عبد الله أبو التين.. جرّاح النهار وفارس الليل

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- تستذكر طبيبة الأسنان أنصار كميل، رفيقة درب الدكتور الشهيد عبد الله أبو التين اللحظات الأخيرة من صباح 14 تشرين الأول 2022، حينما أخبرها بتوجهه إلى مستشفى جنين لمساعدة زملائه إثر العدوان على المدينة ومخيمها، لكنه لم يعد.
وقالت، بنبرة يسكنها الحزن، إنها بعد وقت قصير من مشاهدتها للاقتحام، بحكم بيتهم القريب من حاجز الجلمة، غيّرت وضعية هواتف زوجها إلى صامت؛ لتمكنه من الاستمرار في النوم بعض الوقت، فقد تأخر في العمل الليل السابق، ثم استيقظ بسرعة، وانزعج من إخفائها نبأ العدوان عنه.
"عبّود" المُشتبك
وأضافت، وهي تتابع اقتحام جنين المستمر الذي أسفر عن شهيدين، إن "عبود" كما حرصت على مناداته، كان يسرع بعد كل اجتياح إلى مفتاح سيارته وهواتفه، وينطلق إلى عمله مثلما يخبرها، دون أن يصرح لها بما يفعله، أو أنه "الطبيب المشتبك".
واستدركت كميل أن زوجها مازح طفله زين، وأخبره بالتوجه إلى "مهمة نضالية"، وانطلق سريعا، لكنها بعد نحو ساعة سمعت والدته تصرخ بأن "عبود" أصيب، وكانت في حالة صعبة فقدت على أثرها القدرة على الرد.
وتابعت إنها سارعت إلى قنوات "تيليغرام" التي تحدثت عن إصابة طبيب واستشهاد الشاب متين ضبايا، غير أنها لم تعرف ماذا تفعل، خاصة أنها وحيدة في أطراف المدينة، والوقت مبكر للاتصال بأخواتها ووالدتها المقيمين في بلدة قباطية.
واستعادت اللحظات العصيبة التي مرت بها، فقد انطلقت برفقة أمها وأخوتها إلى المستشفى، ورأت عبد الله في غرفة العناية الفائقة بوضع حرج، فالرصاصة اخترقت عينه اليسرى وتسببت بخروج دماغه من مكانها.
وباحت: بحكم كوني طبيبة أسنان، وبالرغم من تمسكنا بالأمل إلا أنني أدركت لحظة وصولي إلى المستشفى أن نبض رفيق دربي سيتوقف في أية لحظة، فالإصابة بالغة.
طبيب وعاشق
أبصر د. أبو التين النور في 28 أيار 1980، ودرس الطب في أوكرانيا، وتخصص في الجراحة العامة بمستشفى رفيديا الحكومي، وارتبط بشريكته في 17 تشرين الأول 2015، وأنجبا عمر عام 2017، وزين الدين عام 2019، وعمل بوزارة الصحة في رام الله ونابلس مديرا عاما للإجازة والترخيص.
وقالت كميل إن أغنية (عشق المخيم) التي بكى فيها المنشد حمزة أبو قينص (قضى قبل عدة أيام شهيدا في غزة) تحولت إلى سلام وطني لطفليها، إذ تلامس أسماعهما مع كل ذهاب إلى المدرسة، وتتكرر كثيرا في البيت، وخلال التنقل بالسيارة، وحفظها الصغيران عن ظهر قلب، ويفتخران بها.
وروت أنها تفتقد عبد الله كل حين، وتحاول هي ووالدتها وعائلتها التخفيف عن طفليه، وتألف لهما قصصا عن غياب والدهما، وأخبرتهما بأنه انتقل إلى السماء، وهو بحالة جيدة ولا يتوجع من جراحه، لكنه يسمعهما ولا يستطيع الرد على أسئلتهما.
وأضافت أن صغيرها زين الدين صار ينسج من خياله قصصا عن والده، الذي قضى وهو بعمر لا يسمح له بتذكره، غير أنه وعمر يشعران خلال حضور آباء التلاميذ إلى المدرسة بحسرة كبيرة.
وقصت أنهما سافرا قبل شهرين من استشهاده إلى تركيا، وشعرت بعد العودة بتغير زوجها، فصار يطيل الغياب عن البيت، لكنه احتفظ لنفسه بأسراره.
وأكدت أن المرة الوحيدة التي ألمح فيها عبد الله لانخراطه في المقاومة، إشارته خلال توجههما معا إلى رام الله رفقة صديقتها، وقبل يومين من استشهاده إلى أنه يمكن للطبيب أن يداوي مرضاه في النهار، ويقاوم المحتل في الليل بسرية تامة.
