عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 16 أيلول 2024

عائلة زبيدي.. جينات نضالية متوارثة

"جمل المحامل" أبو أنطون يروي لـ "الحياة الجديدة" حكاية فخر وعز تنقلت بين الجد والأب والابن والحفيد

جنين-الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- تحتفظ عائلة زبيدي بسيرة نضالية لا تتكرر كثيرا، إذ تنقلت بين الجد والأب والابن والحفيد، وجمعت بين الشهداء والأسرى، والجرحى والمبعدين والمطاردين، والمهدومة بيوتهم والمنخرطين في الثورات والانتفاضات، والشهداء المحتجزة جثامينهم، واللاجئين.

يجلس جمال عبد الرحمن محمد زبيدي في قلب حارات السمران بمخيم جنين، ويسترد حكاية عائلته، التي أعاد استشهاد ابنها محمد زكريا، قبل أيام في غارة احتلالية استهدفت سيارة في طوباس، فتح الجراح على مصاريعها، لأسرة فيها 12 شهيدا، و7 جرحى، وعديد الأسرى.

واستهل بجده محمد، الذي قضى خلال الحرب العالمية الأولى، حينما جنده الجيش العثماني، دون أن يتمكن من مشاهده ابنه البكر.

وقال وهو يشعل سيجارته، إن والده عبد الرحمن عاش يتيما، فقد رأى النور وجده على جبهات القتال المشتعلة، عام 1914، بينما أصيب الابن في يده عشية ثورة 1936 بمعارك حيفا، تاركة رفيقة دربه عائشة النجار تعاني.

ووفق زبيدي، فإن أسرته تنحدر من وادي الحوارث شمال غرب طولكرم، التي تتخللها الطريق الرابط بين حيفا ويافا، وقد أقصتها النكبة إلى عارة وعرعرة بالمثلث، ووصل بها المقام عام 1950 إلى منطقة جنزور جنوب جنين، ثم استقرت في مخيم جنين.

واسترجع الابن حكاية والده، الذي استطاع برفقة أحد الضباط المصريين الأسرى الاستيلاء على سلاح حراس سجن شطة، وتمكنا من الفرار برفقة 60 أسيرا نحو جنين عام 1957، عبر مرج ابن عامر وبيسان، وأقام الجد بمخيم الحصن شرق الأردن، ثم انتقل إلى ألمانيا، واغتاله "الموساد" الإسرائيلي هناك.

وقبلها، أصيب عبد الرحمن في قدمه خلال ثورة 1936، واعتقل وحكم سنوات طويلة، لكنه تحرر بعد هجوم أبو درة، أحد أقطاب الثورة، على سجن عتليت في تموز 1938. 

وسبق أن عمل الوالد مزارعا في بيارات برتقال جنين، وتوفي في 30 نيسان 1979، عندما كان الراوي في معتقلات الاحتلال، ومنعت الغربة محمد من وداع أبيه.

 

شجرة وطن

وواصل جمال، أو أبو أنطون، كما يعرفه الأهالي، رسم شجرة لعائلته، ووضع روابط أحزانها، إذ توفي الأخ الأكبر دعاس، عام 1953، وهو في الحادية عشرة من عمره.

بينما لازم الحزن الأخت علياء، التي أبصرت النور عام 1944، إذ استشهد ابنها زياد العامر وابنه نضال، وودعت أحفادها أيهم وأيسر محمد العامر. وكان زياد أحد قادة كتائب شهداء الأقصى عام 2002، كما اعتقل أولادها الأربعة: عماد، ومحمد، ومؤيد، وأحمد.

وسرد قصة أخته خضرة، التي ولدت قبل النكبة بعامين، وكتب عليها العيش في مخيم البقعة بالأردن، وتجرع مرارة النكبة التي تتجرعها الأسرة كلها.

وأشار زبيدي إلى أن إخوته أسعد، وحمدة، وميسر، وأحلام رحلوا مبكرا، ليلحقوا بأخيهم الخامس دعاس، وتركوا قلب أم يغرق في أحزانه.

وكرر حفيده زكريا (شقيق داوود) محاولة التحرر التي قام بها جده، ونجح في انتزاع حريته مع خمسة أسرى من سجن جلبوع في أيلول/ سبتمبر 2021، قبل أن يعاد اعتقالهم وأسرهم بعد أسبوعين تقريبا من تنسمهم الحرية.

