عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 16 آذار 2025

غزة.. إفطار تفسده معاناة إيقاد النار وسحور ممنوع لعدم توفر غاز الطهي

بقرار متنفذي "السوق السوداء"

غزة – الحياة الجديدة – أكرم اللوح- "الحياة هنا أصبحت بلا طعم، والروتين اليومي جزء من العذاب. أحيانا نتساءل: لماذا نعاني بهذه الطريقة غير الإنسانية؟ وأين هم الذين يزعمون أنهم مسؤولون عنا؟ لماذا يختفون في القضايا الحياتية للناس، ويظهرون في قضايا التسول وجمع الضرائب والأموال؟ حسبنا الله ونعم الوكيل".. كانت تلك كلمات المواطنة أم محمد متولي (55 عاما) من مخيم المغازي وسط قطاع غزة.

متولي كانت برفقة ابنتها البالغة من العمر 13 عاما، وقد استيقظتا منذ الصباح الباكر للبحث عن الحطب وعسف النخيل من المناطق الشرقية لقطاع غزة، المصنفة خطرة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، لتتمكن من إعالة أسرتها التي فقدت معيلها ومنزلها في قصف إسرائيلي. يقمن ببيع ما يجمعنه، وما يتبقى يعدن به إلى المنزل لطهو بعض المعلبات، وتجهيز الفطور بعد يوم صيام شاق وطويل.

هذا جزء بسيط من رحلة العذاب اليومي لإحدى العائلات في غزة، مع انقطاع التيار الكهربائي، ومنع الاحتلال إدخال الوقود وغاز الطهي منذ أكثر من أسبوع، إضافة إلى وقف متنفذين في غزة توزيع الدفعة الأخيرة من الغاز على المواطنين، واحتكاره وبيعه عن طريق سماسرة في السوق السوداء.

وتقول متولي إن نقص غاز الطهي، وغلاء أسعاره في السوق السوداء، فاقم معاناة الأسر في شهر رمضان. طهو الطعام يستغرق وقتا طويلا على نار الحطب، ويضاف إلى ذلك المعاناة في إيقادها، والدخان الذي يؤثر على الجهاز التنفسي، والأمراض التي أصابت عيوننا نتيجة هذه الطريقة البدائية. مضيفة: "نقضي يومنا أحيانا بلا سحور، بسبب تلك المعاناة، وصعوبة إيقاد النار في ساعات الفجر".

وينتشر غاز الطهي في أسواق قطاع غزة، ولكن بأسعار خيالية، حيث يتراوح سعر الكيلو الواحد بين 100 و150 شيقلا، وسط احتكار كبار التجار للدفعة الأخيرة من الغاز، ووقف تعبئتها للمواطنين، وكل ذلك تحت مرأى ومسمع متنفذين وبعض ممن يسمون "وزارة اقتصاد حماس" التي تتحكم في استيراد وبيع الغاز.

ويقول أحد المواطنين ويدعى شفيق عبد السلام (43 عاما) من سكان مدينة دير البلح وسط قطاع غزة: "توجهت إلى إحدى محطات تعبئة الغاز في المدينة، في محاولة للحصول على 2 كيلو من الغاز، لأتمكن من طهو السحور لعائلتي، كوني أعاني من الربو، ولا أستطيع إيقاد النار وسط الليل".

ويضيف: "أخبرني أحد العاملين في المحطة بأن الغاز متوفر، ولكنه محجوز بقرار من مسؤول اقتصاد في حماس، وأن البيع يتم فقط في السوق السوداء"، مؤكدا قدرته على منحه 2 كيلو من الغاز ولكن مقابل 280 شيقلا (كان سعر الكيلو الواحد قبل أسبوعين ما يقارب سبعة شواقل).

الناشط المعروف صالح ساق الله كتب عبر صفحته على "فيسبوك": "سؤال لوزارة الاقتصاد التابعة لحماس في غزة: الذين يبيعون الغاز بكميات كبيرة في غزة، وبأسعار خيالية وصل سعر كيلو الغاز إلى 120 شيقلا، من أين حصلوا على هذه الكميات المستمرة تدفقها حتى الآن في السوق السوداء؟".

