عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 20 أيلول 2024

قباطية.. الصَّوّانُ والبارود

جنين- الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف- صعد اسم قباطية من جديد إلى واجهة الأخبار، بعد استشهاد سبعة شبان وإصابة آخرين، أمس الخميس برصاص قوات الاحتلال ودهس متعمد، تزامن مع حصار منزل وقصفه بالقذائف، واعتلاء سطحه لسحب الجثامين، قبل أن تشرع الجرافات بهدمه.

وأشار رئيس البلدية، أحمد زكارنة، الذي حوصر في مبنى الهيئة المحلية مع مواطنين لـ"الحياة الجديدة"، إلى أن قباطية مشهود لها عبر التاريخ بمقارعة الاحتلال، كما تحتفظ بسيرة نضالية حافلة إبان انتفاضة 1987، قدمت خلالها أكثر من 25 شهيدا، وعانت حصارا استمر أكثر من عام، وشهدت فترات حظر طويلة للتجوال، وقطع المحتلون التيار الكهربائي عنها مرارا في مستهل عام 1988 كإجراء عقابي.

وذكر بأن البلدة تعرضت لهجمات شرسة في الانتفاضتين، وحمل الجيل الشاب إرث أجداده الذين قارعوا الاحتلال البريطاني بصلابة، مثلما خلدت البلدة ذكرى رموزها بمدارس وشوارع.

وأفاد زكارنة بأن قوات احتلالية خاصة تسللت عند منتصف نهار أمس إلى جبل عائلة زكارنة، وحاصرت منزلا متاخما لمدرسة عزت أبو الرب الأساسية، وحاصرت طلبتها قرابة 4 ساعات، كما منعت مغادرة أطفال روضتي "الأمل" و"مارشميلو" لساعات، وفرضت طوقا على مبنى البلدية، وشرعت في تدمير في البنية التحتية.

بدوره، أكد محافظ جنين كمال أبو الرب، في تعميم وصل "الحياة الجديدة"، أنه تم في ساعات المساء، بالتنسيق مع الارتباط الفلسطيني إخلاء المدارس والمؤسسات ورياض الأطفال من الطلبة والموظفين في قباطية، وجرى نقل الطلبة إلى "بنات قباطية الثانوية الغربية"، لتمكين عائلاتهم من استلامهم.

وتستلقي قباطية المشهورة بمقالع الحجارة، في الركن الجنوبي لجنين، وعلى بعد 6 كيلومترات، وتعد من أكبر التجمعات في المحافظة، إذ يقطنها نحو 33 ألف مواطن، وتعلو البحر بـ 256 مترا، وتشتهر بالزيتون والزراعة وصناعة الحجر الجيري والمقاهي.

وتحيط بالبلدة، التي تمتد على 60 ألف دونم، أشجار الزيتون والأراضي الزراعية السهلية ومنحدرات وتلال تتداخل مع جنين وجاراتها من البلدات اللصيقة، فيما تتميز بمقالعها وحجارتها الصلبة.

 

ثلاثة رجال

واستنادا لرواية المؤرخ المرحوم مخلص محجوب الحاج حسن، فإن المقاوم عبد الغني محمد أبو طبيخ سباعنة، نفذ محاولة اغتيال عام 1929 لنورمان بنتويش، السكرتير الثاني للمندوب السامي جون تشانسلور في القدس وأصابه بجراح، وحكم عليه بالسجن 13 عاما.

كما أن الشيخ محمد نجي أبو جعب، المولود في قباطية عام 1913، اغتال في نيسان 1937  ضابط المخابرات حليم بسطة والشرطي أحمد نايف في حيفا، وكانا يعملان مع المستعمر البريطاني ويلاحقان الثوار.

بينما تمكن، حسب المؤرخ الحاج حسن، ابن البلدة علي أحمد أبو عين أبو الرب، من اغتيال حاكم اللواء البريطاني في جنين، وولتر موفت، في مقر السراي في آب 1938، وألقي القبض عليه فيما بعد، وأعدم دون محاكمة، وهدم المستعمرون غالبية بيوتها.

