"رَمْسِيس جنين" ينهض من تحت الركام

جنين-الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- أصر عماد نعيم أبو الحيّات، أو رمسيس، كما ذاع صيته، على العودة لمهنته سريعا في صالون الحلاقة، الذي دمرت جرافات الاحتلال معظمه في قلب جنين، خلال اجتياح الأيام العشرة الأخير.
ووقف ابن الثامنة والستين في زاوية من الصالون، الذي يعود تأسيسه إلى عام 1954، ليواصل العمل كالمعتاد، بالرغم من واجهة المحل المدمرة من آليات الاحتلال الثقيلة، والخراب الكبير في مقتنياته.
وقال وهو يضع لمسات النهاية على زبونه، إنه رفض البكاء على الأطلال، وعاد إلى المهنة التي ورثها عن والده وجده، ولم ينتظر إصلاح الأضرار الجسيمة، وشرع في الحلاقة أمام المارة، وفي الهواء الطلق.
وبدت بقايا الركام والأنقاض واضحة في خلفية الصالون الذي انطلق عام 1954، وكان وجهة تفاخر لشيب جنين وشبابها على ارتيادها.
وأعاد أبو الحيات عقارب الزمن إلى ما قبل النكبة، حينما أسس جده ذيب صالونه بجوار مسجد الجريني في قلب حيفا العتيقة، وهي المهنة التي نقلها الجد إلى الأبناء نعيم وعماد وماهر، ثم انتقلت إلى الأحفاد قيس وأحمد.
وأضاف أن عائلة ابو الحيات تشتهر بحلاقيها، فقد عملت في حيفا وعمّان وجنين ونابلس، وكانت شاهدة على النكبة والنكسة والانتفاضات والاجتياحات المتكررة، الني تسببت في تحطيم واجهة صالونها الملاصق لدوار السينما عدة مرات، لكنها الأشد خلال العدوان الأخير.
وأكد رمسيس كما يحب مناداته، أنه سيواصل العمل تحت كل الظروف، ولن يجلس في البيت ليندب حظه، وسيقدم رسالة إصراره على سرعة النهوض من تحت الركام، الذي دفن أجزاءً من مكان عمله، والكثير من ذكرياته.
واسترد عماد سبب تسمية الصالون، كون والده كان مغرمًا بمصر وسافر إليها مرارًا برفقة صديقه محمد جرار، فاختار هو رمسيس لإعجابه بتمثال رمسيس الثاني، وانحاز صاحبه للأهرام فألحقها باستوديو التصوير الخاص به.
ويمثل رمسيس الثاني، أحد أبرز حكام مصر في حقب الفراعنة، ويصور التمثال صاحبه واقفا، وتم اكتشافه عام 1820 بالجيزة، وعثر عليه 6 أجزاء منفصلة، وطوله 11 مترا، ومنحوت من الجرانيت وردي اللون.
ووفق سجل سيرة عائلة أبو الحيات، فقد عمل الأب في عمّان، وكان الحلاق الخاص للملك طلال، فيما ارتبط والدهم بصداقة مع ممثلين مصريين كإسماعيل ياسين، ومحمود المليجي، وما زال أرشيف صورهم حتى اليوم.
في المقابل، أحضر عماد وإخوته كرسي الصالون من الأردن، قبل النكسة، وكان ثمنها 70 دينارا، لكن الركام وسقوط الحجارة دمراها رفقة معدات وأدوات أخرى.
وتفاخر أبو الحيات بابنه وقد أدخل في سبعينيات القرن الماضي مجفف الشعر (السشوار) إلى جنين من حيفا، مثلما طوّر قصات الشعر بالأصابع.
وشقت ابتسامة عماد طريقها، رغم الدمار الذي أتى على مصدر رزقه، وقال إن أهالي جنين وزوارها كانوا يتباهون بالحلاقة عنده، حتى لو لم يحضروا بالفعل إلى صالونه.
وأكد أبو الحيات، الذي تنافس الشيب والصلع على رأسه، أن صالونه المستأجر من والده منذ عام 1954 مبني من حجارة نارية كانت لمحطة السكة الحديد العثمانية التي هدم الاحتلال أجزاءً منها.
كان رمسيس جنين شاهدا على اختلاف الأحوال، وتغير الأجور، واختلاف الأوجه، وكانت أجرة الصالون السنوية 24 دينارًا رفعت قبل فترة إلى 140.
بدوره، قال جوزيف حداد، مالك الصالون، إن والده أعاد إقامة المبنى عام 1948، فقد نسفه المحتلون خلال عدوان على المدينة والمعارك مع الجيش العراقي، وانتقل بضعة أمتار نحو الغرب من مكانه الحالي؛ لتوسعه الطريق.
فيما قال عمر ستيتي، وهو زبون دائم للصالون منذ 5 عقود، إنه لا يستطيع الحلاقة إلا في هذا المكان، وأنه أقنع صاحبه على سرعة إعادة فتحه، وعدم انتظار ترميمه؛ لأن جنين لم تذق الاستقرار عبر التاريخ، ودفعت أثمانا باهظة أمام الغزاة الكثر.
مواضيع ذات صلة
مؤسسات الأسرى: الاحتلال يرتكب جرائم منظمة بحقّ العمال الفلسطينيين في سياق جريمة إبادة شاملة
الصحة العالمية تدعو لدخول الأدوية والمستلزمات إلى غزة لبناء خدمات صحية
شؤون اللاجئين بالمنظمة واللجان الشعبية في مخيمات قطاع غزة يبحثون ترتيبات إحياء ذكرى النكبة
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
مستعمرون يحاولون اقتحام الأقصى عبر باب حطة بقربان حي
"فتح" في اليوم العالميّ للعمال: العمال الفلسطينيّون رافعة للمشروع الوطني وركيزة لبناء الدولة
مصطفى يهنئ نظيره العراقي لمناسبة تكليفه بتشكيل حكومة جديدة