لدائرة المعلّمين بعد تخرّجه من كلية الحقوق، وهناك في الدوحة تعرَّف على كمال عدوان ومحمد يوسف النجار، ثم تعرّف على صلاح خلف: "فصرنا صديقين منذ تعارفنا حتى استشهاده رحمه الله".
جاء ياسر عرفات إلى الكويت ليؤسّس شركة للمقاولات، وكان قد التقى خالد الحسن في شتوتغارت الألمانية بعد حضوره مؤتمر اتحاد الطلاب العالمي في براغ، وكان قد قاتل كضابط احتياط في الجيش المصري أثناء عدوان 1956م.
ومن موقعه كمديرٍ لدائرة التعليم، زار محمود عباس غزة والضفة الغربية وسوريا والأردن بحجة انتقاء معلّمين للعمل في الدوحة، فاستقطب المئات منهم إلى حركة "فتح" في الكويت، التقى ممثلو تلك المجموعات ياسر عرفات وصلاح خلف وخالد الحسن وسليم الزعنون ومحمد يوسف النجار وكمال عدوان وعبد الله الدنان وعادل عبد الكريم، أما محمود المغربي فسافر في بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة ففقد أوراقه، ولأنه من أصول ليبية ذهب إلى السفارة واستخرج جواز سفر وأكمل دراسته وعاد إلى ليبيا ليصبح أوّل رئيس وزراء في عهد ثورة العقيد معمر القذافي الذي التقاه في سجن طرابلس فخرجا صديقين.
صحيح أنهم كانوا في مجموعات عدة لكنهم كانوا يحملون أفكاراً متقاربة بل متطابقة أحياناً وكانت تتلخص في أنه على أبناء فلسطين أن يأخذوا قضيتهم بأيديهم بعيداً عن أي تبعية أو وصاية أو تدخل، وهكذا بعد مداولات عدة وُلدت حركة "فتح"، وصار محمود عباس أحد مؤسسيها عن مجموعة قطر، عضواً في لجنتها المركزية. تلك المجموعة ضمّت ياسر عرفات وكمال عدوان ومحمود عباس وسليم الزعنون وفاروق القدومي وخليل الوزير وصلاح خلف وخالد الحسن وهاني الحسن ورفيق النتشة وعادل عبد الكريم وعبد الله الدنان.. إلخ.
يقول الطيب عبد الرحيم- أمين عام الرئاسة الفلسطينية:
"الأخ أبو مازن هو من الخلية الأولى التي أنشأت حركة فتح وكان في قطر، وكان معه الأخ أبو يوسف النجار، والأخ أبو شاكر النتشة، فعندما اجتمعت هذه البؤرة الأولى والبدايات الأولى كان أبو مازن هو من أعاد موضوع الكفاح المسلح".
يقول: فيتشسلافماتوزوف – رئيس جمعية الصداقة الروسية مع البلدان العربية:
"أنا كنت مسؤولا عن العلاقات السوفيتية مع منظمة التحرير الفلسطينية، كنت لا أعرف أبو مازن فقط، بل أبو جهاد وأبو إياد وأبو اللطف وطبعا ياسر عرفات، وكل اللقاءات معهم أعطتني انطباعات أنّ كل عضو لجنة مركزية في فتح له دور، سواء دور استخباراتي، عسكري، سياسي، إضافة إلى الدور السياسي الآخر الذي كان يمثله أبو مازن".
لم تكن حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" حزباً سياسيّاً، بل كان شرط الانتساب إليها الانسحاب من الأحزاب السياسية، فكّر كما تشاء واعتنق ما تريد من الأفكار لكننا جميعاً أبناء الحركة، البعثي والشيوعي والقومي العربي والإخواني والتحريري والوطني المستقل، لنا هدفٌ واحدٌ وهو تحرير فلسطين بالكفاح المسلّح من البحر إلى النهر بالنضال الدؤوب والصبور.
يقول أبو مازن:
"بصراحة كان هناك أشخاصٌ يدخلون الأحزاب الكثيرة، فمنهم ما هو بعثي أو قومي أو إخواني، ونحن نقول لهم جميع هذه الأحزاب لا نريدها. كنّا صغارا، أعمارنا تقل عن الـ 20 عاما، ونقول هذه الأحزاب لا فائدة منها، وهي تعمل لصالح أفكارها ومبادئها وزعمائها، نحن لا نريد أحزابا، نحن نريد أن نكون وحدنا، لذلك حركة فتح ترتبط بمبدأين، لا حزبية ولا ترتبط بأي نظام عربي، إضافة إلى الكفاح المسلح، لا يوجد عقيدة ولا فكر وهذا ما توجّهنا به.
