عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 14 نيسان 2025

فلسفةُ الصبر الطريق إلى الدولة

الرئيس محمود عباس "أبو مازن"

 

الجزء الثاني:

 

يقول أبو مازن جواباً على سؤال: "هل كنتم تتوقعون أنها المرة الأخيرة؟، أي أنكم تخرجون" من صفد بدون عودة "؟

يرد أبو مازن:

"لم نكن نتوقّع أبدا أنها "روحة بلا رجعة"، ولكن – سبحان الله – نظرت إلى المدينة برفقة إخوتي وأبنائهم، كأني ألقي إليها "النظرة الأخيرة"، إنه إحساس بلا تحليل ولا معلومات. نظرت ورجعت، لكن ثبت لي مع الأيام أن الرحلة طويلة وربّما طويلة جدا، لكن مهما كانت طويلة لا بد أن تنتهي."

 

يقول أبو مازن مستذكراً يوم خروجه من " صفد " عام 1948م:

"كان هناك خوفٌ حقيقيٌّ، فمدينة صفد تشبه مدينة الخليل بالنسبة لليهود، كانت صفد تخشى من انتقام اليهود على خلفية ما جرى عام 1929م.

سيطر الخوف على الناس فاندفعوا بالخروج من المدينة بشكل عشوائي، وخرجوا على دفعتين، الدفعة الأولى من النساء والأطفال، خرجوا عن طريق الجبهة الشرقية نحو شمال بحيرة طبريا، ثم إلى منطقة " الشريعة " حيث مصب نهر الأردن في بحيرة طبريا، ثم إلى " البطيحة". أنا وإخوتي الصغار وزوجة أخي وأولاد أخي خرجنا معاً، وبقي أخواي الاثنان اللذان كانا يحملان السلاح، لكن بعد أسبوع أو أسبوعين سقطت مدينة صفد ولحق إخوتي بنا".

لم يبقَ في صفد أحدٌ من سكانها، فبعد انسحاب جيش الإنقاذ الذي يقوده العقيد أديب الشيشكلي الذي صار بعد سنتين حاكماً لسورية، واستشهد العشرات من أبناء المدينة الذين تصدّوا ببسالة لآلاف من جنود الهاغانا وشيرن، انسحب المدافعون عن صفد.

كان الصهاينة يُرتبون لمذبحة جماعية في صفد بحجة الانتقام لحادثة الحي اليهودي عام 1929م، والذي أُعدم على إثرها ثلاثي الشهادة الفلسطينية، ابن صفد فؤاد حجازي، وبطلا الخليل عطا الزير ومحمد جمجوم. كان أهل صفد يتوقّعون دير ياسين أخرى في صفد، تلك المذبحة الرهيبة التي ارتكبها "الأرغون"، والتي أشاعت رعباً حقيقياً وخاصة بين الأطفال والنساء.

كان الصهاينة قد ارتكبوا مجزرة مروعة في قرية " ناصر الدين " القريبة من صفد، فقد أبادوا كلّ من وجدوه فيها، كانت المجزرة سياسةً رسميةً اتَّخذتها مراكز القرار الصهيوني لأنهم يريدون فلسطين " أرضاً بلا شعب ".

 

يقول د. أحمد الطيبي – عضو القائمة المشتركة في الكنيست الإسرائيلي:

 "التهجير الكامل لم ينجح، بمعنى أُبيدت أكثر من خمسمائة بلدة وقرية في الداخل، فأصبح جزءٌ من سكانها مهجرين داخل الوطن، داخل البلاد، هذا هو الجزء الذي ترونه في ذكرى النكبة بمسيرات العودة إلى القرى المهجّرة، جيلٌ شابٌّ بالآلاف يحمل العلم الفلسطيني ويحمل صورة مفتاح".

لقد أجْمع قادة الحركة الصهيونية من هرتسل إلى بن غوريون وجابوتنسكي وتلميذه مناحيم بيغن ومن بعده أرييل شارون، أنّ الخطوة الحاسمة والوحيدة لإقامة دولة إسرائيل هي طرد شعب فلسطين من أرضه باستخدام كل الوسائل، وإذا رفض ذلك فسيتم طرده بالقوة مهما كانت عنيفة.  لقد أعلن قادة الصهاينة بعد صدور الكتاب الأبيض الإنجليزي على إثر ثورة 1936م الذي قضى بتقسيم فلسطين، أنّ عدد العرب في القسم اليهودي يبلغ 42% وهو أمر لا يمكن القبول به أبداً.

 

يقول طاهر العدوان – وزير الإعلام الأردني السابق:

"الفلسطينيون يواجِهون عدوّاً فريداً من نوعه، الإسرائيلي ليس جيشاً مُحتلًّا، تقوم بعمليات ضده وتنسحب، له أهل في فرنسا أو بريطانيا، هو من أجل أن يُخْرِجك من بيتك ويأخذ أرضك ويقتلك، هو استعمار إحلالي يريد أن ينزع السكان الفلسطينيين ويُحِلُّ محلهم سُكّاناً من نوع آخر".

 

يقول أبو مازن:

 "كان عمري ثلاثة عشر عاماً لكني لا أنسى كيف مشينا وكيف قطعنا النهر. كان ماء النهر مرتفعاً، فجاء رجلٌ على حصان وأركبنا وقطع بنا النهر واحداً واحداً وبصعوبة بالغة، كان الماء يصل إلى أكثر من نصف الحصان وكان قويّاً عند المصب، ذهبنا إلى دمشق ومنها إلى الأردن وأقمنا في مدينة إربد حوالي شهر عند أقاربنا ثم عدنا إلى دمشق وبدأنا رحلة اللجوء الصعبة ".

في ذلك الوقت، ربّما بفرق أيّام، كان فتى يخرج من " الرملة " إلى غزة متعلِّقاً مع صديقه بحافلةٍ ممتلئةٍ بالهاربين من القتل، أطلق الصهاينة النار على الحافلة فأصابوا صديقه، كان ذلك الصديق يقول "لخليل الوزير" كلّما التقاه:" لقد افتديتك بجرحي".

كان الهجوم الصهيوني شاملاً في الشمال باتجاه صفد وطبريا والجليل، وفي الوسط باتّجاه حيفا ويافا وعكا واللد والرملة، وفي النقب جنوباً، وإلى القدس اتّجه لواء صهيوني تصدّى له ببسالة قائد الجهاد المقدس "عبد القادر الحسيني" وهزمه، وفي اللد نجا القائد حسن سلامة من تفجير مقرِّه بعبوة صهيونية ضخمة، لكن القائدين استشهدا في خواتيم تلك الحرب الرهيبة، وإلى غزة وصل "صلاح خلف " مع آلاف الفارين عبر البحر من حيفا التي هاجمها الصهاينة من جميع الجهات.

 

يقول باسل عقل – عضو المجلس الوطني الفلسطيني:

"تعرضت المدينة إلى قصف شديد في الأيام القليلة التي سبقت نزوحنا، كنت أسمع بـ "المونيتر" من قبل العصابات الصهيونية، وبدأ الأهالي ينزحون برا وأكثرهم بحرا".

كان الشاب المقاتِل محمد ياسر عبد الرؤوف القدوة يتحامل على جرح في قدمه متجِّهاً إلى غزة، وفي اللد كان طالب الطب في الجامعة الأمريكية ببيروت جورج حبش قد تطوَّع في جيش الإنقاذ سنة 1948م ومعه هاني الهندي كمساعد طبيب. شهد جورج حبش نزوح أهله من مدينته اللد عقب المجزرة التي ارتكبت بحق أهلها في تموز يوليو، فغيّرت تلك اللحظة مسار حياته إلى الأبد.