 

رموز ومعارك

واسترد عميد كلية الآداب والتربية في الجامعة العربية الأمريكية، وابن البلدة، د.جمال حنايشة، تاريخ قباطية، وقال إنها كانت ذات تاريخ نضالي وسياسي ووطني بارز إبان الاحتلال البريطاني، ولمع نجم عدة مقاومين منها، وكانت حلقة وصل بين الثوار والشيخ عز الدين القسام، واعتبر ابن البلدة محمد نجي أبو جعب، سفيرا لـه.

وأكد أن الشهيد يوسف نزال كان له دور في اغتيال حاكم الجليل الشمالي البريطاني، وهو ما يعزز دور البلدة الوطني الذي استمر خلال النكبة والنكسة والانتفاضات الشعبية المتلاحقة.

وشبه ما يحدث في قباطية من عدوان واقتحامات وحصار بما كان يجري على يد المستعمر البريطاني، وكأن "التاريخ يعيد نفسه وإن اختلفت دولة الاحتلال ووسائل العدوان والتدمير".

وأشار إلى أن مقبرة شهداء الجيش العراقي، المقامة على أراضي البلدة، تعد "شاهدا حيا" على طول باعها النضالي خلال معارك جنين بين الجيش العراقي والمناضلين من جهة، والاحتلال الإسرائيلي، التي دارت فوق ثراها.

وبين حنايشة أن قباطية استضافت عشية النكبة عائلات هجرها المحتل وما زالوا في البلدة حتى اليوم، مثلما كان لها دور نضالي ووطني وسياسي بارز خلال هزيمة 1967، كما احتضنت نواة الثورة الفلسطينية وحركة "فتح".

وقال إن الشهيد القائد ياسر عرفات كان يعتبر جبال قباطية نقطة ارتكاز لـ"فتح"، وأقام في كهوفها، وانضم له العديد من أبنائها، كالقائد عزت أبو الرب، الذي كان مرافقا لأبي عمار، والشهيد خالد نزال، عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية، الذي اغتاله الاحتلال في اليونان، وأسماء أخرى كانت جزءا من الحركة الوطنية.

وتبعا لحنايشة، فإن بلدته كانت من أوائل المواقع التي تنخرط بانتفاضة الحجارة، وشكلت مجموعات نضالية ضد الاحتلال والعملاء، ودفعت ثمنا باهظا من دماء شبابها وشيبها، وحصارها وفرض حظر التجوال عليها لأوقات طويلة، وتأسيس مقر لما تسمى "الإدارة المدنية" فيها.

وأقر بوجود ما سماه "انقطاع الصلات والروابط" بين الأجيال السابقة والحالية، التي لا تعرف في غالبيتها العظمى رموز الحركة الوطنية والمقاومين من البلدة؛ لأسباب تتعلق بالمناهج والاهتمامات والتوجهات.

وأكد أن استعادة السردية الفلسطينية لثورة 1936 وما تبعها من نكبة ونكسة وانتفاضات، وإعادة كتابة فصولها، والتي كان لقباطية مساهمة فيها، أمر ضروري وغير قابل للتأجيل.

وأشار حنايشة إلى وجود محاولات لإحياء ذكرى شهداء الثورات المختلفة في قباطية، خاصة مع وجود بعض أحفاد الشيخ القسام في جنين والداخل المحتل.

في المقابل، قالت سونيا نزال، إن عمها خالد ولد في قباطية عام النكبة، وكان أحد أبرز قادة العمل المسلح في الأرض المحتلة، وكان مسؤولا عن قوات إسناد الداخل التابعة للجبهة الديمقراطية، وشغل عضوية المجلس العسكري الأعلى لمنظمة التحرير، واتهمه الاحتلال بمسؤوليته عن عدة عمليات عسكرية مثل ترشيحا وبيسان.

وأضافت أن عمها عاش حياة حافلة عاشها مطاردا، واغتاله الاحتلال في أثينا خلال حزيران 1986.

ووصفت نزال سيرة بلدتها بصفحات نضالية طويلة لا تعرف فصولها النهاية، ورغم ذلك لا تلم غالبية الأجيال الشابة بسيرتها التاريخية.