المواطن إياد مرتجى رد على ساق الله قائلا: "قبل إغلاق المعبر بثلاثة أيام، وصلت كمية غاز طهي، وتم إرسال رسائل للمواطنين لتسليم أسطوانات الغاز للموزعين، وبعدها بيومين أغلق المعبر ولم يتم تعبئة أسطوانات المواطنين، والآن الغاز يباع في السوق السوداء. من يستطيع ذلك غيرهم؟ الأمور واضحة" (ويقصد مسؤولين متنفذين في حماس).

الناشط أدهم اقطيفان كان أكثر وضوحا وأبلغ في تعليقه بأن السماسرة في السوق السوداء حصلوا على غاز الطهي من "عصابات" الاقتصاد (ويقصد مسؤولي حماس القائمين على تعبئة الغاز في غزة)، مضيفا: "يتم البيع بتقاسم الإيرادات، حاميها حراميها".

الصحفي عبد الله الفرا كتب عبر صفحته على "فيسبوك": "بسبب إغلاق المعابر، بات العديد من المواطنين بدون غاز الطهي، وحتى إشعال النار لطهي طعام الإفطار أصبح معركة يومية يخوضها الكثيرون، والعديد ينامون دون وجبة سحور".

مراسل قناة القاهرة الإخبارية الصحفي يوسف أبو كويك روى رحلته اليومية في شهر رمضان ساخرا ومعنونا إياها بـ"من يوميات المنتصرين في غزة": "استيقظت متأخرا عند الثامنة صباحا.. وقفت رفقة أشقائي في طابور المياه المالحة، بعد انتظار فزت بـ 80 لترا حملتهم نحو الطابق الثالث.. مباشرة .. أوقدت الحطب وبدأت مهمة تسخين الماء.. على 4 مراحل استطعنا أن نستكمل عملية الاستحمام لأطفالنا الأربعة وفعلت مثلهم.. عندها اكتشفت أن الساعة تلامس عقاربها الواحدة فأسرعت لوظيفتي بعدما تأخرت ساعات طوال لأكمل مهمات المنتصرين"، مضيفا بسخرية وتذمر: "شكرا لمن جعل حياتنا جحيما فوق جحيم". وختم بملاحظة على الهامش قائلا: "سلة الغسيل امتلأت بانتظار رحلة أخرى للحصول على الماء".

الدكتور محمود عساف كان أكثر وجعا بسرد يومياته في رمضان قائلا: "لليوم الثاني على التوالي لم أستطع الحصول على الخبز بسبب تزاحم الناس أمام المخابز، ولليوم الثالث على التوالي لم ينجح أولادي بالحصول على غالون الماء الصالح للشرب بسبب التزاحم أيضا، ولليوم الخامس على التوالي عادت وجباتنا إلى المعلبات". وختم: "هنا الجميع بلا مقومات، الأوضاع كارثية، وغزة في طريق اللاعودة، ولم تتعاف كما يزور اللصوص وتجار المعاناة".

ويعاني قطاع غزة من نقص كارثي في توفير مياه الشرب، وتفاقمت الأزمة بعد قطع قوات الاحتلال لخط كهرباء بقدرة 5 ميغاوات كان يغذي محطة تحلية المياه في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.

وتعتمد غزة بشكل كبير على واردات الغاز الطبيعي عبر معبر كرم أبو سالم ورفح جنوب قطاع غزة. قبل التصعيد الأخير، كانت تدخل يوميا حوالي 300 إلى 400 طن من غاز الطهي، فيما يقدر الاحتياج اليومي لقطاع غزة من غاز الطهي بما يتراوح بين 400 و500 طن، مع الأخذ بعين الاعتبار نمط الاستهلاك وتوفر بدائل أخرى للطاقة.