 

يروي حبش:

" لقد أتى الإسرائيليون إلى اللد وأجبرونا على الفرار، إنّها صورة لن تغيب عن ذهني ولا يمكن أن أنساها، ثلاثون ألف شخصٍ يسيرون، يبكون، يصرخون من الرعب، نساءٌ يحملن الرضّع على أذرعهن، والأطفال يمسكون بأذيالهن، والجنود الإسرائيليون يشهرون السلاح في ظهورهن، بعض الناس يسقط على قارعة الطريق وبعضهم لم ينهض ثانيةً. لقد كان أمراً فظيعاً، ما أن ترى ذلك حتى يتغيّر عقلك وقلبك، فما الفائدة من معالجة الجسم المريض عندما تحدث مثل هذه الأمور؟، يجب على الإنسان أن يُغيّر العالم، أن يعمل شيئاً ما، أن يقتل إذا اقتضى الأمر. يقتل، ولو أدى ذلك إلى أن نصبح بدورنا غير إنسانيين.

هؤلاء الشباب الخمسة: محمد عبد الرؤوف القدوة " ياسر عرفات "، محمود عباس " أبو مازن "، خليل الوزير " أبو جهاد "، صلاح خلف " أبو إياد "، جورج حبش " الحكيم "، سيلعبون بعد سنوات مع إخوة ورفاق لهم دوراً تاريخياً في العنوان الذي ما يزال يشغل العالم بأسره حتى يومنا هذا "قضية فلسطين".

طلب الحكام العرب من أبناء فلسطين الخروج ليتاح لجيوش الإنقاذ استرداد فلسطين وتحريرها من العصابات الصهيونية. كان أولئك الحكام يعرفون منذ صدور قرار التقسيم رقم 181 عام 1947م أن الحرب واقعةٌ لا محالة، وأنّ الصهاينة وبتغطيةٍ بريطانية وأمريكية بل ودولية كاملة، سيبادرون إلى شن حربٍ ضروس ضد عرب فلسطين، لكنّهم لم يبادروا إلى تسليح أبناء الشعب الفلسطيني، وقد لاقى قادة فلسطين الأمرّين في تأمين قطع السلاح، والآلاف من أبناء فلسطين باعوا أملاكهم لشراء مسدس أو بندقية أو حفنة من رصاص.

لم يبق أمام الفلسطينيين إلا الاعتماد على أنفسهم وعلى بعض الوطنيين الغيورين العرب الذين تطوَّع بعضُهم للقتال إلى جانبهم، شكّلوا لجان دفاع محليّة عن المدن والبلدات والقرى، وكان الصهاينة قد بدأوا عدوانهم المسلح على الشعب الفلسطيني منذ بدايات عام 1948م.

وقبل يوم واحد من إعلان بريطانيا انسحابها من فلسطين، اجتمعت اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية في تل أبيب وقرّرت إقامة دولة إسرائيل، وفي الخامس عشر من أيار عام 1948م، أعلن ديفيد بن غوريون رئيس اللجنة التنفيذية في الحركة الصهيونية في فلسطين "قيام دولة إسرائيل"، وصار أول رئيس وزراء لها، وسمّى أعضاء اللجنة التنفيذية الصهيونية وزراء في حكومته.

دخلت جيوش خمس دول عربية، هي مصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان الحرب، وشُكّل جيش الإنقاذ بناءً على قرار الجامعة العربية، كما تمّ تشكيل قيادةٍ عُليا للعمليات. كان عددها لا يزيد عن 35 ألف مقاتل وبعتاد قديمٍ وأسلحة خفيفة. حقّقت الجيوش العربية بعض التقدم. الجيش المصري من جهة سيناء زحف من الغرب، والجيش السوري والمتطوعون من الشمال والجيش العربي الأردني وكذلك العراقي من الشرق. وكان اللاجئون الفلسطينيون في أماكن اللجوء المرتجَلة رغم الجوع والضنك والغربة الفاجعة يملأهم الأمل بالعودة على وقع أخبار الانتصارات الأولى وبعض التقدم من 15 إلى 31 أيار عام 1948م.