يقول طاهر المصري- رئيس وزراء الأردن الأسبق:
"هم من آمنوا بفلسطين وبتحريرها بالبندقية، وأخذوا على عاتقهم مبادرةً ومخاطرةً لم يكُن يفكر بها أحد، وهي إنشاء منظمة التحرير، أو إنشاء حركة فدائية ابتداء من "فتح"، التي كانت الحركة أو المنظمة الفلسطينية الأولى التي ولدت من رحم الفلسطينيين والمعاناة الفلسطينية".
يقول د. طلال ناجي- الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/ القيادة العامة:
"ضمت فتح العديد من أبناء شعبنا الفلسطيني، فكانت تجمّعاً وطنياً كبيراً انتمى لها كل من كان يؤمن بفلسطين وبتحريرها وبأسلوب حرب التحرير الشعبية، فكانت حركة فتح تضم منذ بداياتها من كان ينتمي لحزب البعث العربي أو الاشتراكي أو لحركة القوميين العرب أو للناصريين أو لأصحاب الاتجاهات الإسلامية في الساحة الفلسطينية كأشخاص مستقلين بخلفية إسلامية، فأصبح خليطا وطنيا فلسطينياً كبيرا، ضم العديد من أبناء شعبنا الفلسطيني من مختلف الانتماءات الفكرية والعقائدية، والذين قرّروا أن يعملوا في إطار هذه الحركة".
يقول طاهر العدوان – وزير الإعلام الأردني السابق:
"كلود شيسون –وزير الخارجية الفرنسي في عهد ميتران- أعطى تصريحاَ عن أبو عمار بعد الحرب، قال فيه: حركة النضال الفلسطيني هي في غاية القساوة والدموية، لكنّها تؤكِّد دوماً على طابعها المدني، ليست حركةً أصولية، إنّها نعمةٌ من السماء أنْ لا يكون ياسر عرفات إماماً، هل يُمكننا تصوُّر عواقب أن يكون النضال الفلسطيني باسم الدين، سواء على مستوى المنطقة أم في أوروبا، الفلسطينيون يعترفون بشرعية المنظمة، ورجال الدين لايشِذّون عن هذه القاعدة، إنّهم مؤمنون مسيحيون ومسلمون، لكنهم مدنيّون في نضالهم وسياساتهم، وأنا على ثقة من أنّ هذه الظاهرة سوف يسجِّلها التاريخ، إني مدين للفلسطينيين لأنّهم لم يخوضوا نضالهم كحربٍ دينية، ولو كان الأمر خلاف ذلك لكان الوضع الفلسطيني في منتهى الخطورة".
إن عبء التحرير يقع على عاتق أبناء فلسطين، أولاً بمساعدة الجيوش العربية، الذي كان يشبهّهُ أبو عمار بفيل مربوط ما أن يُفكَّ قيده حتى يُحطِّم إسرائيل، ودورنا الآن أن نفكَّ قيوده.
كعادتها لجأت الأنظمة العربية إلى تنفيس الاحتقان، فقرَّرت تأسيس أول كيان للشعب الفلسطيني بعد النكبة حمل اسم " منظمة التحرير الفلسطينية " عام 1964م، وعُيّن على رأسها السياسي الفلسطيني الوطني المخضرم " أحمد الشقيري"، الذي أَلْهب الشارع العربي بخطبه الحماسية المخلصة.
يقول طاهر العدوان – وزير الإعلام الأردني السابق:
"اقترح عبد الناصر في عام 1964م على القمة العربية وضغط عليها من أجل إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، ليظهر توجُّهاً في العالم العربي أن مهمة تحرير فلسطين يجب أن يقوم بها الشعب الفلسطيني، فتكوَّن مناخٌ عربي بشكل عام يدفع باتجاه أن يقوم الفلسطينيون بأنفسهم بعملية التصدي لتحرير فلسطين".