رجل شجاع
بدوره، قال مدير مستشفى جنين الحكومي، د. وسام بكر الذي غيرت وزارة الصحة تسميته ليخلد ذكرى الشهيد الدكتور خليل سليمان، إنه عرف د. أبو التين حينما كان طبيب امتياز في المستشفى، وبعد تخصصه وانتقاله إلى قسم الجراحة العامة، ثم انتقالا للوزارة ليكون مسؤولا عن قسم الترخيص فيها.
واستذكر بكر، مناقب د. عبد الله، الذي كان صديقا وأخا ومحبوبا بين زملائه ومعارفه، فيما عرف بمساعدته للمرضى وعائلاتهم، وكانوا يدقون بابه لتسريع ملفاتهم وتحويلاتهم الطبية.
وأضاف أن أبو التين كان يتمتع بصفات فريدة قل نظيرها، وتميز بخفة الدم والظل، وكان شجاعا، وينحاز لكلمة الحق خلال النقاشات المختلفة، وهو ما خلق له حضورا ووزنا في الوزارة والمحافظة.
ووفق بكر، فإن الطبيب الشهيد حاز على مصداقية عالية بين رفاق مهنته، وكان ملهما، واعتبرت لحظة استشهاده صدمة كبيرة، وخسارة لا تعوض.
وأوضح أن د. عبد الله خلق بعد استشهاده حالة خاصة، وأصبح الأطباء والزملاء ودارسي الطب يتغنون به، وبخاصة أنه كان كتوما ولم يبح بما يفعل.
وأشار إلى أن المستشفى عاش حالة حزن شديدة خلال سنتي غياب الطبيب والإنسان والمقاتل والمساعد، وما زالت هالته الروحية حاضرة.
نجمان وفدوى
وتابع بكر: أعاد 23 أيار الماضي فتح أحزان طاقم المستشفى، عقب استشهاد زميلنا رئيس شعبة الجراحة د. أسيد جبارين، الذي كان يتمتع بأخلاق عالية، ومخلصا في عمله، وحرص على التواجد مع زملائه خلال الاجتياحات المتكررة.
واستعاد لحظات استشهاده، حينما كان في طريقه إلى مكان عمله، لكن رصاص الاحتلال أصابه في مقتل، على بعد خطوات من المستشفى.
وتحدث بكر عن حالة "فراغ وحزن كبيرين" تركه د. أسيد في فسم الجراحة، خاصة بعد خبرته الطويلة وعمله في اجتياحات كثيرة لإنقاذ الجرحى.
وأكد أن د. جبارين كان مدربا ومعلما للأطباء الجدد، ومدرسا لطلبة الطب، ولم يكن يعرف غير لغة الإخلاص في العمل.
وزاد بكر أنه لم يتعامل مع د. خليل سليمان شخصيا، فقد كان طبيبا مقيما في المستشفى، لكن يتألم كثيرا لقصة استشهاده.
وقال إن د.سليمان أصر على إنقاذ المصابين داخل مخيم جنين، بعد تنسيق دخول المركبة التي تواجد فيها، لكن جنود الاحتلال استهدفوا السيارة، وأحرقوها بالقذائف.
واسترد بكر بحزن ما شاهده أمام قسم الطوارئ، حينما جرى تغطية الجزء المتبقي من جثة د. خليل بالشاش الأبيض بعد تفحمها.
وتسكن قريبا من جدران المستشفى حكاية 3 نيسان 2002، حينما شن الاحتلال عدوانا واسعا على جنين ومخيمها، ويومها غادرت الممرضة فدوى الجمّال (27 عاما) إلى مستشفى الأمل، عقب انتقالها من العمل في الهلال الأحمر بطولكرم، واستضافتها في بيت شقيقتها رفيدة التي تسكن مخيم جنين.
ويسترد الأهالي محاولة الممرضة فدوى إسعاف أختها رفيدة، إلا أنها كانت أول شهداء الاجتياح الكبير، قبل 22 عاما.
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يعتقل 7 مواطنين من طولكرم
الطقس: أجواء دافئة ومغبرة وارتفاع ملموس آخر على درجات الحرارة
هيئة سوق رأس المال تحذر من انتشار عمليات احتيال مالية
وزارة السياحة والآثار تعلن عن اكتشاف موقع أثري في جفنا
استشهاد المعتقل حاتم ريان من غزة في سجون الاحتلال
دار الإفتاء المصرية تختتم دورة "التعريف بالقضية الفلسطينية"
إصابة مُسنة في اعتداء للمستعمرين جنوب الخليل