في زمن الاحتلال.. لا شهادة وفاة ولا دليل حياة

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- على جدار رمادي في مخيم بلاطة شرقي نابلس شمخت صورة كبيرة، ما زالت رطبة الحزن، تحدق في المارة بعينين ضاحكتين، كأن يوسف الأسمر لم يمت، بل كان يختفي مع الموت في آخر صورة له.
كانت الصورة هناك، أمام منزلهم تصرخ في الفراغ وتعلن للعابرين: هنا عاش شهيد وهنا بكت العائلة وجعا دام طويلا، بينما وقفت أخت ترتب حدادها بعد مرور الأربعين وتتحدث بلغة التردد بعدما وردت أنباء بأن الشهيد يوسف عاد حيا.
وأعلنت سلطات الاحتلال اغتيال يوسف الأسمر واحتجاز جثمانه برفقة اثنين آخرين خلال عدوان على مخيم الفارعة في محافظة طوباس في شهر شباط الماضي.
الأسبوع الماضي وبعدما فرغت العائلة من إحياء ذكرى الأربعين لاستشهاد يوسف، انقلب كل شيء، حين رن الهاتف، ليتحدث شخص لا يتقن العربية إلا كعابر سبيل عليها، ليبلغ زوجة الأسمر أن يوسف ما زال حيا وأن عليها تعيين محام له.
تلك المكالمة التي جاءت متأرجحة بين الحياة والموت، من شخص قال إن ضابطا في جيش الاحتلال قال لزوجة يوسف إن زوجها لم يمت وهو يتلقى العلاج حاليا في أحد المستشفيات بمدينة حيفا.
وإن صحت الأنباء التي لم تصدقها العائلة بنسبة كاملة حتى الآن إلا أن الأنظار والألفاظ انتقلت من يوسف الشهيد إلى يوسف الذي يتلوى على سرير بارد في مستشفى "رمبام" في حيفا. بعدما قال ذلك الضابط ببساطة مفجعة: "عليكم أن توكلوا له محاميا، فابنكم لا يزال حيا".
في لحظة واحدة، انكمشت الأرض تحت أقدام العائلة، كأن السماء فقدت ترتيب نجومها، سامي شقيق يوسف، قال بصوت مرتعش: "قال إنه ضابط، أبلغ زوجة يوسف أنه لم يمت، بل أصيب، وهم يحتجزونه حيا".
شقيقته الكبرى، تلك التي كانت تقبل صورته وتبكيه على الوسادة كل ليلة، وقفت في زاوية الغرفة، تضع يدها على صدرها، وكأن القلب صار هشيما لا يقوى على النبض. قالت: "أقمنا له العزاء، ومضى أربعون يوما وأحيينا هذه الذكرى واليوم تأتينا هذه الصدمة، لكنها صدمة مفرحة إن صدقت".
تقول الأخت ذات المشاعر المتضاربة "إنه يوسف، الذي عاد من الموت، ولكن ليس إلى الحياة، بل إلى قيد آخر، أكثر وجعا من المقابر".
العائلة لا تعرف أين تبدأ الأسئلة، ولا من تصدق منذ متى وهو في ذلك السرير.
وتفتح قصة يوسف قصصا تعيشها الكثير من البيوت الفلسطينية، ففي كل بيت، يوسف غائب، يوسف أسير، يوسف في البرزخ بين الحياة والموت. العائلات هنا لا تعرف كيف تحزن، ولا متى تفرح. فلا قبر يقين، ولا جسد يعود.
العائلة التي تبحث عن خبر يقين تعرف أن المأساة تكمن في أن لا أحد يستطيع زيارته، فالصليب الأحمر، الذي كان المواطنون يلوذون به كملجأ أخير، ممنوع من الدخول، المحامون عاجزون عن الوصول إلى السجون.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تحتجز إسرائيل جثامين عشرات الشهداء وتعلن الاغتيالات بوقاحة، وتخفي الأجساد عن الأمهات، لا شهادة وفاة، ولا دليل حياة.. مجرد بلاغ عسكري يقول: "قتلناه"، ثم تنقطع الأخبار.
مواضيع ذات صلة
الأونروا: الإجراءات الإسرائيلية الجديدة في الضفة تقوّض مستقبل الفلسطينيين وتشكل ضربة للقانون الدولي
وفد مركزية "فتح" يبحث مع وزير الخارجية المصري تطورات القضية الفلسطينية
اعتداءات المستعمرين تجبر 15 أسرة على الرحيل من مساكنها في الديوك التحتا غرب أريحا
بلجيكا تُدين إجراءات إسرائيل الساعية لتعزيز سيطرتها على الضفة الغربية
ارتفاع أسعار الذهب واستقرار النفط عالميا
الاحتلال يعتقل خمسة مواطنين من نابلس
الأغوار الشمالية: إصابة مواطنين من خربة سمرة جراء رشهما بغاز الفلفل من قبل مستعمرين