اجتمع مجلس الأمن بضغط أمريكي أوروبي في 11/6/1948م، وأعلن الهدنة مهدِّداً بالعقوبات القصوى للطرف الذي لا يلتزم بها. كان الهدف إتاحة الفرصة للصهاينة لاستعادة قواهم ومدّهم بالأسلحة الحديثة وآلاف المتطوعين الجدد.

 

يقول د. عبد السلام المجالي – رئيس وزراء الأردن السابق:

"القوة العربية في تلك الأيام محدودة، وغير مؤهلة وغير مدرّبة ومتنافرة مع كل أسف، بينما كان الإسرائيليون منظمين وموحّدين ولديهم قوة كبيرة، ويدعمهم الغرب كله، فلذلك معادلة الحرب لم تكن متوفرة".

في 10/7/1948 استؤنفت المعارك، وبدا واضحاً تفوّق الأسلحة الصهيونية بالطائرات الحربية والمدفعية والمدرعات وعدد المقاتلين الذي قارب الثمانين ألفاً، أيْ ضعف القوات العربية، فتقدمت في جميع محاور القتال في الشمال والشرق والجنوب، وفي 16 تموز فرض مجلس الأمن الهدنة الثانية. وضَعت بريطانيا والولايات المتحدة ثقلهما الكامل لتأمين بقاء دولة إسرائيل، ففرضت الهدنة الثالثة في 4 تشرين الثاني 1948م.

اجتمع قادة الجيوش العربية في القاهرة في 10/11/1948، وبعد المداولات قرّروا أنّه ليس بوسع جيوشهم مواصلة القتال، فقبلوا الهدنة، وتحوّلت إلى هدنة دائمة. وتم التوصل إلى أول اتِّفاقية هدنة عربية إسرائيلية بين وفدي مصر وإسرائيل في جزيرة رودس في 24 شباط 1949م، تبعتها الهدنة الإسرائيلية اللبنانية في رأس الناقورة يوم 23 آذار 1949م، والهدنة الأردنية الإسرائيلية بتاريخ 3 نيسان 1949م، ووقّعت اتِّفاقية الهدنة السورية الإسرائيلية في الجولان بإشراف الأمم المتحدة في 20 تموز 1949م، أما العراق فلم يوقّع أيَّ اتِّفاق هدنة مع إسرائيل حتى اليوم، وهكذا انتهت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948.

صارَت النكبة أمراً واقعاً. كانت نتيجة الحرب كارثةً مروِّعة على الشعب الفلسطيني الذي وجد نفسَه لاجئاً في دول الطوق في نهاية فصلٍ طويلٍ من الصراع كان عنوانه "فلسطين لمن"؟. ما كان بإمكان أيِّ فلسطيني أن يتصوَّر هذه النهاية المروِّعة.

كيف يستطيع هذا الشعب الشجاع الفخور احتمال هذا الواقع المدمر؟ لقد ضاعت فلسطين ولم يبق منها إلا أقل من ربع مساحتها. الضفة الغربية التي أُلحِقت بالأردن وقطاع غزة الصغير الذي وُضع تحت الإدارة المصرية. لقد مُنع الفلسطينيون من قبل الجامعة العربية من تقرير مصيرهم، فقد رفضت الاعتراف بحكومة "عموم فلسطين"، التي عمل من أجلها الشيخ أمين الحسيني وترأسها في غزة السيد أحمد حلمي عبد الباقي حتى وفاته عام 1963م.

تجاهل العرب كل النداءات والمطالب التي تقدَّم بها الشيخ أمين والقيادة العربية العليا لإقامة كيان فلسطيني على ما تبقى من فلسطين، وكان الأمر غريباً ومريباً لا يُصدَّق. استشهد وجرح في تلك الحرب عشرات الآلاف من العرب الفلسطينيين نساءً وأطفالاً ورجالاً، ونُسِفت مئات القرى، وارتُكِبت عشرات المجازر، كما سقط آلاف الجنود العرب شهداء من أجل تحرير فلسطين، وشُرِّد نتيجتها ثمانمائة وخمسون ألف فلسطيني، توزّعوا على دول الطوق وخاصةً الأردن وسوريا ولبنان وقطاع غزة والضفة الغربية وبدأت مأساة اللجوء.

