عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 14 تشرين الأول 2024

الحثناوي.. سيد "السيباط"

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- يرافق الحاج محمود صالح الحثناوي مهنة التجارة منذ 80 عاما، فقد استهلها في حيفا بعمر الرابعة عشرة، ثم أقصته النكبة إلى جنين، التي عمل فيها بائعا متنقلا، وصار اليوم أكبر تجارها عمرا.

واستذكر أبو بشار، كما يعرفه الناس، بداياته فقد عاش يتيما، وأجبرته ظروف عائلته على العمل في سن مبكرة، وراح يرعى الأبقار بأجر في حقول قريته زرعين، 11 كيلومترا شمال جنين، مقابل 10 ملات (المل الجزء الأصغر من الجنيه أيام الاحتلال البريطاني) على كل رأس أسبوعيا.

 

بائع في حيفا

وقال، وهو يعتمر كوفية بيضاء وعقالا أسود، إنه عمل بائع خبز ومثلجات وفول وترمس في شارع الناصرة بحيفا، وقرب مصفاة البترول، برفقة إخوته الثلاثة، وأقاموا في حارة الغزازوة بحي الحليصة، حتى سقوط المدينة عام 1948.

أبصر الراوي النور مطلع حزيران 1930، وتتلمذ على يد الشيخ أبو شريف في قريته، وكان يدفع كل يوم خميس البيض أو الخبز أو القمح لأستاذه، قبل أن ينتقل إلى المدرسة ويتعلم حتى الصف الرابع.

وأضاف أن والده توفي عام 1936، ثم تبتعه أمه بعد وقت قصير، ليتجرع اليتم ويبدأ رحلة حياة شاقة.

انتقل الحثناوي وإخوته من حيفا، عقب سقوطها إلى عكا بسفينة صغيرة، لكن المدفعية لاحقتهم، وكتبت لهم النجاة برفقة عشرات النازحين، حتى وصلوا عكا، ومنها التحقوا بقافلة سيارات ومركبات طويلة أوصلتهم إلى الناصرة.

وتابع بلحية خفيفة غزاها الشيب، حكاية القافلة التي أخرجتهم من الناصرة برفقة دوريات للاحتلال البريطاني، وبعد وصولهم إلى العفولة تركهم الإنجليز وحدهم، ليوقفهم حاجز تفتيش للعصابات الصهيونية، التي أجبرتهم على النزول والتخلي عن كل أمتعتهم، بوضعها فوق بطانية.

واسترد الحثناوي اللحظات العصيبة التي مروا بها، إلى أن تدخلت دورية تابعة لكلوب باشا (أبو حنيك)، سمحت لهم بالعودة إلى قريتهم التي تعرضت لحصار وقصف بالطائرات.

وأضاف، وهو يعمل في تحضير ثمار الزيتون للتخليل، أنه أقام في قباطية حتى عام 1952 وعمل بحراثة الأرض على رأسي بقر (عَمّال)، واستقر في حي جنين الشرقي، واستأجر دكانه الحالي في سوقها القديم (السيباط)، الذي ما زال فيه حتى اليوم.

واستذكر قائلا: كان السيباط كل صباح يتحول إلى سوق، تحضر فيه النسوة إليه بضائعهن من الألبان والأجبان والسمن البلدي والحليب والبيض، وكن يحملن ما تيسر على رؤوسهن بالجونة (سلة مصنوعة من القش)، والبقلولة (أوعية فخار صغيرة).

 

80 عاما

واستذكر التغيرات التي عصفت بالتجارة منذ 80 عاما، فقد كان ينتقل بين قرى جنين البعيدة، ويضع في خرج دابته الخبز والقمح والشعير والعدس والخبز والزغاليل وغيرها، ليقايضها بسلع أخرى من النسوة، دون استخدام النقود.

وأفاد بأن بيع السمن والطحين والدبس والعجزة كان يتم بالمفرق، مثلما شاع استعمال أكياس الورق وأواني الفخار والزجاج، ولم يكن البلاستيك منتشرا.

عمل الحثناوي منذ عام 1952 في بيع أدوات الخيل، ومنتجات الألبان والأجبان، والزيت، والعطارة، والتجارة العامة، ويحرص اليوم على تسويق سلع عفا عليها الزمن كالفوانيس التي تعمل بالكاز، والبوابير (أدوات للطهي انتشرت قبل الغازات).

وبين أن وسط جنين كان بساتين وبيارات برتقال، وفي أطرافه نهر المقطع، ولم تكن هناك بنايات وسيارات إلا قليلا، كما تطوع لسنوات في رفع الأذان من المسجد الصغير.

والراوي أب لأربعة أبناء وثلاث بنات، رحلت إحداهن إلى الرفيق الأعلى، فيما يعمل أولاده كلهم، وعدد من أحفاده بالتجارة، ولأحدهم شركة لإنتاج الزيوت. كما يحمل هاتفا نقالا غير ذكي للتعامل مع زبائنه، ولا يدخل إلى شبكة الإنترنت.

وحسب الحثناوي، فقد انقرضت مهنة البيطار (صانع حدوات الخيول)، وتبيض الأواني (المبيض)، والحدار (البائع المتجول)، والمطهر المتنقل، وتراجعت مهنة البراك (الطحان).

واختتم بأنه كان شاهدا على كثير من الأحداث والتحولات الكبيرة، أبرزها النكبة والنكسة والعدوان الثلاثي وحروب الخليج، وحصار بيروت، والانتفاضات المختلفة، والعدوان الحالي.

 

سوق مسقوف

والسيباط قلب البلدة القديمة في جنين، مقام منذ الحقبة العثمانية، التي ترتبط الكثير من مبانيها بفاطمة خاتون زوجة والي دمشق، التي شيدت المسجد الكبير، فيما يقدر عمر جنين بنحو 8000 سنة.

ووفق المؤرخ الراحل مخلص محوب الحاج حسن، فإن السيباط كلمة عربية تعني البناء الكبير المسقوف له طريقان للدخول وللخروج، وهناك سيباط القاضي في عكا، وأطلق المصطلح على السوق التجاري القديم في جنين الواقع بين حارة البلدة القديمة، وله 5 منافذ.