ناظم حكمت.. شاعر الحرية يعيش في الروح الإنسانية
"وضع الشاعر في الجنة، فصاح آه يا وطني"

مهيب البرغوثي
مضى أكثر من ستين عاما على رحيل الشاعر والمناضل الأممي ناظم حكمت، ومع ذلك لم ينس ولن ينسى أبدا شعره وحضوره الانساني لا في بلده تركيا ولا في العالم العربي، وفي مختلف أنحاء العالم. ولا يزال اسم الشاعر التركي الكبير، يتردد بقوة ربما يعود ذلك لا إلى شعره فقط، بل إلى المسار الانساني الذي انتهجه في حياته النضالية وفي اشتباكه مع واقع الناس.
ولد شاعرنا في 1902 في مدينة سالونيك في تركيا يوم 15 حزيران ورحل في موسكو، يوم 3 حزيران 1963، وما بين الميلاد والرحيل أبدع من روائع شعرية وأدبية، ورواية "الحياة جميلة يا صاحبي" تعتير من الروايات العالمية التي ترجمت لأكثر من 50 لغة، وقضى في المعتقلات أكثر من 20 عاما من أزهى سنوات عمره، وتنقل بين دول وقارات مناضلا من أجل حرية الإنسان في كل مكان.
زار ناظم حكمت القاهرة ضمن وفد أدباء أفريقيا وآسيا، وكان واحدا ممن التقى معهم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وقد رثاه الشاعر المصري الكبير صلاح جاهين بقصيدة بعنوان "بكائية" ضمنها ديوانه "قصاقيص ورق".
أجمل ما في شعر حكمت، الحكايات والتعابير والصور والأمثال الشعبية وعوالمه المأخوذة من الواقع الذي يعالج فيه القصص الانسانية للإنسان التركي البسيط وكيف حولها من حكايات الى نصوص شعرية.
النضال بالكتابة
في زيارتي للمركز القومي في القاهرة لاحظت كتابا عليه صورة ناظم حكمت. وبعد ان عدت الى رام الله وقرأته وجدته من الترجمات الجميلة لشعره. الترجمة قام بها علي سعد، وصدرت لأول في بيروت 1952، بمقدمة جاء فيها: "يسرنا أن نقدم شعر ناظم حكمت إلى قراء العربية، فإننا نأمل بذلك أن نتيح لهم فرصة التعرف إلى لون من الشعر الواقعي لم يفسح له بعد المجال الكافي في اللغة العربية، وإننا نعتقد أن الرجوع إلى هذا النهج الشعري الذي يستمد عناصره ووسائله من واقع العيش وينابيع الحياة الشعبية، من شأنه أن يساعد على بث بعض الصحة والعافية في عروق أدبنا الذي أفقرته وعمقته المذاهب التي نقلناها دون روية عن الأدب الغربي، من رومانطيقية إلى رمزية وسريالية، مذاهب لم تخلق لمجتمعنا الحاضر، ولم تزد الهوة بين الشعب والأدب إلا اتساعا".
وقد تمت اعادة نشر ترجمة مختارات علي سعد لتصدر عن المركز القومي للترجمة ضمن "ميراث الترجمة"، وقدم لها برؤية متكاملة لا تتناول فقط قيمة وقامة حكمت ولكن تطرق لحضوره في الحركة الشعرية العربية عبر العديد من الترجمات التي تلت ترجمة سعد:
إن أجمل البحار/ هو ذلك الذي لم نذهب إليه بعد./ وأجمل الأطفال/ من لم يكبر بعد./ وأجمل أيامنا/ لم نعشها بعد./ وأجمل ما أود قوله لك/ لم أقله بعد".
أجمل ما في شعر حكمت، تلك الحكايات وتلك التعابير والصور والأمثال الشعبية التي تزهر كالنجوم على قلمه بين ثنايا حديثه الواقعي، فتشيع فيه من البراءة والنداوة والعفوية بما يتيح لشعره الدخول دون استئذان إلى الأفئدة والألباب. لقد نجح ليس فقط في التعبير عن مطالب الشعب التركي بأشكال وصيغ في متناول كل الناس، ولكن أيضا في توسيع آفاق الشعر التركي وتجديدها، بإعطاء هذا الشعر الطابع الجديد الذي يعكس عالمنا وعصرنا الحديثين.
ويقول إن شعر ناظم حكمت الذي يستقي مادته من واقع العيش العادي وأبسط الحوادث اليومية التي تعطي للحياة طابعها البغيض ذي الوتيرة الرتيبة يعرف كيف يجنبك الشعور بتفاهة هذا الواقع أو بعبث العيش فهو إلى جانب موهبته في اكتشاف المغزى العميق والدلالات الخصبة في أتفه الحوادث (وهو يتبع أعرق تقاليد الحكمة عند القدماء) يتقن فن تحبيب الحياة إلى الناس.
وبذلك يستطيع كل إنسان أن يتلقى في شعر حكمت دروسا في التفاؤل والرجاء والإيمان بالحياة، ففي كل بيت من شعره نشعر بإمكانية غلبة الحياة على الموت والمرض والألم والظلم.
ورغم أن الحياة لم تهادنه ولم ترفق به ولا بإخوانه، بؤساء الأرض، ولم تسخ عليه بمقدار ما حاول أن يسخو به على الناس، فإن أي مرارة لم تتطرق يوما إلى قلبه أو شعره، ففي أعماقه ظلت تضيء شعلة من الإيمان بجمال الحياة والولاء لها.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين