عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 02 تشرين الأول 2024

أوجاع نابلس.. نزف حتى الموت

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في فجر مظلم من أيام نابلس الحزينة، كانت البلدة القديمة تغفو على جرح لم يلتئم بعد، لكنها استيقظت فجأة على صوت الرصاص المتوحش، الذي اخترق جدران بيوت المدينة كما يخترق القلوب. عبد الحكيم مأمون عبد الحميد شاهين، ابن الثلاثة والثلاثين ربيعا، كان يحتضن جرحه في صمت حين اقتحمت قوات الاحتلال الأزقة الضيقة، تبحث عن حياة تُزهقها، وعن روح يطاردها حقد الاحتلال القديم.

يؤكد أحمد جبريل مدير الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر أن الاحتلال منع الإسعاف من تقديم العلاج لشاهين بعد إصابته.

كانت الرصاصة وصلت إلى جسد شاهين، ومعها حملت أعباء العداوة التي لا تشبع من دماء شباب فلسطين. سقط عبد الحكيم، لكن قلبه كان لا يزال ينبض برغبة في الحياة، بعينين تنظران إلى الأفق البعيد، حيث تعانق الحرية سماء المدينة. اقتربت سيارة الإسعاف، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من حياته، لكن جدران الاحتلال كانت أشد قسوة من تلك الرصاصات. وقف الجنود، كما تقف الأقدار القاسية، مانعين المساعدة، محاصرين الأمل قبل أن يُعتقل مصابا ويتم الإعلان عن استشهاده لاحقا.

لم يُسمح لشاهين بلحظاته الأخيرة مع المسعفين، لم تكن هناك يدٌ تمتد لتضمد جراحه، وكأن الزمن تآمر مع البنادق ليُعلن نهاية فصول الحكاية دون رحمة. بيد مرتعشة، حاول المسعفون الوصول إليه، محملين بروح الإنسانية التي لم تنكسر رغم كل شيء، لكن طلقات أخرى كانت تنتظرهم.

وفي مخيم بلاطة، حيث تجثم الدموع على أطراف العيون وتحتقن الغصة في صدور الأهالي، سقط ضياء هاني عبد الرحمن دويكات، ابن الخامسة والعشرين، بدمائه التي روت تراب المخيم. كأن الأرض تتنفس من دماء أبنائها، وكأنها تخبر العالم أن كل رصاصة تُطلق، تُولد شهيدا جديدا.

دخلت قوات إلى الاحتلال إلى المخيم بعدة آليات في مشهد بات معهودا بشكل شبه يومي، وما هي إلا لحظات حتى علا صوت الرصاص في كل مكان، وبدأت الإصابات تصل تباعا إلى مستشفى رفيديا متجاوزة العشر، ليعلن الأطباء ارتقاء دويكات شهيدا.

لم يكتفِ الاحتلال بالقتل وإراقة الدماء، بل واصل عدوانه واقتحم عددا من أحياء مدينة نابلس، كأنه يسعى لإخماد كل نبضة حياة تسري في أوصال المدينة. في حارات رفيديا والمخفية، ومخيم العين، كانت قوات الاحتلال تداهم المنازل بعنف، تقتحم حرمة البيوت، وتعبث بمحتوياتها دون رادع أو خوف، وكأن الاحتلال لا يكتفي بملاحقة الأرواح فحسب، بل يسعى إلى تقييد الحرية نفسها.