كانت نكبة عام 1948م التي أدّت إلى تشرُّد الشعب الفلسطيني لاجئاً في دول الطوق العربية، سوريا ولبنان والأردن، وفيما تبقى من فلسطين – الضفة الغربية – قطاع غزة، اعلاناً بنهاية جيل من النخبة الفلسطينية التي قادت العمل الوطني منذ عام 1920م إلى عام 1948م.

 

 

" من اللجوء إلى التمرد..

فتح.. ثورة حتى النصر "

في مخالفةٍ متعمّدةٍ للقانون الدولي، رفضت الأمم المتحدة التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين كشعبٍ له حقوقٌ معترفٌ بها في القانون الدولي، وأصرَّت على التعامل معهم كحالة إنسانية، فأنْشأت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا "، والتي ظلّت المرجِع الوحيد للشعب الفلسطيني المشرّد المغدور حتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من القمّة العربية في الإسكندرية عام 1964م.

 

يقول د. عبد السلام المجالي – رئيس وزراء الأردن الأسبق:

 "قامت الأمم المتحدة بتحمل بعض المسؤولية بما يُسمّى (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين)، لكن الحالة النفسية كانت سيئة جدا لهذا الشعب بفعل التشريد، خاصة أن الدعاية أعْمته، أن هذه القضية سوف تأخذ بضعة أيام ويعود الوضع كما في السابق.

 

يقول د. محمود عباس – الرئيس الفلسطيني:

"غُيِّبت الشخصيةُ الفلسطينية تماما، بمعنى تحوَّلت قضية فلسطين من قضية تحريرٍ وأرض ووطن إلى قضية لاجئين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وإلى مشكلةِ حدود بين الدول العربية والإسرائيلية. بدأ هذا الوضع من عام 1948م واستمرّ حتى عام 1964م، وكأنَّ القضيةَ الفلسطينية انتهت، ليتساءَل الشعب أين نحن؟ أين أرضنا؟ أين بلدنا؟، العمل ممنوع، القتال العسكري ممنوع، ومن هنا بدأت إرهاصات مختلفة بين الشباب الفلسطيني في كل مكان.

 

ويكمل أبو مازن:

"عِشْنا في دمشق في قرية (تل منين) وأظنّ أنّها أصبحت الآن مدينة، عشنا فيها لأكثر من سبعة أشهر، وانتقلنا فيما بعد إلى دمشق لنكسب لقمة العيش، فبالرغم من مساعدات الأمم المتحدة المقدّمة لنا إلَّا أنها لم تكن تعطينا الحياة.

توجَّهنا جميعاً إلى ميدان العمل دون استثناء، أنا كان عمري (13) عاماً، وأخي الأصغر (11) عاماَ، والأصغر منه (9) أعوام، وجميع إخوتي الذين يكبرونني سِنًّا، لكن كان لديّ هاجس الدراسة، أريد الدراسة، أريد أن أُكمِل تعليمي، فانتظرت سنة كاملة، لم أقدر، فتوجّهت إلى مدرسة (الكلية العلمية الوطنية) وسألوني: أنت بأيِّ صف؟ قلت لهم بالصف التاسع. دخلت إلى الصف التاسع في المدرسة ونجَحْت في (الكفاءة) التي تُعادل دراسة الجامعة في هذه الأيام، فيستطيع الإنسان أن يكون موظّفاً حكومياً مُعتبرا على درجة، فقدَّمْت لوزارة التربية وعُينت معلما في (القطيفة)، وكنت آخذ راتباً مقداره (129 ليرة ونصف) تُطْعمني كموظَّف وتُقدِّم بعض الحاجات للعائلة، فكنتُ أُقسِّم راتبي نصفين، النصف الأول لغذائي ومصاريفي اليومية والمدرسة، والنصف الثاني أعطيه لأهلي وبدأنا في الانتعاش فِعلاً.