 

أبناء وأحفاد وشهداء

تابع جمال حديثه عن شقيقه محمد (والد الشهيدين داوود وطه والأسير زكريا، وزوج الشهيدة سميرة، وجد الشهيد محمد) مشيرا إلى أنه تعرض للاعتقال بعد عام على هزيمة حزيران 67، وأمضى سنة في المعتقل، ثم أعيد اعتقاله إداريا عام 1988 على الرغم من إصابته بالسرطان، وتوفي في أيار 1993، وهو في الخامسة والأربعين.

وواصل: تعرض ابن أخي زكريا للإصابة في وجهه جراء انفجار عبوة ناسفة كان يعدها في كانون الثاني 2002، شوهت وجهه، واستقرت الشظايا في عينه، كما شارك مع إخوته في صد عدوان نيسان 2002، وأصبح ملاحقا من الاحتلال.

واستشهدت أمه سميرة في 4 آذار 2002 عن 52 عاما، ثم لحقها أخوه طه في 6 نيسان 2002، يوم موعد زفافه المفترض، واعتقل الاحتلال شقيقه يحيى وحكم عليه 17 عاما، ثم حكم على أخيه جبريل 12 عاما، وبعد تحرره تزوج ثم عاد إلى المعتقلات مرة أخرى مدة 16 شهرا.

وتابع جمال: تعرض ابن أخي عبد الرحمن للاعتقال 6 سنوات، واعتقل يحيى 18 سنة، وقبع جبريل 16 عاما خلف القضبان، وهو معتقل إداري حاليا.

وتطرق إلى أختيه كوثر وعدن، اللتين تعرض أولادهما لفترات اعتقال متفاوتة، بينهم طه، الذي يحمل اسمه خاله الشهيد.

وحسب زبيدي، فإن شقيقه إبراهيم اعتقل عام 1979، وأبعد إلى الأردن وتوفي عام 2012.

ونفذ إبراهيم أبو شادوف، ابن أخت جمال الأخرى (نصرة) عملية بمحطة القطارات في حيفا في تموز 2001، ويقضي ابنها الثاني إسماعيل 30 عاما في السجن، والثالث محمد يقضي 5 سنوات، وتبعهم نبيل وطارق وقسام.

وتابع: تعيش أختي فايزة في صويلح، وتتذوق مرارة اللجوء والغربة.

 

جمل المحامل

ولم يسلم الراوي جمال من استهداف الاحتلال، إذ أصيب ولده الأول أنطون (مظفر)  في تموز 2023، وجرى استئصال قسم من رئته، كما جرح مرة أخرى في أيار 2024.

كما استشهد ابنه الثاني نعيم، الأسير لسنوات، في كانون الأول 2022، واستشهد نجله الثالث محمد المعتقل 5 سنوات في 29 تشرين الثاني 2023، كما يتعرض ابنه الرابع يوسف للاعتقال الإداري.

وأشار إلى أن ابنته صفد فقدت رفيق دربها وابن عمها الشهيد داوود، وزوج ابنته الثانية رفح المطارد محمد أبو البهاء، وتفرق معتقلات الاحتلال ابنته الثالثة إلهام عن زوجها وابن عمها جبريل.

كما اعتقل ابو أنطون عام 1979، هو وشقيقه إبراهيم، وأمضيا سنة ونصف السنة في عدة سجون، وتوفي والدهما وهما في الأسر، واعتقل 7 مرات إداريا في انتفاضتي 1988 و2000.

وأضاف أنه اصيب بالسل بعد تحرره من معتقلات الاحتلال عام 1980، وأمضى أكثر من شهرين في مستشفى البريج بغزة.

أما بيت جمال فقد نسف عام 1988 أثناء هدم بيت شقيقته الملاصق لمنزلهم. كما جرى هدم منزل ابن أخيه زكريا في نيسان 2002، وتكرر هدم بيت زكريا خلال مطاردته.

واختتم جمال: لم تجتمع عائلتنا منذ عقود في مكان واحد، وتفرقنا القبور والسجون، والمستشفيات والمنافي ومقابر الأرقام، وهناك من قدم للوطن أكثر منا، وتسكنني الأحزان، ويطلق الناس عليّ "جمل المحامل"، وأفتقد أفراد عائلتي وأحزن على غيابهم.