يقول د. محمود عباس – الرئيس الفلسطيني:
"ما حصل فعلاً أنّ الجامعة العربية أحسَّت أنّه يوجد شيء يمشي تحت الأرض وتنشأ منظماتٌ سرية، وفعلا كنا نُنشئ منظمات سرية، نعم كنا ننشئ في كل البلاد العربية، نتصل مع بعضنا في السر ونرتّب أنفسنا حتى نُطلق ثورة فتح التي حدَثَت، فعندما أحسّت الجامعة العربية بهذا الشيء ماذا فعلت؟، جاءت بأحمد الشقيري وتوجَّه إلى جميع الدول العربية، وعاد ليستعمل تعبيراً في منتهى الذكاء وقال: جئتُ مندوبا لجامعة الدول العربية لدى الفلسطينيين، وعدتُ مندوبا للفلسطينيين في الجامعة العربية. وقال لهم: "نحن الفلسطينيين نريد كياننا، نريد أن نعمل وأن نحرِّر وطننا"، وهنا قبلت الدول العربية أن تُنْشأَ منظمة التحرير، وربّما فكّروا أنّها ستكون محكومةً للأنظمة، وقبلوا أن يُنْشئوا صندوقاٍ قوميّاً وجيشاَ لتحرير فلسطين، وقالوا: "لنلهيهم بهذه القصة".
كما اتَّفق الزعماء على تشكيل "جيش التحرير الفلسطيني" في دول الطوق، بتابعيةٍ اسميةٍ للمنظمة، وفعليةٍ للدول التي يتواجد بها، وسُلّمت رئاسة أركانه للضابط الفلسطيني "عبد العزيز الوجيه". في تلك الفترة انتشرت ظاهرة منظمات الفدائيين: شباب الثأر وشباب العودة، كما شكّل الضابط الفلسطيني "أحمد جبريل" جبهة التحرير الفلسطينية مع علي بوشناق وعبد اللطيف شرورو وعُمر الشهابي. كانت حركة فتح قد اتَّسعت ورُفِدت بكوادر كثيرة من مجموعات أخرى في دول الطوق والخليج ومصر والعراق.
يقول طاهر العدوان - وزير الإعلام الأردني السابق:
"كان هدف منظمة التحرير سياسيّاً، وكانت ملتحقة بالعمل العربي المشترك من أجل تحرير فلسطين، لكنَّ "فتح" قامت على أساسِ كفاحٍ مسلّحٍ وقرارٍ فلسطينيٍّ مستقلٍّ بعيداً عن الدول العربية".
وبعد تحرير الجزائر، افتتحت فتح أوّل مكتبٍ لها في العاصمة الجزائرية أداره الشهيد خليل الوزير. تواصَلَت الاجتماعات والاتصالات بكوادر فتح، وكان هنالك إلحاح على البدء بالكفاح المسلّح. تنازعت اللجنة المركزية في حركة فتح حول رأيَين، أحدهما يدفع باتِّجاه البدء بالانطلاقة، ومثّله ياسر عرفات ومحمود عباس وخليل الوزير وصلاح خلف، وآخر بالتريَّث ودراسة الموضوع من جميع جوانبه.
يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:
"اجتمعنا عام 1964م في دمشق، وقلنا لا بدَّ أن تنطلق الثورة. قُمنا بإعداد أنفسنا منذ الخمسينات، وهناك شبابٌ عسكريّون جاهزون، وهناك سلاح، وبقي أن نطلق الرصاصة، فاجتمعنا في دمشق–أظن بشهر حزيران- لا أذكر، انقسمنا إلى قسمين "مجانين وعقلانيين" 4 مجانين و4 عقلانيين، و"أنا بالنص صوتي بدو يرجّح يا هيك يا هيك"، قالوا: "انت مع مين؟"قلت لهم" "أنا مع المجانين"، وأُخذ القرار لانطلاق الثورة بتاريخ 1/9/1964م".
يقول الرئيس ابو مازن:
"تشكّلَت اللجنة المركزية، خمسة من تنظيم الكويت، ومن قطر اثنان، وفي دمشق محمود الخالدي وحسام الخطيب، وفي غزّة محمد الإفرنجي. اجتمعنا في الكويت ومن ثم في دمشق. درسنا الانطلاقة لتكون رسمياًّ في 1/9/1964م ويومها اختلفنا مع بعضنا فحضَر الاجتماع تسعة أعضاء وغاب أبو جهاد في الجزائر وهم:
1- محمود الخالدي
2- د. حسام الخطيب
3- محمود عباس
4- محمد يوسف النجار
5- ياسر عرفات
6- محمود أبو الفخر
7- عبد الله الدنّان
8- عادل عبد الكريم
9- محمود الافرنجي
كان الخلاف على التريّث وعدم التريّث، أطلق على أنصار التريّث "العقلاء" وعلى أنصار عدم التريّث " المجانين". انتصر رأي المجانين بصوتٍ واحدٍ وهو صوت محمود عباس واتُّخِذ قرار إطلاق الرصاصة الأولى.