كانت (البكالوريا) الصف (الحادي عشر)، ليست مِثْل حاليّاً (الصف الثاني عشر)، فبعد أوّل سنة عمل في القطيفة أرَدْتُ أنْ أُقدِّم (البكالوريا)، فانتسبت إلى مدرسةٍ لَيْلية، وهي مدرسة (الكلية الأهلية أو المدرسة الأهلية أو الثانوية الأهلية).

كنت آتي من القطيفة بحدود الساعة الرابعة أو الخامسة إلى المدرسة اللّيلية، فأحْضر درسين أو ثلاثة، ثم أتوجَّه إلى البيت، ننام، ثاني يوم من الصبح على المدرسة، ثم الباص ثم القطيفة، ثم الباص، ثم المدرسة الّليلية، ودرست بكالوريا (علمي) –وهذه مشكلة- فوضَعْتُ برأسي التخصّص العلمي كي أصبح مهندساً. اجتهدتُ ونجحت، وحصلت في آخر السنة على البكالوريا، وانتقلت فيما بعد إلى دمشق، فمن شروط العمل قضاء مدة سنتين خارجها ثم تنتقل إلى دمشق، فانتقلت إلى "الميدان" وعشت فيها ثلاث سنوات.

دَخَلْت الجامعة كمُنتسب وأَنهيت السنة الثالثة، التي حدَثت فيها حرب عام 1956م، فانتسبتُ للكليّة العسكرية، وتمَّ إجراء فحصٍ لي وقالوا لي مع السلامة، نظرك "مش ولا بد"، فعدَلْتُ عن الانتساب وأكْملت السنة الثالثة، ثم جاءني عقدُ عمل إلى قطر لأسمع التعليقات، "يا أخي كمِّل جامعة" قلت لهم "بدنا نعيش"، وباختصار توجّهت إلى العمل في "قطر"، ثمّ رجعت بآخر السنة وقدّمت الاختبار وأنْهَيت دراسة الحقوق، "هذه قصتي".

كان محمود عباس في الثالثة عشرة عام 1948م في تل منين. حطّت العائلةُ رحالَها في أحد المساجد لفترة من الزمن ثم استأجرت العائلة بيتاً، ولكنّ الوضعَ لا يُحتمل، فانْخرطَ كعامل بناء (مساعد بلاط) مع شقيقه حتى سقط مريضاً.

كان الطالب النجيب ينظر إلى طلاب المدارس بحسرة بالغة، لكنه لم يَيْأس، فتقدم مع الطلبة الأحرار، ونجَح في الشهادة الإعدادية التي كانت تعتبر في تلك الأيام شهادة ذات قيمة تؤِّهل صاحبها ليكون معلّماً. عُيّن محمود عباس معلماً في بلدة القطيفة في ريف دمشق الشمالي، وكان يتحضَّر لشهادة البكلوريا بجهدٍ شخصي، وكانت المئة ليرة سورية التي يقبضها المعلِّم في تلك الأيام بمثابة جائزة شهرية لا تقدَّر بثمن، وخاصة لمن كان في مثل ظروف لاجئ فلسطيني.

في تلك الأيام، كانت آلاف الخيام تنتصب في جنوبي دمشق، وترتفع لوحةٌ معدنية صغيرة كُتب عليها "مخيم اليرموك، وهكذا بدأت تنتشر المخيمات في سوريا ولبنان والأردن كما في الضفة وغزة، ومن تلك المخيمات سينتفضُ اللاجئ الفلسطيني على هذا الوضع الإنساني المدمِّر ليصبح ثائراً، بل رمزاً للحرية في العالم المعاصر.

بدا واضحاً أنّ الحكومات العربية غَسلت أيديها من القضية الفلسطينية وآثرَت السلامة، لكن الشارع العربي كان يغلي كانت الخمسينيات بحق سنوات الغضب والغليان في الشارع العربي الذي روَّعَه ضياع فلسطين، وكانت التظاهرات وخاصة الطلبة تملأ الشوارع، والجميع يطالبون بتحرير فلسطين والثأر للكرامة العربية المهدورة.

يتبع...