يقول د. محمد شتية- عضو اللجنة المركزية لحركة فتح:
"أبو مازن مقاتِل، مناضِل، توجَّه إلى الكلية العسكرية في دمشق لمدة 12 يوما، ولم يحالفه الحظ، وقرَّر فيما بعد أن يلتحق بإخوته في تأسيس حركة فتح، وآمن بفكرة الكفاح المسلح بين عامي 1965 و1988م، وبالتالي لا يجب أن نصوِّره كحمامة سلام، فهو حمامةُ سلامٍ عندما يتطلّب الأمر، وصقرٌ عندما يتطلب الأمر".
يقول جان عبيد- وزير خارجية لبنان الأسبق:
"الرئيس محمود عباس متعدِّد السُبُل والأساليب، وإذا ذكَرنا الصامدين والمقاتلين فهو بينهم، وإذا ذَكَرنا المعتمدين على التبشير والإقناع فهو بينهم، وإذا ذَكَرنا المناضلين من خلال اللغة والفكر والثقافة فهو بينهم".
فشلت العملية الأولى في 1/9/1964 فقرّرْنا موعداً جديداً في 1/1/1965م. نَجَحت العملية، عملية نفق عيلبون، وسقط الشهيد الأوّل لحركة فتح الشهيد أحمد موسى، وأُسِر المقاتل الأول محمود حجازي، وأطلقت الرصاصة الأولى، وسطع اسم "العاصفة"، وصعدَت "فتح" وبدأت تملأ المشهد. إنّها الانطلاقة، خَرَج المارد من القمقم، إنها ثورة حتى النصر.
يقول طاهر العدوان- وزير الإعلام الأردني السابق:
"ظهرت مجموعة من الشباب من خلال حركة فتح تؤكد على أهمية أن يكون للفلسطينيين رأي في هذه القضية، ولن يكون لهم رأي إلا إذا كان لهم تأثير عسكري وميداني ضد إسرائيل، ومن هنا نشأت فكرة الكفاح المسلح".
يقول د. طلال ناجي- الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/ القيادة العامة:
"بدأت حركة فتح – قبل الجميع- بالعملية العسكرية الأولى في شمال فلسطين المحتلة بمنطقة الجليل، وأعلنت عن عملية ضد النفق، واستهدفت نفق عيلبون في الجليل بتاريخ 1/1/1965، وبالتالي قادت حركة فتح العمل الوطني الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية وأصبحت قائدة الثورة الفلسطينية.
تقدَّمت الثورة الفلسطينية، وتسلّم رايتها "أبناء النكبة"، وكانت حركة "فتح" وجناحها العاصفة التعبيرَ الأشملَ الذي استقطب أوسعَ شريحةٍ من أبناء الشعب الفلسطيني، وخاصّةً بعدما رفعت شعارها الصريح "لا وصاية، لا تبعية، لا احتواء"، والذي ستخوض من أجلِه معاركَ قاسيةً في كل الاتِّجاهات، سياسيةً وفكريةً وحتى عسكرية، وهو ما يزال موضع جدال حتى الآن في مواجهة مقولات مثل، فلسطين قضيةٌ قوميّة، فلسطين قضيةٌ أممية، فلسطين قضيةٌ اسلامية. لا بأس يقول قادة فتح، لكنّها أولاً وأخيراً قضية الشعب الفلسطيني، وهو رأس الحربة في كل مراحل الكفاح من أجل استعادة الوطن السليب، والعودة إلى الديار المغتصبة، وهو مادة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها "القدس".
يتبع...
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يحتجز شقيقين وعددا من المتضامنين الأجانب في ترقوميا غرب الخليل
الاحتلال يعتقل شابا من بلدة الطور شرق القدس المحتلة
كندا تندد قرار سلطات الاحتلال توسيع سيطرتها على الضفة الغربية
اليابان تدعو إسرائيل إلى وقف الاستعمار في الضفة الغربية
الأونروا: الإجراءات الإسرائيلية الجديدة في الضفة تقوّض مستقبل الفلسطينيين وتشكل ضربة للقانون الدولي
وفد مركزية "فتح" يبحث مع وزير الخارجية المصري تطورات القضية الفلسطينية
اعتداءات المستعمرين تجبر 15 أسرة على الرحيل من مساكنها في الديوك التحتا غرب أريحا